من المؤكد أنّ الدولار سيسجل ارتفاعات جديدة أمام الليرة التركية

بعد يومين من العاصفة، يبدو أن ذعر الدولار في تركيا، وارتفاعاته المتتالية أمام العملة المحلية؛ الليرة، هدأت بعض الشيء في الوقت الراهن. 

وفي الوقت الذي ارتفع فيه سعر الدولار مقابل الليرة إلى مستوى أعلى من 4.70 ليرة، وعقب قرار البنك المركزي الخاص برفع معدلات الفائدة بشكل صامد لثلاث نقاط، أصبح التسعير وفق هوامش التداول المعتادة على المؤشر المرجعي (4.86-4.54). أي أن الأسعار بدأت في الاستقرار.
وإذا كان قد حدث هدوء مؤقت في أسواق الصرافة؛ على خلفية قرار الفائدة الصادر عن البنك المركزي، فإن هذا الأمر لا يغير من حقيقة مفادها أن الدولار في شهر مايو وحده، كسب قيمة بلغت 72 قرشًا أي 18 في المئة أمام الليرة. وتعتبر هذه أكبر خسارة تتعرض لها الليرة على أساس شهري بعد الأزمة العالمية 2007-2009.
ولا شك أن الهزة التي تتعرض لها الأسواق، ليست ذات بعد واحد. كما أن الارتفاع في أسعار الدولار تمت السيطرة عليه بزيادة الفائدة المزدوجة التي صدرت عن البنك المركزي خلال شهر واحد، كما ارتفع معدل التمويل الليلي، الذي يمثل الحد الأدنى من سعر الفائدة الإجمالي، إلى 16.5 في المئة أي بنسبة 3.75 نقطة مئوية. وبالطبع ارتفعت فائدة مقايضة العجز الائتماني عن مؤشر علاوة المخاطر -التي تشكل أساس تسعير الفائدة في الاقتراض الأجنبي - بمقدار 0.8 نقطة. فضلا عن أن أسعار الأسهم في سوق الأوراق المالية خسرت في المتوسط 18 في المئة من قيمتها.
أما تداعيات وتكلفة هذه الهزة التي تشهدها الأسواق المالية، على الاقتصاد فبلغت أبعادًا تدعو للعجب.
تركيا التي بلغ عجز العملة الصعبة فيها 453 مليار ليرة، باتت الآن وجهًا لوجه مع تكلفة إجمالية تبلغ 328 مليار ليرة بسبب سعر الصرف غير المستقر بها، والارتفاع الكبير في فوائد العملة الصعبة. و220 مليار ليرة من هذا المبلغ ذهب للقطاع الخاص.
ونظرًا لأن الزيادة التي تقدر بـ3.75 نقطة في معدلات فوائد الليرة، انعكست بشكل مباشر على فوائد الدين، فإن هناك زيادة في التكلفة تبلغ 75 مليار ليرة سنويًا في فوائد القروض التي اقتربت من 2 تريليون ليرة، وفي فوائد سندات الخزينة.
أي أن ضرر الصدمة المزدوجة في شهر مايو على الاقتصاد التركي في حدود 403 مليار ليرة، وهذا يمثل 13 في المئة من الدخل الوطني للبلاد.
وفي حكم المؤكد الذي لا مفر منه ستنعكس كل هذه التطورات كتضخم على الاقتصاد حتى في ظل الظروف الراهنة. وسيكون هذا أيضا سببًا أكيدًا في حدوث زيادات هيكلية أكبر في أسعار الفوائد وأسعار الصرف.

لكن مشكلات الاقتصاد التركي ليست مقتصرة على هذا فحسب. فالدولة مضطرة لسد عجز الحساب الجاري الذي يبلغ 300 مليون دولار مع كل يوم عمل، وذلك من خلال ما يظهر في الأسواق من  تكاليف جديدة وتمويلها. وهذا – حتى وإن كانت الإدارة في أنقرة غير راضية عنه – سيجعل علاقة الحكومة مع الأسواق المالية أمرًا ضروريًا من حيث السلطة، وسيجعل من تلك العلاقة أمرًا محددًا من حيث الاقتصاد.

وكما تعلمون فإن الرئيس رجب طيب أردوغان الذي دأب في كثير من اللقاءات والاجتماعات داخل تركيا على تأكيد معارضته لمسألة الفوائد، قال في لندن خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا تصريحات مشابهة لتلك التي يقولها في هذا الخصوص، وذلك أثناء حديثه مع شركات بريطانية تستثمر في تركيا، ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة التركية بشكل كبير، الأمر الذي أثبت أن الاقتصاد التركي ليس بالملاذ والميناء الآمن على عكس إشادة ومدح الحكومة له بمناسبة وغير مناسبة. فالنظام الحاكم مضطر لزيادة معدلات الفائدة شاء أم أبى، وهذا ما أكدته تصريحات أخرى لأردوغان على مائدة إفطار رمضانية حينما قال إن بلاده مرتبطة بقواعد الاقتصاد العالمية، وإن البنك المركزي يمكنه رفع هذه المعدلات إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وبعد أن يعيش الناس صدمة خطابات أردوغان التي خلت من عناده ورفضه لمسألة زيادة الفوائد، سيبدأ المسؤولون المعنيون تسويق الاستثمارات وعرضها على مديري الصناديق المالية في لندن الذين باعوا تركيا بالكامل. لذلك فإن نائب رئيس الوزراء التركي، محمد شيمشك الذي عرض موقفًا عبر من خلاله أنه صديق للسوق حينما قال "أدعم البنك المركزي التركي بشكل كامل، من المنتظر أن يتوجه الأسبوع المقبل إلى العاصمة البريطانية برفقة مراد جتين قايا رئيس ذلك البنك. لتكون هذه الزيارة الثالثة، خلال شهر، التي يقوم بها شيمشك إلى لندن من أجل الأموال الساخنة، وهو المواطن البريطاني السابق، والذي عمل سابقا بصفته الخبير الاقتصادي والاستراتيجي في شركة "ميريل لينش" في لندن لمدة 7 سنوات في قسم أوروبا الناشئة والشرق الأوسط وأفريقيا .
ومن المؤكد أن الرغبة في تلبية الاحتياجات اليومية من العملات الصعبة الأجنبية اللازمة في السوق لضمان تحقيق الأداء الاقتصادي، هي السبب الرئيس في هذا التنازل الذي قدمته حكومة العدالة والتنمية من أجل الأموال الساخنة، على عكس تصريحات مسؤولي ذلك الحزب بخصوص رفض مسألة الفوائد شكلًا موضوعًا. وبينما تم بحلول نهاية شهر يناير الماضي تمويل 55 في المئة من عجز الحساب الجاري السنوي  من استثمارات المحافظ الأجنبية، انخفض هذا المعدل إلى 40 في المئة بحلول نهاية شهر مارس الماضي. وفي الوقت الذي اقتربت فيه نسبة الانكماش على أساس سنوي في سرعة الاستثمارات المباشرة، من معدل 30 في المئة، فإن نسبة الانكماش هذه بلغت في الربع الأول من العام الجاري 65 في المئة. ولقد شكلت مبيعات العقارات التي قام بها بشكل خاص مستثمرون من دول الشرق الأوسط، دخول استثمارات مباشرة للبلاد قدرت بمليار دولار أميركي. لكن مع هذا لم تكفِ تلك الأموال مجهولة المصدر التي تدفقت على الاقتصاد في بعض الأوقات المثيرة. لذلك تم اللجوء إلى احتياطيات البنك المركزي من أجل سد عجز التمويل. ومن ثم انخفض احتياطي ذلك البنك من العملات الصعبة إلى 31 مليار دولار في 24 مايو الجاري. وهذا الرقم يعرض انخفاضًا بلغ 14 في المئة مقارنة ببداية العام.
وثمة شكوك حول مدى ما يمكن أن تحدثه التصريحات التي سيدلي بها شمشك ورئيس البنك المركزي، جتين قايا، من تغيير لحالة الضعف والانكسار التي عرضها عليها أردوغان من أجل تدفق الأموال الساخنة التي تعتبر أمرًا حياتيا بالنسبة لتركيا. لكن المؤسسات التي من المنتظر أن تشارك في الاجتماعات التي سيحضرها هذان المسؤولان التركيان بلندن، تبعث بين الحين والآخر برسالة مفادها "هذه الزيادة في معدلات الفوائد التي أعلنها البنك المركزي مؤخرًا، بالكاد استطاعت تلافي الأضرار، لذلك يتعين زيادة نسبتها مرة ثانية في 7 يونيو المقبل". وهناك طلبات مماثلة من صغار المستثمرين اليابانيين، الذين يمتلكون بشكل مستقل عن مديري الصناديق المالية، 14 في المائة من السندات التي تصدرها الخزانة التركية، وبالتالي فهؤلاء المستثمرون أكبر داعم لليرة التركية حول العالم.
ومن اللافت للانتباه بشكل كبير أن الاجتماعات المزمعة في لندن بحضور شمشك وجتين قايا، ستنعقد قبل اجتماع لجنة السياسة المالية المقرر في 7 يونيو المقبل الذي سيعلن فيه البنك المركزي التركي معدلات الفائدة الجديدة. 
والبنك المركزي الذي كان هدفه من المحاولة الأخيرة التي رفع فيها معدلات الفائدة، الإبقاء على سعر الليرة التركية مقابل الدولار لما دون الخمس ليرات، ولو حتى موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبل، مضطر لأخذ طلبات الجهات الخارجية بعين الاعتبار، حتى ولو كانت ستبطئ من أداء الاقتصاد بشكل أكبر مما هو عليه.
ومن جانب آخر إذا كانت تركيا قد رفعت معدلات الفائدة وأوقفت بشكل مؤقت نزيف الليرة مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، فينبغي ألا ننسى أن زيادة معدلات التضخم التي ستستمر خلال الأشهر المقبلة على خلفية هذه التطورات، ستكون سببًا رئيسًا في حدوث زيادات إضافية في معدلات الفوائد وأسعار صرف العملة الصعبة.  وهذا أيضًا يبدو وكأنه مقدمات لأزمة جديدة من أزمات العملات الصعبة.
والجانب السيئ الآخر في الأمر، هو أن هذه الأزمة التي تعيشها البلاد اقتصاديًا لا تأثير فيها بشكل كبير للأسواق الخارجية. 
وفي الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد التركي ينفصل بشكل سلبي وغير عادي عن غيره من الاقتصادات المختلفة حول العالم خلال شهر مايو، لم يحدث في النهاية أي تغيير جذري في معدلات فوائد العملات الرئيسة مثل الدولار، واليورو، والين الياباني، التي أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد التركي. وحتى إن كانت هناك تقلبات في أسعار الصرف، إلا أن معدلات الفائدة الخاصة بتلك العملات هبطت للمستوى الذي كانت عليه في نهاية شهر أبريل الماضي. وحقيقة الأمر أن العالم ينتظر بفارغ الصبر موجة جديدة من الزيادات الكبيرة في معدلات الفائدة داخل تركيا التي يبدو في نفس الوقت أنها ما زالت مهددة بمزيد من الانكسارات على المستوى الاقتصادي، بسبب العواصف الخارجية التي يشهدها العالم في هذا المجال، حتى ولو قامت بواجباتها من أجل الحفاظ على الليرة. وحسب ما فهمتم من كل ما ذكر في هذا المقال، فإن من الحتمي والمؤكد أن أسعار صرف الدولار أمام الليرة ستشهد ارتفاعات جديدة.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/dolar/dolarda-yeni-yukselisler-kacinilmaz