اومت اوزكرملو
أبريل 05 2018

من تركيا الى الأنظمة الشعبوية: طغيان الأغلبية.. "طاعون العصر"

طغيان الأغلبية أو كما كان يسمى بـ "حكم الغوغاء" في اليونان القديمة، هو واحد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في العلوم السياسية. وقد مر المصطلح بعملية إحياء من القرن السابع عشر وحتى اليوم، واشتهر عبر شخصيات مثل الرئيس الرابع للولايات المتحدة جيمس ماديسون، والدبلوماسي وخبير العلوم السياسية الفرنسي أليكسي دو توكفيل، والفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت ميل.
وبالنسبة لهؤلاء المفكرين، فإن حكم الأغلبية يحمل دوما مخاطر إهمال حقوق الأقلية، أو ما يمكن تسميتها بالمصلحة العامة. واقترح ماديسون على سبيل المثال النظام الفيدرالي كحل لهذه المشكلة المحتملة.
وبهذه الطريقة حتى إن حاولت الأغلبية انتهاك حقوق الأقلية على المستوى المحلي في واحدة من الولايات، فإن نفس الأغلبية لن تتمكن على الأرجح من السيطرة على السلطة، في بلد كبير مثل الولايات المتحدة، يتألف من ولايات متعددة ومختلفة.
علاوة على ذلك، فإن مبدأ فصل السلطات – التشريعية والتنفيذية والقضائية - سيحمي الأقليات من طغيان الأغلبية.
لكن بالنسبة لجون ستيوارت ميل فإن الحل يكمن في التمثيل النسبي، أو "مبدأ الضرر"، أي أنه ما دام الأفراد لا يسببون أضرارا للآخرين، فإنه ينبغي منحهم الحرية ليفعلوا ما يريدون، لكن إذا تسببت أفعالهم في ضرر للآخرين، فإن الحاكم عليه التدخل ومنع هذه التصرفات.
ولا أرغب في اختبار صبر القراء بتلخيص الانتقادات التي وجهت لهذه المقترحات. وعلى أي حال، فإن مناقشة "طغيان الأغلبية" (وهو في ذاته مصطلح شائك يقبل تفسيرات مختلفة) ليس هدف هذا المقال. ونحن نعلم أنه يمكن للأقلية الوصول للسلطة أيضا، وقمع الأغلبية كما كان الحال في جنوب إفريقيا إبان حقبة التمييز العنصري، وفي سوريا الآن.
كما أن التخلي عن الديمقراطية بسبب احتمال انتهاك الأغلبية لحقوق الأقلية، أو تأسيس آليات تمنح قيمة أعلى لأصوات الأثرياء، أو الأفضل تعليما، كما يقترح ميل، ليس أمرا مستحسنا.
ورغم ذلك، فإن المفهوم لفت انتباهنا إلى مشكلة مهمة وهي: كيف نقدر أن نمنع جماعة، سواء أغلبية أو أقلية، جاءت للسلطة عبر وسائل مشروعة من انتهاك حقوق الآخرين من دون أن نتنكر للديمقراطية؟ أو بمعنى آخر، كيف نكافح ضد مفاهيم الديمقراطية التي تتضاءل إلى أن تصبح مجرد "سياسة الأغلبية" بالتصميم على تسجيل أغلبية بسيطة في انتخابات تالية، بصرف النظر عن كل العمليات والمؤسسات والحقوق، التي نربطها بشكل طبيعي بالحكم الديمقراطي؟
المشكلة ليست صفة مميزة فقط للنظم الاستبدادية أو الدكتاتوريات العسكرية كما يفترض. واستفتاء كتالونيا بشأن الاستقلال عن إسبانيا مثال واضح يشرح إلى أي مدى يمكن استغلال فهم الأغلبية للديمقراطية (وذلك دون التركيز بشكل حصري على عنف الشرطة الذي حدث في يوم التصويت كما فعلت وسائل الإعلام الأجنبية).
في كتالونيا، وهو إقليم يتمتع بحكم ذاتي وله خواصه الثقافية المميزة (خاصة اللغة)، واقتصاد قوي مقارنة بباقي أقاليم إسبانيا، حظيت الحركة المؤيدة للاستقلال بتمثيل قوي دوما، عبر عدة أحزاب منذ نهاية نظام فرانكو، لكنها لم تحصل من قبل على الأغلبية المطلقة.
ووفقا لاستطلاع للرأي أجراه مركز دراسات الرأي التابع لحكومة كتالونيا في عام 2007 (دييجو مورو، "المولود الميت لجمهورية كتالونيا، مجلة كارانت هيستوري مارس 2018) فإن نسبة الناس الذين أيدوا فكرة إنشاء دولة مستقلة كانت 16.8 بالمئة.
ونتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 والسياسات التقشفية التي طبقتها الحكومة المركزية في مدريد، زاد الدعم للاستقلال إلى 37.4 في المئة عام 2017 (وتجدر الإشارة هنا إلى أن نسبة الذين أيدوا فكرة الاستقلال ارتفعت إلى 49 في المئة في ذروة الأزمة الاقتصادية عام 2010).
كان الاستفتاء على الاستقلال الذي أجري في الأول من أكتوبر 2017 انتهاك لدستور عام 1978 الذي حظي بتأييد 90 في المئة من أبناء كتالونيا في ذلك الحين. ولم تكن مفاجأة أن تعلن المحكمة الدستورية الإسبانية الاستفتاء بأنه غير قانوني وفقا للدستور الحالي. ورغم ذلك نجح مؤيدو الاستقلال في إجراء الاستفتاء وتمكنوا من الفوز بتأييد 92 في المئة من الناخبين لكن الإقبال كان دون نسبة 43 بالمئة.
وفي العاشر من أكتوبر أعلن الزعيم الكتالوني كارلس بودجمون، وفقا لما قاله دييجو مورو، أقصر الجمهوريات عمرا في العالم.
وتخلى الرجل بعد أن أقر بأن جمهورية كتالونيا أصبحت "دولة مستقلة وذات سيادة" عن منصبه بعد 57 ثانية فقط على أمل مواصلة المفاوضات مع مدريد.
وفر بودجمون بعد ذلك إلى بروكسل عندما احتجزت السلطات زعماء الاستقلال واحدا تلو الآخر (وقد احتجز هو نفسه في ألمانيا يوم 25 مارس).
لكن كيف ينظم استفتاء غير قانوني لم يحظ بتأييد الأغلبية؟ أدخل كلمة "سياسة الأغلبية". أنصار الاستقلال الذين ركبوا موجة النزعة القومية المتصاعدة تمكنوا من الحصول على أغلبية برلمانية محدودة في الانتخابات الإقليمية عام 2015 بتشكيل تحالف شركاء غير مألوفين، منهم القوميون البرجوازيون، والفوضويون المناهضون للرأسماليين، الأمر الذي مهد الطريق لاستفتاء أكتوبر 2017.
تعطلت العملية ذاتها عندما فقد زعيم التحالف أرتور ماس موقعه بسبب مناوشات داخل حزبه وواجه البرلمان مخاطر الإلغاء وإعلان انتخابات جديدة في مارس 2016. وفي هذه اللحظة، توصل حزبان آخران في الائتلاف إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة وانتخبا بودجمون زعيما جديدا للائتلاف ليتفادى الجميع خطر الدعوة لانتخابات مبكرة.
السبب في قيامي بتلخيص هذا المثال الصغير بالتفصيل هو رغبتي في إظهار كيف يمكن إساءة استغلال سياسة الأغلبية في الواقع العملي. ففي العملية التي قادت إلى استفتاء الاستقلال في كتالونيا جرى الحصول على "أغلبية مشروعة" في البرلمان الإقليمي بواسطة أفكار قومية تم التلاعب بها.
واعتراضات الحكومة المركزية في مدريد، ورغم أنها متوافقة مع الدستور، جرى تفسيرها من قبل مؤيدي استقلال كتالونيا على أنها انتهاك للحقوق المشروعة للشعب الكتالوني. ومما يدعو للسخرية أن هذا الزعم طرحه نفس الناس الذين يشكون منذ مطلع الثمانينيات من أن الأغلبية الإسبانية تتجاهل حقوق الأقلية الكتالونية.
قد تبدو القصة مألوفة بالنسبة لكم. الأغلبية الإسلامية/ الورعة، التي لاقت إساءة معاملة من قبل الأقلية الكمالية/ العلمانية، الأقلية التي تعرضت لإساءة المعاملة ووصلت للسلطة عبر انتخابات نزيهة لأسباب منها تفكك المعارضة العلمانية وعجزها عن طرح سياسات بديلة وتخليها عن المبادئ التي دافعت عنها عندما كانت في المعارضة بمجرد تولي السلطة، والتشبث بها عبر انتخابات متكررة، يثار جدل شديد بشأن شرعيتها، وقمع حقوق وحريات الأقلية بفهم متعنت لسياسة الأغلبية، وما يلي ذلك من فرض نمط حياة وقيم الأغلبية على الأقلية.
ويوجد سبب آخر لاختيار هذا المصطلح، "طاعون العصر"، كما يشير عنوان المقال، وهو التأكيد على أنه لا ينبغي فهم سياسة الأغلبية على أنها شيء خاص بإسبانيا أو تركيا. فالكثير من الأنظمة الشعبوية - الاستبدادية سواء في اليمين أو اليسار تتمكن من البقاء في السلطة في عدد من البلدان، من المجر، وبولندا، إلى الهند وبوليفيا، عبر الاعتماد على مفهوم "سياسية الأغلبية". وحقوق كل أنواع الأقليات، سواء دينية أو عرقية أو طبقية أو جنسية يجري تقويضها مجددا عبر هذه السياسة.
والإجابة عن السؤال الذي طرحته سلفا، وهو "كيف يمكن مواجهة هذا الفهم المهيمن من دون انتهاك حدود الديمقراطية؟" ستكون موضوع مقالي القادم.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية ايضا:

https://ahvalnews.com/majoritarianism/plague-our-times-majoritarianism