جان تيومان
أبريل 22 2019

من هم أنصار أردوغان الذين اقترضوا بالليرة وأودعوا بالدولار

إن القاعدة الأساسية الأولى التي ينبغي أن يلتزم بها أي مستثمر يريد فتح حساب بالعملات الأجنبية في أي بلد من البلدان هي أن يُغيِّر العملة المحلية إلى العملة الأجنبية التي يريدها، ثم يقوم بإيداعها في البنك. إذا طبقنا هذه القاعدة على الوضع عندنا، فإنه يتعيَّن علينا، حتى نتمكن من فتح حساب بالعملة الأجنبية، أن نعطي الليرة في البداية مقابل العملة الأجنبية.   

عندما ننظر إلى عمليات الإيداع في تركيا من هذا المنطلق، فمن المؤكد أننا سنصطدم بمعلومات تثير الشك والريبة بخصوص ما يقارب 20 مليار دولار، قام المستثمرون المحليون بشرائها وإيداعها في البنوك من منتصف يناير الماضي.

تُرجع إحدى الدراسات، التي تستند في الأساس إلى البيانات الصادرة عن البنك المركزي التركي، الزيادة السريعة في الحسابات بالعملة الأجنبية في الأساس إلى القروض الرخيصة نسبيًا، مقارنة بظروف السوق، التي قامت الدولة بتوزيعها بضمان الخزانة لإحداث انتعاشة في الاقتصاد التركي قبل الانتخابات. ومن الطبيعي أن تدفعنا فضيحة كتلك إلى التساؤل عن هوية الأشخاص الذين حصلوا على هذه القروض، وسبب حصولهم عليها.  

دعونا نعود إلى الوراء قليلًا، ولتكن البداية من التصريحات التي أدلى بها وزير المالية بيرات البيراق في العاشر من يناير الماضي بشأن حزمة القروض الممنوحة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بضمان الخزانة العامة في تركيا.

قامت حكومة حزب العدالة والتنمية في 18 يناير من هذا العام بإقرار حزمة قروض جديدة ممولة من صندوق ضمان الائتمان لتحفيز الاقتصاد المترنح بعد الحزمة الأولى التي أقرتها في إبريل عام 2017.

ويدرك المتابع للتصريحات اللاحقة لهذا الإعلان أن القروض التي منحتها الدولة من أموال صندوق ضمان الائتمان لا تقل عن 45 مليار ليرة تركية. 

وفي السياق نفسه، حددت الحكومة نسبة الفائدة على القروض التي تستهدف في الأساس الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وفوق المتوسطة عند 18.48%، وهي نسبة أرخص بسبع نقاط، مقارنة بنسبة الفائدة على القروض الممنوحة وفق ظروف السوق خلال هذه الفترة.

وبعد أن كانت البنوك العامة هي المتصدر الأول للمشهد في توزيع هذه القروض التحفيزية خلال المرحلة الأولى، لحقت بها البنوك الخاصة والأجنبية بعد ذلك، واحتلت مكانها بين المؤسسات التي وزعت هذه القروض من أموال  صندوق ضمان الائتمان.

في الوقت الذي شرع فيه حزب العدالة والتنمية بتوزيع هذه القروض، باعتبارها واحدة من أهم أسلحته لحصد المزيد من الأصوات في الانتخابات، حدثت تغييرات متزامنة في بند آخر من الميزانية العمومية للقطاع المصرفي. حدثت زيادة غير متوقعة في الودائع بالعملات الأجنبية .

دعونا نستعرض بعض الأرقام الدالة على ذلك؛ إذ تشير البيانات الصادرة عن لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها إلى ارتفاع حجم القروض الممنوحة من الجهاز المصرفي خلال الفترة من 11 يناير إلى 29 يناير إلى 74 مليار ليرة. ومن ثم يمكن القول، استناداً إلى أن متوسط سعر صرف الدولار في الربع الأول من هذا العام وفق بيانات البنك المركزي كان 5.36 ليرة تركية، إن هذا المبلغ يناظر في سوق العملات الأجنبية 13.8 مليار دولار أميركي. وبالتزامن مع هذه الفترة، حدثت زيادة أخرى في حجم ودائع المواطنين الأتراك بالعملة الصعبة، مقدارها 20.2 مليار دولار. 

ومما لا شك فيه أن مبلغ القروض الذي تم توزيعه ليس كافياً لتغطية كل هذه الزيادة في الحسابات بالعملة الصعبة؛ وبالتالي فلا بد من وجود سبب وراء ذلك. والحقيقة هي أن الودائع بالليرة التركية قد انخفضت، خلال نفس الفترة، بمقدار 34 مليار ليرة، أي بما يعادل 6.3 مليار دولار. وأرجع المصرفيون السبب وراء الانخفاض في ودائع الليرة التركية إلى اتجاه المودعين إلى تحويل مدخراتهم إلى ودائع بالعملات الأجنبية نتيجةً لانخفاض عوائد الفائدة على الودائع والسندات.

وبالتدقيق في البيانات الصادرة عن البنك المركزي التركي في هذا الخصوص يتبيَّن لنا، بما لا يدع مجالاً للشك، أن إجمالي الزيادة في حجم القروض، البالغة 74 مليار ليرة تركية، كان مصدرها ودائع المواطنين في البنوك العامة، والتي تقدر بنحو 55 مليار ليرة تركية.    

ومن ثم كانت البيانات الواردة أعلاه أبلغ دليل على اتباع الدولة سياسة ائتمان كان القطاع العام التركي المحرك الرئيس فيها، وأن سياستها تلك هي التي أدَّت إلى ارتفاع نسبة دولرة الودائع بنحو 54%، ولهذا السبب حدث الانخفاض السريع في احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي (الذي صار حديث العالم في الوقت الراهن).

من ناحية أخرى، يمكن أن نستشف من التطورات التي طرأت على القطاع الحقيقي وجود مؤشرات على أن الذين حصلوا على قروض من الدولة لم يستخدموها في أوجه الإنفاق الاقتصادي المعروفة، وإنما قاموا بإيداعها في البنوك مرة أخرى، ولكن في شكل عملة صعبة. وتؤكد أحدث البيانات الصادرة في هذا الصدد تراجع حجم مبيعات التجزئة في شهر فبراير، الذي شهد طفرة كبيرة في منح القروض، بنسبة 4.9%، مقارنة بنسبتها في نفس الشهر من العام الماضي، كما تراجع الناتج الصناعي بنسبة 5.1٪ في نفس الفترة كذلك.  

وكان تراجع الإيرادات الضريبية على السلع والخدمات المحلية خلال شهر مارس، أو بمعنى آخر، كان تراجع عائدات الضرائب التي تحصلها الدولة على نسبة الإنفاق بنسبة 15.5% من المؤشرات الصادمة كذلك خلال هذا الشهر. وهذا يعني أن تلك القروض لم تُنفق في السوق، وأنها لم تُستغل وفق الهدف الذي أعلنته الحكومة، ومن ثم لم يكن لها تأثير إيجابي على تحفيز الاقتصاد.

دعونا نعود مرة أخرى للحديث عن العملة الصعبة، والأشخاص الذين استفادوا من هذه القروض، التي أدت إلى أزمة في العملة هزت اقتصاد البلاد بأكمله. والواقع أن هذا الأمر، بطبيعة الحال، من الأسرار المصرفية، التي يتعذر علينا الاطلاع على تفاصيلها بوضوح، وإن لم يكن من المستحيل تتبع هذه القروض الرخيصة التي تقوم الحكومة بتوزيعها علنًا.

بدايةً، يجب أن نعرف الآتي:

أعلنت الحكومة التركية، خلال فترة منح هذه القروض، عن زيادة الحد الأقصى الذي يمكن لأية شركة أو مؤسسة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحصول عليه من 12 مليون إلى 25 مليون ليرة تركية، كما تم رفع الحد الأقصى بالنسبة للشركات الأكبر حجماً من 50 مليون إلى 200 مليون ليرة تركية.

وبناء على ذلك، يصبح من السهل علينا أن نستنتج أن إقدام الحكومة على رفع حد الاقتراض كان سببه ضعف الإقبال على هذه القروض من جانب هذه الشركات أو أن البنوك العامة، التي تقدم الجزء الأكبر من هذه القروض، كانت تتبع سياسة "انتقائية" في تعاملها مع عملائها، الذين يسعون للحصول على هذه القروض.   

وثمة حقيقة أخرى، لا تقبل الشك، حملتها دراسة علمية دولية مهمة أجريت حول هذا الموضوع؛ أعد هذه الدراسة التي حملت عنوان "دائرة الائتمان وعواقبها الاقتصادية: عواقب الموقف السياسي" عالم الاقتصاد الدكتور أوركون ساكا من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسي، وهي إحدى أهم الكليات البحثية في العالم، مع عالم الاقتصاد لوك جغطاي بيرجان، أحد كبار الاقتصاديين في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير. 

تشير الدراسة إلى أن البنوك المملوكة للدولة في تركيا، قامت بفتح صنبور القروض عن آخره، قبل الانتخابات المحلية في المدن التي يترأس البلدية فيها أي من أنصار الحزب الحاكم، وتحتدم فيها المنافسة مع أحزاب المعارضة، في ذات الوقت الذي أوصدت فيه الباب تماماً أمام أية فرصة للحصول على قروض في المدن التي يترأس فيها أحد أتباع أحزاب المعارضة البلدية. 

وبناء على ما سبق، فإن الجمع بين كلا الخيطين معاً لا بد أن يؤدي بنا لا محالة إلى الشك في أن  هذه القروض، التي تحولت إلى عملات أجنبية، زادت حجم الودائع بالعملات الأجنبية بشكل أحدث هزة في الاقتصاد التركي، قد مُنِحَت لعدد محدود من الشركات المقربة من السلطة.

وهذا ينقلنا بدوره إلى السؤالين التاليين:

- ما هي الشركات أو من هم أصحاب الشركات الذين حصلوا قبل الانتخابات على قروض بسعر فائدة أرخص بسبع نقاط من سعر السوق، واشتروا بهذا المبلغ دولاراً أميركياً بسعر صرف 5.36 ليرة، ثم عاودوا إيداع المبلغ بعد تحويله إلى عملة صعبة في البنوك مرة أخرى؟ 

- ما الذي ستفعله المجموعة الاقتصادية في حكومة أردوغان لوقف تحويل القروض إلى عملة صعبة، خاصة وأنها تؤكد باستمرار أن الهدف من حزمة القروض هو "تحفيز الاقتصاد الوطني؟"

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/devletten-kaptigi-ucuz-krediyle-dovize-kosan-akpliler-kim