من منبج إلى إدلب.. ما مستقبل اتفاقات تركيا في سوريا؟

خلال الأشهر الخمسة الماضية، أبرمت تركيا اتفاقات تتعلق بالصراع في جارتها سوريا مع كل من الولايات المتحدة وروسيا بغرض منع الصراع من الانتقال إلى اثنتين من نقاط التماس في شمال هذا البلد العربي.
حدث هذا أولا في يونيو، حيث قامت تركيا بالخطوة الأولى مع الولايات المتحدة على طريق حل الصراع في مدينة منبج العربية الصغيرة في شمال غرب سوريا.
في مايو عام 2016، اتفقت سوريا على عدم معارضة عملية تدعمها الولايات المتحدة ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في تلك المدينة.
حينها دعمت قوات أميركية هجوما شنه تحالف قوات سوريا الديمقراطية، وهو تجمع لمقاتلين أكراد وعرب لكن تهيمن عليه بالأساس وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا عدوها الأول في سوريا.
ولقاء تلك الموافقة، حصلت تركيا من الولايات المتحدة على ضمانات بألا يبقى في منبج سوى المقاتلين العرب من ضمن تحالف قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. بمعنى آخر، اتفاق بألا يعود أي من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية.
حتى تلك المرحلة، كان الخط الأحمر الذي رسمته تركيا في شمال غرب سوريا هو أي وجود لوحدات حماية الشعب الكردية على الضفة الغربية لنهر الفرات.
لا تزال تركيا تقول إن الولايات المتحدة لم تف حتى الآن بوعدها ذاك، وهددت أنقرة مرات عديدة منذ صيف 2016 باللجوء للقوة للقضاء على وجود تلك الوحدات الكردية هناك.
وأرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى منبج في مارس عام 2017 لمنع مقاتلين سوريين تدعمهم تركيا من الاصطدام بأي شكل كان مع وحدات حماية الشعب.
وكان الهدف من وراء الاتفاق الذي أُبرم في يونيو هو السعي لحل نقاط التوتر تلك.
وبعد أشهر من التحضير، وبناء على مبادرة قام بها وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون، تخطط واشنطن لتجاوز هذه العقبة من خلال تسيير دوريات أميركية تركية مشتركة لتعمل معا في المدينة.
وتولت القوات الأميركية بنجاح تدريب نظيرتها التركية على مثل هذه الدوريات، التي انطلقت أخيرا هذا الشهر.
لكن من غير الواضح حتى الآن إن كان هذا سيؤدي إلى انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية من منبج قريبا.
ومع انطلاق الدوريات المشتركة كما أُشير سلفا، بدأت تركيا أيضا في قصف مواقع لوحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرق سوريا، في تحرك ربما يخاطر باندلاع حرب حدودية مع هذه الوحدات في تلك البقعة من سوريا، وهو أمر قد يكون له تأثير سلبي على خارطة الطريق التي يريد الطرفان تطبيقها في منبج.
في أواخر الشهر الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "نحن مضطرون لتحويل انتباهنا إلى الفرات، من هذه المنطقة يأتي التهديد إلى تركيا، بدلا من إضاعة وقتنا في منبج."
لكن وحده الوقت سيؤكد إن كانت خارطة الطريق الخاصة بمنبج ستصل إلى أي شيء إن كان بوسع تركيا ترتيب انسحاب لوحدات حماية الشعب الكردية من تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة وذلك من خلال اتفاقها مع واشنطن.
وفي سبتمبر الماضي، أي بعد شهرين فقط من بدء تطبيق خارطة الطريق الخاصة بمنبج، أبرمت تركيا اتفاقا آخر مع روسيا يتعلق بمحافظة إدلب الواقعة في شمال غرب سوريا.
وعارضت أنقرة بشدة هجوما خططت القوات الحكومية السورية لشنه على تلك المحافظة، وهي الوحيدة التي لا يسيطر عليها الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك بسبب التكلفة البشرية والإنسانية الكبيرة والتي كانت ستسفر على الأرجح عن نزوح مليوني سوري آخرين باتجاه الحدود مع تركيا.
بالتالي توصلت تركيا لاتفاق مع الروس لمنع الوصول إلى هذه النتيجة غير المرغوب فيها.
وعمل البلدان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب ليبقى بها عناصر هيئة تحرير الشام، وهي أكثر الجماعات الجهادية قوة في إدلب.
وبينما لم يتم سحب جميع الأسلحة الثقيلة من المنطقة منزوعة السلاح، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال إن تركيا توفي بتعهداتها بموجب الاتفاق.
لم تكن الحكومة السورية طرفا في الاتفاق، لكنها قالت إن استمرار وجود أسلحة ثقيلة في تلك المنطقة لَهُوَ "مؤشر على عدم رغبة تركيا على الوفاء بتعهداتها."
وبينما سيكون الزمن في النهاية معيارا للحكم على مدى نجاح كل من الاتفاقين المعنيين، فإن التحركات الأخيرة تشير إلى أن تركيا لا تزال لاعبا مهما في المساعدة على توجيه الأحدث على الأرض في هاتين المنطقتين.
يمكن إذا اعتبار كلا الاتفاقين بمثابة سائل سريع التطاير.
وقال آرون ستاين من المعهد الأطلسي متحدثا لموقع أحوال تركية "هناك اختلاف بين الاتفاقين."
وأضاف "في إدلب، نجحت تركيا حتى الآن في منع هجوم قوات النظام، ويرجع ذلك بقدر كبير إلى الدعم الروسي للمحاولات التركية المستمرة لإجهاض الهجوم."
وتابع قائلا "في منبج، الموقف لا يزال غامضا. تركيا تستخدم الإجراء العسكري قرب منبج في محاولة الحصول على مزيد من التنازلات من الولايات المتحدة."
وكان ستاين يشير بحديثه إلى الهجمات التركية الأخيرة على وحدات حماية الشعب الكردية على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
واتفق البروفيسور جوشوا لانديس مع اعتبار تركيا لاعبا مهما في شمال سوريا اليوم، لكنه أشار إلى الطبيعة غير المستقرة في الاتفاق الخاص بإدلب.
وقال لانديس "الأسد ومعه الروس يؤكدون على أن الاتفاق مؤقت وينبغي أن يؤدي إلى نزع السلاح وضبط المقاتلين المتطرفين، بالإضافة إلى استعادة السيادة السورية."
وفي الفترة الأخيرة، دعمت قوى أوروبية دعوة تركيا للتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في إدلب.
وقال لانديس "الطرفان – تركيا وأوروبا - يشعران بالقلق من موجة لجوء أخرى إلى الأراضي الأوروبية، وقلقون أكثر من انتقال المتطرفين في إدلب إلى أناتوليا وربما إلى أنحاء أخرى من أوروبا.
"قد يفضلون بقاءهم في إدلب، وهذا بالتحديد ما تؤكد سوريا وروسيا على استحالة حدوثه."
وأضاف لانديس إن اتفاق منبج "رهن بالقوة العسكرية الأميركية."
وتابع قائلا "تلوح تركيا بالسلاح، وتؤكد على ضرروة إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية من شمال سوريا وتطالب الولايات المتحدة بالتوقف عن تسليح المقاتلين وتدريبهم.
"باختصار، فإن سيطرة الأتراك والأميركيين على أجزاء من سوريا مستقر."
وقال عبد الله هاوز وهو محلل مستقل لشؤون الشرق الأوسط إن الاتفاقين يخدمان نفس الغرض لكنهما مختلفان في كل شيء عدا الغموض الذي يحيط بمستقبل كل منهما.
وأضاف هاوز "يبدو أن الاتفاق مع الروس بخصوص إدلب أكثر فعالية ووضوحا حتى الآن، ويعود جزء كبير من السبب في هذا إلى قدرة الروس على اتخاذ القرارات بطريقة مركزية، تماما مثل تركيا، كما التقى الزعيمان الروسي والتركي واتفقا على ضرورة الحسم."
وتابع "رغم جهلنا بمستقبل اتفاق إدلب، فإن طرفيه - تركيا وسوريا - متفقتان حتى الآن على الأقل، ولديهما خارطة طريق قصيرة الأمد."
ويشير هاوز بشكل مباشر إلى التناقض بين هذا الاتفاق واتفاق منبج، ووصف هذا الاتفاق الأخير بأنه "غير واضح وغير حاسم، بالنظر إلى التعقيد الكبير الذي تتسم به سلسلة اتخاذ القرار في الولايات المتحدة."
وقال "رأينا كيف التقى الأتراك والأميركيون على المستويات الوزارية مرات عدة حتى نجح الطرفان في الوصول إلى اتفاق لتشكيل دوريات مشتركة. وحتى بعد ذلك، تطلب الأمر أشهر ليوضع الاتفاق موضع التنفيذ."
وقال كريم هاس، وهو محلل مقيم بموسكو يتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن اتفاق إدلب "ناجح جزئيا، لكنه يعتبر كافيا في هذه المرحلة بالنسبة لروسيا."
وأضاف "يسمح هذا ببقاء الاتفاق على قيد الحياة."
وأشار هاس إلى نجاح الاتفاق في إبعاد بعض الأسلحة الثقيلة من المنطقة منزوعة السلاح التي تم الاتفاق عليها وقال إن المتطرفين أخلوا المنطقة في هدوء.
وأضاف هاس أن الاتفاق رغم ما فيه من جاذبية، فإن هيئة تحرير الشام - وهي أقوى الجماعات الجهادية في إدلب - لم تلتزم بالموعد الذي تم تحديده في الخامس عشر من أكتوبر ولم تلتزم ببنود الاتفاق.
كما أن الطريقين المهمين (إم 14) و(إم 15) اللذين يربطان محافظة اللاذقية - المطلة على البحر المتوسط وبها تتركز الأقلية العلوية التي تنتمي إليها أسرة الأسد وبها أيضا القاعدة الجوية الروسية في سوريا – مع مدينة حلب في شمال سوريا مغلقان حتى الآن أمام حركة السير.
وإن أفلحت تركيا في إعادة فتح الطريقين بأمان قبل نهاية العام الحالي، فلربما كان في هذا فألا حسنا على احتمال نجاح اتفاق إدلب على المدى البعيد.
وتابع هاس "لعل موسكو الآن تفضل انتظار ما يمكن لأنقرة تحقيقه.. من أجل إجبار هذه الجماعات على الرحيل باتجاه المنطقة العازلة في إدلب."
ولا يعتقد المحلل المقيم في موسكو أن وقف إطلاق النار الحالي سيتحول إلى اتفاق دائم.
وقال هاس أيضا إن وقف إطلاق النار، رغم نجاحه في تقليل عدد الانتهاكات في إدلب مقارنة مع الفترة السابقة على الاتفاق، فإن هذه الانتهاكات عادت لتزيد مرة أخرى.
وأضاف "كما أن بوتين أكد مرة أخرى خلال القمة التي عقدت في إسطنبول وجمعت قادة تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، إن الكرملين يرى اتفاق إدلب مؤقتا ومستعد لدعم الجيش السوري للقتال في مواجهة الجماعات المتشددة في حالة استمرار الانتهاكات."
وتابع "يبدو أن موسكو تنتظر الوقت المناسب لعملية إدلب، لا أكثر ولا أقل."
وتنبأ هاوز أنه بالنظر لكثرة العناصر المناوئة للأسد في إدلب، بالنظر لكونها آخر منطقة مهمة من سوريا لا يزال يسيطر عليها مقاتلون معارضون للنظام، فإن المحافظة "لن تعود لسيطرة النظام السوري قبل التوصل لتسوية سياسية بين روسيا وتركيا."
بالمقابل، فإن هاوز لا يعتقد أن بالإمكان إبعاد المقاتلين السوريين الأكراد، سواء أسميناهم تحالف قوات سوريا الديمقراطية أو وحدات حماية الشعب الكردية، بدون تسوية سياسية بالنظر أيضا إلى قرار الولايات المتحدة الاحتفاظ بوجود عسكري من قواتها هناك، وهو أمر يوفر لتحالف قوات سوريا الديمقراطية إطارا معقولا من الحكم الذاتي.
تشكل هذه المناطق نحو ثلث مساحة سوريا، وإن لم يكن بها عدد كبير من السكان، وهو أمر "مهم باعتبار هذه المناطق سلة الغلال لبقية مناطق سوريا التي لا تزال خارج سيطرة النظام، بالإضافة لما بها من مخزونات نفط وغاز."
وتعارض تركيا بقوة أي وضع يحصل بمقتضاه الأكراد السوريون على حكم ذاتي أو إدارة ذاتية في هذه المناطق.
وفي النهاية، يفضل هاوز تعريف تركيا بأنها "لاعب مهم في التأثير على نتيجة الحرب السورية، خاصة في الأجزاء الشمالية من سوريا"، ويعلل تفسيره بحدودها البرية الطويلة مع سوريا وكذلك بقوتها العسكرية.
وأضاف "بالتالي، فإن من الطبيعي أن تكون تركيا لاعبا مهما في هذه الحرب، خاصة بالنظر لحقيقة أن وحدات حماية الشعب الكردية تربطها علاقة مع حزب العمال الكردستاني الذي تقاتله الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن العشرين."
وتابع "نتيجة الحرب السورية هي إذاً أمر وجودي بالنسبة لتركيا، وأعتقد أن الروس والأمريكيين يفهمون هذا."
وفيما يتعلق باتفاق إدلب، يقول هاس إنه يعجز عن فهم المصلحة التركية في التشبث به.
وأضاف "في رأيي، فإن أنقرة من خلال التوصل لاتفاق كهذا، تقر، سواء كانت تدرك هذا أم لا، بأنها تأتي بالإرهاب من إدلب ومن سوريا بشكل عام إلى داخل الأراضي التركية."
وتابع "بدلا من ذلك، فإن على تركيا إجبار تلك الجماعات على إلقاء أسلحتها، عليها أن تقطع عنها أي دعم لوجيستي، وربما تفتح الطريق لعلمية مشتركة منظمة مهنية، لعلها ستنجح في التقليل من أي تبعات إنسانية محتملة."
لكن هاس يعتقد أنه بدلا من مواصلة هذا الأمر الذي يراه مسارا أكثر منطقية، فإن "القيادة التركية فضلت خيارا مختلفا أكثر تعقيدا وأكثر تدميرا وأطول أمدا."
وقال "من غير الواضح ما تنوي تركيا القيام به حيال هذه المجموعات المتشددة في المستقبل. بعضها سيعبر الحدود إلى داخل تركيا على الأرجح."
وتوقع هاس أن أنقرة في حالة نجاح الاتفاق، ستستخدم على الأرجح بعض الجماعات التي سيتم إخراجها من إدلب "في عمليات عسكرية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وهو أمر أرى أنه يحمل قدرا أكبر من المخاطرة."
وقال "لا تزال هناك تساؤلات مطروحة عن السبب الذي دفع القيادة التركية على وجه التحديد لإبرام اتفا كهذا في سوتشي مع الروس. فبينما تستمر مباحثات مضنية بشأن عملية الانتقال السياسي السلمي والإصلاحات الدستورية،تستنزف تركيا قواها عسكريا، وهو أمر ربما يضر بدورها في تشكيل مستقبل سوريا على مائدة التفاوض."
وتابع "في هذا الإطار، فإن الاتفاق إن كتب له النجاح لن يجعل من تركيا لاعبا مهما في سوريا، بل على العكس ستصبح أسيرة الطموحات السياسية لزعمائها."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/manbij-idlib-turkeys-deal-making-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.