مهما كان الثمن.. تركيا بحاجة إلى "صفقة اقتصادية جديدة"

أعلنت تركيا المزيد من بيانات الاقتصاد الكلي التي تعكس تفاقم الصعوبات في أنحاء البلاد، إذ تراجعت ثقة المستهلكين إلى 71.3 في فبراير بعد الارتفاع الحاد إلى 72.3 في ديسمبر.
وانعكس هذا التراجع في توقعات أسوأ للبطالة خلال الأشهر الاثني عشر القادمة ومن ثم توقعات الأجور. وبينما يبين مؤشر بلومبرج لثقة المستهلكين توقعات أفضل لشهر مارس، إذ بلغ مستوى 88.8 مقارنة مع 87.0 في الشهر السابق، تكشف التفاصيل عن تراجع إقبال المستهلكين على السلع المعمرة.
والحكومة بطبيعة الحال على دراية بالموقف وتحشد من أجل الإعلان عن برنامج حوافز جديد يضغط أكثر على الموازنة من أجل دعم الاستثمار والاستهلاك. لكن ما زال انخفاض قيمة الليرة بنسبة سبعة بالمئة مقابل سلة الدولار واليورو خلال الشهرين الماضيين، بالإضافة إلى ارتفاع العائد على السندات إلى مستوى قياسي هو الأعلى في عامين عند نحو 14 بالمئة، يشكلان عقبتين كبيرتين في طريق الحفاظ على ارتفاع معنويات المستهلكين والشركات.
وفي ظل تضخم بأسعار المستهلكين في نطاق 10-11 بالمئة وتضخم أساسي عند المستويات المرتفعة ذاتها، تتسلل مخاوف التضخم المطرد إلى الاقتصاد. وإلى جانب استمرار انخفاض الليرة، فإن تفاقم العجز في ميزان المعاملات الجارية إلى الناتج المحلي الإجمالي – والذي من المنتظر أن يبلغ 5.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام – وارتفاع عجز الموازنة صوب مستوى ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هي المؤشرات الرئيسية التي يتأسس عليها انحسار التوقعات.

رسم بياني عن الاقتصاد التركي
رسم بياني عن الاقتصاد التركي

وتبدو تركيا مثالا جليا على مفهوم فرط النشاط الاقتصادي (economic overheating) الذي لم يحدثه سوى الحكومة نفسها.
ففي ظل غضهم الطرف عن الحقائق الاقتصادية والانكفاء على صورة مخادعة مختلقة ذاتيا، يبدو كبار مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان شديدي الخوف في أسلوب تأويلهم لما يسمى بالحقائق. ويدفع جميل ارتيم، وهو أحد كبار مستشاري الرئيس، بأن "القوى المهيمنة" تحاول وقف صعود "تركيا الجديدة" وأن حزب العدالة والتنمية الحاكم من ثم سيستمر في فعل ما يتناقض تماما مع ما توصي المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي وموديز تركيا بفعله – وهو معالجة  التضخم والعجز في ميزان المعاملات الجارية.
وبناء على ذلك فإن فرص خروج استجابة رشيدة لمواجهة النار المشتعلة في الاقتصاد التركي منعدمة. والمشكلة الرئيسية بالطبع الآن هي عدم تحرك الحكومة لمعالجة أوجه الخلل الاقتصادي، إذ يحتل النمو الاقتصادي مركزا متقدما في الأولوية لديها على جميع العناصر الأخرى من أجل الفوز في الانتخابات المزمع إجراؤها في عام 2019.

رسم بياني عن الاقتصاد التركي
رسم بياني عن الاقتصاد التركي

في هذا السياق، يستحق الأمر إلقاء نظرة على تدفق الأموال الأجنبية على تركيا. ووفقا لبيانات البنك المركزي، فإن المستثمرين الأجانب كانوا خلال أول أسبوعين من مارس بائعين خالصين بقيمة 223 مليون دولار في سوق الأسهم وبقيمة 477 مليون دولار في سوق السندات. وفيما يتعلق ببيانات 52 أسبوعا، فإن التدفقات على سوق الأسهم تراجعت إلى 1.8 مليار دولار من مليارين بينما انخفضت التدفقات على سوق السندات إلى 7.8 مليار دولار من 8.6 مليار.
وليس صعبا استشفاف الحقائق إذ إن أوجه الخلل الكلية في الاقتصاد التركي تأتي في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تغيرا سريعا بدعم من توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي). ففي ظل احتمال رفع أسعار الفائدة أربع مرات في عام 2018 مقارنة مع ثلاث مرات فقط في التوقعات السابقة، من المنتظر استمرار التقلبات في أسواق السندات والعملات بسبب التدفق المتوقع للأموال على سوق السندات الأميركية التي تشهد ارتفاعا في العائد.
والأكثر أهمية من ذلك حتى هو الحرب التجارية المعلنة من الرئيس دونالد ترامب ضد الصين والكثير من الاقتصادات الصناعية الأخرى عبر فرض رسوم جمركية، والتي قد تتسبب في تراجع المعنويات تجاه الأسواق الناشئة لفترة ممتدة. وبينما قد تجعل الوفرة في السيولة العالمية مهمة حكومات السوق الناشئة أسهل، فإن تركيا من المتوقع أن تتحمل عبئا متزايدا في ظل نهجها الاستثنائي غير المتعقل تجاه إدارة الاقتصاد الكلي في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الدولية تغيرات.

رسم بياني عن الاقتصاد التركي
رسم بياني عن الاقتصاد التركي

وبالطبع هناك مخرج من منزلق الأحداث السلبية هذا. 
فيجب على الحكومة البدء في البحث عن ملاذ للاقتصاد يتمتع بالمصداقية. وما تحتاجه تركيا هو تطبيع الأوضاع في الداخل على كافة المستويات بدلا من الخطاب السياسي الذي يغذي الانقسام والسياسة الاقتصادية التي تحفز النمو وفي المقابل تفاقم أوجه الضعف.
ويبدأ استجلاء الحقيقة الواقعة بالتسليم بحقيقتين أساسيتين. فبالوتيرة الحالية للنمو الاقتصادي، من المتوقع أن تسجل تركيا عجزا كبيرا في ميزان المعاملات الجارية بينما يتجه عجزها المالي – الذي يتحول بشكل متزايد إلى أن يكون المصدر الرئيسي للنمو – إلى الاتساع أكثر خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة. ويُترجم هذا الموقف إلى وضع به "عجز مزدوج"، وهو ما يعني أن تركيا لديها عجز في المدخرات على جميع المستويات في ظل تمويل العجز من خلال المدخرات الأجنبية.
وقد يستمر هذا المزيج الخطير لبعض الوقت في ظل استمرار توافر السيولة في الأسواق المالية العالمية. لكن عند نقطة ما، عاجلا وليس آجلا، سيكون معدل الادخار التركي بحاجة للزيادة وإلا سيكتسب انخفاض قيمة الليرة التركية المزيد من الزخم.
ويتعين أن تأتي زيادة الادخار اللازمة من القطاعين الخاص والعام سويا. وبالنظر على المستوى الدولي، فإن مثل هذا التغير في الاتجاه يمكن أن يحدث فقط عندما ترتفع أسعار الفائدة.

رسم بياني
رسم بياني عن الاقتصاد التركي

بيد أن هذا الملاذ الجديد يجب أن يشمل المزيد من الزيادة في أسعار الفائدة الرئيسية من قبل البنك المركزي. ويتعين على تركيا، التي تعتمد على التدفقات الأجنبية من أجل ضمان الحفاظ على اقتصادها من الانهيار، البدء في إعادة ترتيب إدارتها للاقتصاد الكلي بشكل واقعي وإلا سيكون من شأن سلسلة من الأحداث تكون بدايتها انخفاض أسرع في قيمة الليرة ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، ولكن ذلك سيكون في هذه الحالة اضطراريا بدلا من أن يكون عبر القوى السوقية.
ويجب أن تكون نقطة البداية صوب انتشال الاقتصاد التركي إلى بر آمن من جديد، هي استهداف إبطاء وتيرة النمو في الأجل القصير إلى المتوسط من أجل إعادة التوازن. وعلى نطاق أوسع، يجب أن تكون هذه "الصفقة الجديدة" لتركيا ترتكز بالضرورة على استشراف الحقيقة من كافة أوجهها، سواءً اجتماعيا أو اقتصاديا. وفضلا عن ذلك، فإن إعادة الاستقلال إلى النظام القانوني بعد إخلال الساسة به في الوقت الحالي سيكون مماثلا في الأهمية.
وستبقى معرفة ما إذا كان لدى الحكومة القدرة على تغيير الأمور. وكانت إدارة حزب العدالة والتنمية نفسها – وإن كانت تختلف كثيرا عن إدارة اليوم – قد أظهرت خلال الفترة بين عامي 2002 و2006 القدرة والرغبة اللازمتين لدفع عجلة الاقتصاد في الاتجاه الصحيح على نحو رشيد نسبيا.
لكن من غير الممكن توقع تصرف مماثل قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي من المقرر انعقادها بحلول نوفمبر من العام القادم. في الوقت ذاته، يبدو أن كل ما يمكننا فعله الآن هو الرجاء والتمني بأن تمر موجة المتغيرات العالمية بأقل خسائر قدر المستطاع.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/turkey-desperately-needs-new-deal-economy