سزين اناي
ديسمبر 04 2017

من عصفور مغرد إلى طائر غواية.. رحلة ضراب لقضية خرق عقوبات إيران

قبل أن يسطع نجمه كأحد الشهود بقاعة المحكمة الأمريكية في المحاكمة الجارية بشأن خرق العقوبات المفروضة على إيران، لم يكن لرضا ضراب على الأرجح عمل في تركيا، فقد كان شاعرا غنائيا يكتب كلمات أغاني الشجن الشعبية ذات الطابع الشرقي والمعروفة باسم أغاني الأرابيسك.

تقول كلمات أغنية كان قد كتبها لأحد أبرز نجوم الموسيقى في تركيا، وهو إبرهيم تاتليسس:

كل شيء رأسا على عقب انقلب

أنا مدع ضد القدر                                            

رصاصة كانت قد أصابتني في القلب

وأُسدلت على الفيلم السُتُر

لكنا لم نفهم ما حدث

فدعك من هذا وذاك الحدث

لكن ضراب شخصية تهتم "بهذا وذاك الحدث" وإحدى سمات شخصيته تدوين كل شيء والاحتفاظ به في سجلاته، وكان قد كشف عن هذه الصفة لصحفي يعمل بإحدى الصحف ذات الشعبية في عام 2010.

وقال "أنا شخص يوثق ويحتفظ بكل خطوة في حياته".

هل كان ضراب يحفظ "أرشيفه" في القبو الذي حفره في عمق الفيلا الشاطئية التي كانت له في البوسفور؟ أم إنه أخذها معه للخارج قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة التي جرى اعتقاله فيها في مارس آذار 2016؟

بينما من المحتمل أن تكون هناك سجلات للفترة اللاحقة من حياة المليونير البالغ من العمر 34 عاما، والتي قضى الكثير منها تحت الأضواء، ما زال الغموض يكتنف ماضيه المبكر في إيران وتركيا.

ولد ضراب في إيران عام 1983 لوالدين ينتميان للأقلية الأذرية في إيران، وهي أقلية كبيرة تتحدث بلغة قريبة جدا إلى التركية. وقد قدم إلى تركيا وهو ابن 18 شهرا حيث عاش في مدينة اسطنبول والتحق بالمدرسة فيها حتى صار عمره 13 عاما.

تعلم ضراب تعليما خاصا في اسطنبول لكن أساتذته بالكاد يتذكرونه، إذ يقولون إنه لم يكن هناك ما يتميز به بأي شكل من الأشكال. لكن ليس واضحا إلى أين ذهب ضراب بعدما أغلقت المدرسة بسبب الديون التي تراكمت على مالكها من المقامرة،  أو حتى إذا كان استمر في تعليمه.

انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى دبي عام 1996 حيث أسست شركتي الصرافة نفيس ومركز السلام. لكن بعد ذلك بثلاث سنوات، عاد ضراب وحيدا إلى اسطنبول وكانت مغامراته الغرامية كمراهق تتجاوز بكثير مشروعاته التجارية.

دخل ضراب في علاقة غرامية مع المغنية الشعبية الأذرية جونيل زينالوفا وكتب شعرا في حبها بينما قدمته هي للنخبة من نجوم الغناء الشعبي في تركيا.

ندمج ضراب جيدا في أوساط المشاهير الاجتماعية كشاعر من بلد غريب تظهر في عينيه البراءة، وإن كان يقال إن أسرته قطعت علاقاتها به بسبب عدم موافقتها على زينالوفا. وكانت نهاية العلاقة في عام 2007 مريرة حيث شهدت قضية أمام المحاكم بعد اتهامات بأنها أرسلت له تهديدات بالقتل.

في ذلك الوقت أصبحت عائلة ضراب منخرطة في دوائر الأعمال المحيطة بالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

هنا يبرز بابك زنجاني، وهو سائق سابق لرئيس البنك المركزي الإيراني وأحد تجار الفراء في تركيا. أسس زنجاني شركات في تركيا ويبدو أن ضراب صار شخصا مهما بما يتمتع به من علاقات اجتماعية وطلاقة في التحدث باللغة التركية.

عمل الاثنان سويا لتكوين ثروتيهما وإن بدا واضحا أن ضراب كان شريكا صغيرا لزنجاني الذي صار لاحقا من أصحاب المليارات.

وفي وقت ما بين عام 2005، عندما أصبح أحمدي نجاد رئيسا لإيران، وعام 2007، عندما صار ضراب مواطنا تركيا، بدأ الأخير في تأسيس شركات والاستحواذ على أخرى بملايين الدولارات. وبحلول عام 2012، صارت شركته "سفير لتجارة الذهب" تحتكر تقريبا السوق التركية.

وإلى جانب الثروة التي جناها من أعماله، كان سهم حياته الغرامية في اتجاه الصعود أيضا. وبصفته أحد معجبي نجمة الغناء التركية إبرو غوندش، أرسل ضراب لها كلمات أغاني وهدايا غالية الثمن ومنحته هي مشاعرها في المقابل.

وتناولت الصحف الشعبية الشهيرة بتوسع علاقته بغودندش، التي تكبره بعشر سنوات، وسلطت الضوء على هداياه التي بلغت قيمتها مليون دولار والورود التي كانت ترسل بكميات هائلة على متن شاحنات بالإضافة إلى فرس الرهان "ديوتي فري".

عندما جرى اعتقال ضراب لدى وصوله إلى ميامي في رحلة إلى ديزني وورلد مع غوندش وابنتهما ألارا بنت الخمس سنوات، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يقبع فيها خلف القضبان، فقد أمضى شهرين في السجن في تركيا من أواخر عام 2013 بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران وتقديم رشا إلى مسؤولين على نطاق واسع.

لكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي كان وقتها رئيسا للوزراء، وقف إلى جانب ضراب. وبعدما أحيط بممثلي الادعاء ورجال الشرطة الذين شاركوا في اعتقاله وتم الزج بهم في السجن، خرج المليونير الإيراني الأصل طليقا.

عاد ضراب إلى نمط حياة المليونير وصار محببا إلى وسائل الإعلام. وجرى رسم صورة لضراب على أنه نموذج للزوج والأب والشخص المحب لفعل الخير والذي صار رجل أعمال ناجح. لكن للتأكد من أن سمعته لا تشوبها شائبة، كان ضراب يقدم شكاوى قانونية يطلب فيها تعويضات ضخمة جدا ضد أي شخص يتجرأ على التشكيك في صدقه ونزاهته.

لكن لماذا سافر ضراب إلى تركيا العام الماضي وقد كان من المفترض أنه يعرف بأنه يواجه احتمالات كبيرة للتعرض للاعتقال، في الوقت الذي كان يبدو فيه آمنا في تركيا من جديد؟ هل كان يخطط لأن "يغني" طوال الوقت؟

هل كان خائفا من أن يتم إرساله إلى إيران ويلقى مصير رفيق أعماله زنجاني. بعد اعتقال ضراب في عام 2013،  جرى اعتقال زنجاني في إيران وحُكم عليه في وقت لاحق بالموت لاقتطاعه مليارات الدولارات من إيرادات برنامج النفط مقابل الذهب من السلطات الإيرانية.

وأشارت شهادة ضراب في محاكمته بنيوروك بالفعل إلى تورط إردوغان وعدد من الوزراء الأتراك، كما أنها تقوض الثقة في النظام المصرفي التركي بما قد يؤثر على الاستثمار والاقتصاد.

وأدان إردوغان ما سماه "المحاكم الزائفة" ووصف المحاكمة بأنها محاولة لتقويض تركيا سياسيا واقتصاديا. وتشهد العلاقات الأمريكية التركية بالفعل حالة من التوتر بشأن عدد من القضايا، ويبدو أنها مرشحة لمزيد من التدهور.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: