غوكهان باجيك
يونيو 06 2018

من يمثل الاتجاه العثماني في السياسة التركية؟

الاتجاه العثماني مفهوم حساس في تركيا تفتخر جماعات إسلامية، بالإضافة إلى القوميين، عبر نسب نفسها إليه.

غير أنه في الوقت الذي تطرح فيه جماعات إسلامية نفسها على أنها تواصل الإرث السياسي والثقافي للعثمانيين، فهي تقدم العلمانيين على أنهم يرمزون إلى التمزق الذي لحق به.
لكن، هل الجماعات الإسلامية تمثل حقا العثمانيين سياسيا وثقافيا؟

كانت الإمبراطورية العثمانية مثالا ناجحا نسبيا للاتجاه التركي الإسلامي العالمي. وبمصطلح عالمي أعني الثقافة الحضرية العالية التي تشكلت من نخب ذات خلفيات دينية وعرقية متنوعة. 

وبناء على هذا، يمكن مقارنة العثمانيين بالنظام العالمي العباسي الذي شكل فصلا زاهيا من التاريخ الإسلامي من نواح كثيرة.

في القرن الثامن عشر، تبنت النخب العثمانية منهجا تغريبيا مكثفا في مسعى للتغلب على مشكلات هيكلية في مجالات تتراوح من الاقتصاد إلى الجيش.

وبلغ التغريب العثماني ذروته بإصلاحات "التنظيمات" في 1839 والتي ترمز إلى طموح الإمبراطورية العريض في إعادة تنظيم نفسها وفقا لنموذج غربي، حتى على المستوى الاجتماعي.

غير أن تلك الأجندة سببت ردود فعل شديدة في المحيط العثماني الذي سرعان ما اعتبرها عملية محفوفة بالمخاطر ثقافيا ودينيا.

واستياء المحيط العثماني عامل مهم في فهم السياسات التركية المعاصرة نظرا لأنه يمثل حجر الأساس التاريخي والاجتماعي للحركة الإسلامية في وقتنا الحاضر في تركيا.

وبشكل خاص في الحقبة الجمهورية منذ عام 1923 وما بعده، أصبحت الجماعات الإسلامية تدريجيا أكثر انعكاسا للثقافة الأناضولية المحلية وجندت أتباعها في الأغلب من القرى والبلدات الصغيرة أو التجمعات الحضرية الجديدة التي لا تزال تحت تأثير الثقافة التقليدية.

وبطبيعة الحال، أعادت الجماعات الإسلامية - تحت التأثير الشديد لثقافتها الأناضولية المحلية- تفسير تاريخ الإسلام وتركيا في الغالب في صورة رفض لوجهة النظر العالمية العثمانية الحضرية الموالية للغرب.

وكإمبراطورية متعددة الثقافات، كان النظام العثماني يضم جماعات مختلفة كثيرة تلعب أدوارا مهمة مثل اليونانيين والأرمن. وبرغم ذلك لم يكن الاتجاه العالمي العثماني يقتصر على غير المسلمين. فالعثمانيون مثلا كان لهم ممثلون في برلمانهم من كردستان. وأيضا كانت هناك مدارس تعلم باللغة الشركسية في إسطنبول في السنوات الأولى من القرن العشرين.

ومن بين الأمثلة الأخرى على هذا الاتجاه العالمي السلطان عبد العزيز الذي كان يؤلف موسيقى الفالس، والسلطان عبد الحميد الثاني الذي كان شغوفا بالباليه. وأعضاء الأسرة الحاكمة أنفسهم كانوا أمثلة على نمط الحياة العالمي العثماني الحضري الموالي للغرب. والثقافة العثمانية العالمية العالية لم تكن في الحقيقة قاصرة على السلالة الحاكمة: فمجلة الأحكام العدلية، أول قانون مدني عثماني، كانت نموذجا بارزا لإحداث تناغم بين الحداثة والقانون الإسلامي التقليدي.

على النقيض، تعود الأصول الاجتماعية والفكرية للحركة الإسلامية في يومنا هذا إلى المحيط العثماني. وبالتالي فقد واصل الزعماء الإسلاميون الأتراك تجسيد طبائع ذلك المحيط وكذلك تحفظاتهم واستيائهم من نمط الحياة العثماني العالمي الحضري.

وبعدما شاهد طالبات بالمدارس الثانوية يرقصن، كتب سعيد النورسي مؤسس حركة النور الإسلامية، والمولود في بلدة بيتليس الشرقية يقول إنه بكى للحالة المزرية للفتيات.

ولم يكن النورسي الحالة الوحيدة. فقد خرج كثير من مؤسسي الحركة الإسلامية المعاصرة من المحيط العثماني حيث كان الاستياء شديدا من التغريب. فعبد الحكيم أرواسي ومحمد زاهد كوتكو وأسعد الأردبيلي وأحمد ضياء الدين الكمشخانوي: كل واحد من هؤلاء لعب دورا رئيسا في تشكيل جماعات إسلامية شتى في تركيا. 

وبطبيعة الحال، ونظرا لأن أصولهم ضاربة بجذورها في المحيط العثماني، فقد جلبوا ميراثهم الثقافي مع تفسيرهم للإسلام وكذلك للتاريخ.

وعلى سبيل المثال، محمد زاهد كوتكو، الاسم البارز في الطريقة النقشبندية التركية والذي كان له تأثير كبير على العناصر الإسلامية السياسية الحالية، فقد شكا في أحد كتبه من أن التحديث جعل الناس ينسون تقاليدهم الثقافية. وبالنسبة لكوتكو فإن ممارسات مثل تناول الطعام على المائدة أو من طبق خاص بالشخص يمثل اعتداء على الثقافة الإسلامية التركية.

وكوتكو مثال نموذجي على استياء المحيط العثماني من أجندة التحديث التي تبنتها النخبة العثمانية العالمية.

وانتقد بشدة أيضا سلوكيات جديدة مثل ارتداء رابطة عنق وسراويل وأحذية غربية الشكل. وكان يعتبر أن مثل تلك الاتجاهات الجديدة، التي يقول إنها "حضرية بالاسم فقط" تمثل تهديدا للثقافة التقليدية.

وهذا النهج، الذي يعتبر التحديث العثماني كارثة وفقا للثقافة المحافظة الأناضولية للمحيط العثماني، طور لاحقا روايته التاريخية الخاصة به.

غير أنها كانت رواية شعبوية نموذجية منفصلة في أغلبها عن الوقائع التاريخية وأعادت تصوير العثمانيين كما لو كانوا ممثلي تلك الثقافة. 

وهكذا، فقد أزالت بعناية ثلاثة مكونات للثقافة العثمانية العالية هي: سمات العالمية والتغريب والعلمانية للنظام العثماني.

وبرغم أن الأمر قد يبدو مفاجئا، فإن الخلفاء الحقيقيين للثقافة العثمانية العالية، ولاسيما على المستويات الإدارية والفكرية، كانوا العلمانيين الكماليين. فقد تكيفت الجماعات التي كانت في أغلبها حضرية - التي مثلت الثقافة العثمانية العالية - مع النظام العلماني في فترة الجمهورية وواصلت عملية التغريب، لكن في هذه المرة ضمن إطار العمل الراديكالي للاتجاه الكمالي. 

لكن الكماليين العلمانيين رفضوا أيضا الاتجاه العالمي العثماني. وبدلا من ذلك، فقد تبنوا أجندة راديكالية في بناء الدولة بهدف إقامة دولة من أنقاض الدولة العثمانية. 

والمثير للسخرية أن الأجندة القومية الراديكالية أسفرت عن إضفاء الطابع التركي والأسلمة بشكل كامل على ديموغرافية الأناضول.

ولهذا فإن أي دراسة تتناول أسلمة الأناضول ينبغي أن تقر بالدور التاريخي والاستثنائي التي لعبته الحركة الكمالية.

إذن، فقد رفضت الجماعات الإسلامية مكونات رئيسة للثقافة العثمانية العالية مثل سماتها العلمانية وكذلك توجهها الموالي للغرب.

على الجانب الآخر، وبرغم مواصلتها التمسك بالسمات العثمانية العلمانية والموالية للغرب، لم تقبل الجماعات الكمالية قط بالاتجاه العالمي على النمط العثماني. فقد كانوا يعتقدون بسذاجة أن وجود أناضول متجانسة سيكون كافيا لإفراز نظام علماني موالٍ للغرب في تركيا.

ومن المفارقات المثيرة للاستغراب أنه برغم اختلاف الجماعات الإسلامية والكمالية بشأن قضايا كثيرة، فقد طور كل منها نظاما دمرت فيه كل جماعة مكونا جوهريا من الإرث العثماني.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: