هشام النجار
ديسمبر 29 2017

من السودان يبدأ أردوغان فتح طاقة جديدة للمتطرفين

 

التحالف الذي ظهر مؤخرًا ليس به مسحة إبداع، فما يميزه أنه يضم أنظمة متعاطفة وراعية للإسلام السياسي، لكن هل يمثل قيمة حقيقية ونقلة نوعية لتركيا وقطر والسودان على مستوى الدول وحاضر علاقاتها ومستقبل نهضتها في الإقليم؟.
هذه ليست مقارنة بين محاور لكن على الأقل تشكل المحور العربي الذي قيل أن قطر وتركيا تناهضانه على أساس واضح وهو رفض مكافحة الإرهاب، لتتأسس على هذه المنهجية كل قواعد التعاون بمستوياته العسكرية والاستخبارية والسياسية والمالية والاستثمارية على البحر الأحمر وغيره.
بينما على أي أساس تشكل تحالف قطر أنقرة الخرطوم؟ إنه مؤسس على بنية متفجرة من شأنها تسميم العلاقات بين الدول المتحالفة على غرار ما يجري بين تنظيمات تلك الحالة المنفلتة، وبينها وبين دول الإقليم وأيضًا دول العالم.
المشكلة هي في أساس التحالف، فثلاثتها أنظمة موبوءة بمرض القربى من تنظيمات إرهابية ومتطرفة، وفيمَ تطهر الدول الآن فضاءها من آثار استباحة قوى التطرف حتى للعقول والكتب والساحات والشاشات، لا تترك دول المحور المتشكل فكرة أو شخصًا أو جماعة داعمة للتطرف إلا وتبنته ورعته.
على هذا الأساس يكون القياس، فما معنى الاستثمارات ومشاريع السياحة والرفاهية ومظاهر التطوير ودعم اقتصاديات الدول وعلاقات التقارب بين الدول، وكل هذا مبني على تغذية جماعات وأفكار ظلامية تكفيرية مدمرة عاجلًا أم آجلًا للمجتمعات والأوطان؟
الآن تغير الدول استراتيجياتها ومشاريعها وتعيد النظر في قناعات مسبقة بشأن بعض القوى والتيارات، وتنظر مجددًا في علاقاتها وتحالفاتها من منطلق القرب والبعد من الأيديولوجيا المتطرفة. 
المقصود هو أن مكافحة الإرهاب والتطرف هو ما يقرب بين دول العالم حاليًا بعد أن تحول لوحش يهدد البشرية. 
ليفاجأ العالم بمحور يتشكل ويحدد مواقفه منطلقًا من رابطة العلاقة والانتماء للفكر المتطرف وتيار الإسلام السياسي المتذبذب.
إشارات تنبئ بحاضر ومستقبل تلك المحاور والأنظمة؛ فعلاقاتها مع الدول والقوى الفاعلة تبعث على عدم الثقة وتقلبها الحاد والسريع يخرجها من حسابات المصالح التي تحكم علاقات القوى على قواعد الوضوح والمصداقية والشفافية والثبات.
صدر عن وزير الخارجية المصري سامح شكري، المعروف بحرصه الشديد حيال تصريحاته كلام فهم منه استعداد القاهرة على بدء صفحة جديدة من العلاقات مع تركيا وهو ما تلقاه إعلام جماعة الإخوان كمادة لترويج فرضية موقف مصر الإقليمي الضعيف، الساعي لتقديم تنازلات للتصالح مع أنقرة.
هذا التصريح لا يصدر من فراغ ولابد وأن يكون انعكاسًا لمؤشرات إيجابية سبقته من مسؤولين أتراك، أما ما حدث بعد تصريح شكري مباشرة فهو زلزال زيارة أردوغان للسودان وما تضمنته من رسائل رمزية للعواصم العربية الكبرى. 
مست الزيارة محاور غاية في الحساسية، فيما يتعلق بملفات الأمن القومي المصري وإنعاش حالة الإسلام السياسي عبر ربطها بمحور مصالح، برأس عسكري استراتيجي ترعاه تركيا واقتصادي مالي ترعاه قطر، وبشري تضخه جماعات الإسلام السياسي والجهادي، ثم إنمائي استثماري تحتضنه الأرض السودانية بما تمتلكه من موارد وموقع استراتيجي.
إذن تولى مسؤولون في الحكومة التركية وناشطون في حزب العدالة والتنمية مهمة إعطاء المخدر بشأن إمكانية التعاون مع الدولة المصرية لاستعادة العلاقات وما يقتضيه ذلك من معالجات مرحلية للملفات العالقة وعلى رأسها ملف جماعة الإخوان. 
ليظهر أردوغان بمفاجآت اقتطاع جزيرة إستراتيجية على مرمى حلايب وشلاتين المتنازع عليها بين مصر والسودان، ملوحًا بعلامة رابعة من قلب عمق مصر الاستراتيجي الجنوبي.
هذه ممارسات تنظيمات وقادة جماعات لا قادة دول، والانقلاب على سوريا وبشار الأسد في نفس التوقيت بعد شهور من التهدئة، ليس إلا غضبًا لأبومحمد الجولاني وتنظيمه المستهدف (جبهة النصرة) حاليًا من موسكو.
تلبست أردوغان تمامًا عقلية زعيم الجماعة من جهة أحلامه الإمبراطورية فصار يدور مع مصالح التنظيمات أينما دارت، واهمًا أن تمركزها أينما تمددت شرقًا وغربًا فهي بمثابة تثبيت لنفوذه في مجالات طموحاته السلطانية.
رجب أردوغان يرسل من السودان رسائل للقادة العرب وعلى رأسهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مفادها أن الإسلام السياسي صار يشكل محورًا وتكتلًا. 
ولأن الدفاع عن المشروع الإخواني باتت تنهض به دول وجيوش متحالفة يعقد رؤساء أركانها اجتماعاتهم (اجتماع رؤساء أركان تركيا والسودان وقطر في الخرطوم أخيرا) على بعد مئات الكيلومترات من الحدود المصرية الجنوبية.
لا ينسى أردوغان أن انكسار جماعته وبدء تلقي تياره الضربات القاسية في الشرق الأوسط وفي المنطقة العربية قد بدأ من القاهرة، ويظل قادة الإخوان يناضلون في إقناعه للعودة. 
لذا أطلق تصريحه بشأن نقل الدواعش من الرقة إلى سيناء قبل زيارة السودان بوقت قصير، فالفاتح الغازي قادم ومعه جيوشه ومقاتلوه، ولديه ما يضغط به على الدولة المتحصنة بجيشها على مختلف المحاور والحدود.
صدر تصريح عن وزارة الخارجية السودانية في نفس يوم تصريح أردوغان بنقل دواعش سوريا إلى سيناء، يفيد اعتراض السودان على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، بعد أن كان المسؤولون السودانيون يرحبون بها ويهنئون المصريين والسعوديين عليها.
أين السودان من علاقات الدول، إنها مع أموال بن لادن وخططه ضد مصر والعرب ومع أموال ومطامع قطر وخطط توسع تركيا، وقد يستكين نظامها الإخواني ويظهر التقية في بعض المراحل لكن مع ظهور مشروع تنظيمي يخدم الأيديولوجيا الإخوانية تضرب بعلاقات وصلات الدول وحقوق الجوار عرض الحائط.
الحديث عن قطر في سياق هذا التلون والتضاد واللعب على المتناقضات لا أول له ولا آخر، لذلك نحن أمام عقلية تنظيمات وقادة جماعات يخدمون مصالح تيار ديني بعينه، ولا قيمة عندهم للدول ومصالحها، وفي مقدمتها دولهم. 
إذا تشكل للتيار محور وحلف فمن شأنه أن يستقطب ويجذب الهائمين والمحبطين والمهزومين والساعين للثأر من مختلف طيف الإسلام السياسي في العالم. 
تلك هي رؤية أردوغان التي تتركز حاليًا في تحشيد الجهاديين والإخوان وجمع خلافات أبوبكر البغدادي وأيمن الظواهري ومختار بلمختار وأبومحمد الجولاني وهشام العشماوي ومحمد بديع في خلافة واحدة، يقدر من خلالها على إنجاح مشروعه الحالم منطلقًا من مراكز جديدة في الشرق.
الخطير في هذا التطور أن دولًا تحتل مكانًا وتمتلك خيوطًا وحضورًا في تشابكات الإقليم وملفاته تتقمص الآن روح التنظيمات التي تعرضت لانتكاسات وهزائم.
لا أستبعد بناءً على هذا التطور أن يكون أبوبكر البغدادي نفسه في تركيا وأن المئات من أنصاره ومعاونيه هناك استعدادًا لجولة جديدة في المجال الحيوي الجديد الذي انتقل إليه الخليفة الأكبر أردوغان على ضفاف النيل وشواطئ البحر الأحمر.
أردوغان الذي استقبل في مصر خلال زيارته لها في سبتمبر 2011 استقبال الفاتحين، لا ينسى أن انحسار حلمه وتهديده بالانهيار قد بدأ من القاهرة بعدها بعامين، وها قد عاد من جنوب الوادي رافعًا شعار البغدادي الذي عاند السقوط في أكثر من محطة "باقية وتتمدد".
الأهداف المتداولة والتي تداعب خيالات أعضاء جماعات الإسلام السياسي هي إسقاط الأنظمة العربية القائمة، وما يريده أردوغان للأسد يريده لغيره وصولًا لهيمنة إخوانية على العواصم العربية مرتبطة باسطنبول على طريقة الولايات القديمة للسلطنة العثمانية.
هذا الهدف التبسيطي المنتمي للعقلية التنظيمية الخيالية الجامحة يصطدم بما اصطدم به الملا عمر في إمارة طالبان وتاليًا البغدادي في خلافته المزعومة وقبله حماس في غزة ومعهم الإخوان في مصر، أي بمدى جدارة هذه القوة أو تلك بما تسعى له من تمدد وبسط هيمنة ونفوذ.
في حين يتسبب أردوغان في تحويل تركيا إلى دولة عالمْثالثية لا تختلف في ملفات الفساد والحريات والتعددية عن العديد من دول الشرق الأوسط، يسعى لاستتباع مصر وسوريا والسودان والعراق وليبيا وتونس لمملكته.
فهل اختلف شيئًا عن تلك الجماعات التي لا تملك نموذجًا ولا برنامجًا ولا رؤية ولم تؤسس لدولة قوية في حيزها المحلي، ثم سرعان ما تسعى لفتح وغزو العالم لإقامة الخلافة؟.