ذو الفقار دوغان
يونيو 30 2018

مهمة دولت بهجلي تحقيق "التوازن والمراقبة"، وأردوغان سيدفع الثمن

في ليلة انتخابات 7 يونيو 2015 التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية الأغلبية العددية في البرلمان التركي، ولاحت في الأفق بوادر تشكيل حكومة ائتلافية، ظهر على الساحة دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية ودعا إلى إجراء "الانتخابات من جديد".
حدث هذا في حين أن حزب الشعب الجمهوري الذي فاز بـــ 135 مقعدًا كان قادرًا على أن يشكل بالاتفاق مع حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة القومية الذي فاز بـ 80 مقعدًا ائتلافا توافقيًا تاريخيًا ثلاثي الأطراف مثلما حدث في أعوام 1974، و1992. ومع ذلك فقد حصل حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري على فرصة لإقامة "تحالف كبير" عبر أوسع توافق يُمكِّنه أن يعد دستورًا مدنيًا جديدًا وديمقراطيًا تحت مظلة البرلمان التركي.
يشار إلى أن أحمد داود أوغلو رئيس حزب العدالة والتنمية وقتها كان يميل إلى هذه الفكرة وينظر إليها نظرة إيجابية. وبينما كانت فكرة إقامة تحالف كبير تحظى بقبول واضح لدى حزب الشعب الجمهوري بدأت الأعمال الخاصة بإعداد مسودات بروتوكول التحالف المرتقب.
وفي النهاية قُبلت دعوة بهجلي لإجراء انتخابات جديدة. واستهلكت المدة الدستورية في لقاءات استكشافية ومباحثات لا طائل منها. ومع أن داود أغلو فشل في المباحثات والمفاوضات ذات الشأن إلا أن أردوغان لم يكلف بدلًا منه كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري ليتولى مهمة إجراء مباحثات التحالف، وذلك بالرغم من أن المسؤولية الدستورية كانت تفرض تكليفه بذلك.
ودخلت حيز التنفيذ مسيرة الانتخابات نحو 1 نوفمبر من ذات العام، وما تلا ذلك معلوم؛ فقد زاد حزب العدالة والتنمية من أصواته في انتخابات نوفمبر 2015 وتولى السلطة بمفرده مجددًا برئاسة داود أوغلو، والذي سلم زمام الأمور من بعده إلى بن علي ييلدرم في مجلس إدارة واتخاذ القرار لحزب العدالة والتنمية. وقد سحبت من داود أوغلو جميع الصلاحيات الخاصة بالتنظيم أولًا، ثم استدعي إلى القصر الرئاسي في بشتبه، ومنح لقب رئيس الوزراء "من قبيل الطرد"، ثم جاء خطاب الاستقالة، ثم أُقيل من الرئاسة العامة لحزب العدالة والتنمية.
وباتجاه انتخابات 24 يونيو 2018 كان دولت بهجلي أيضًا هو من كتب سيناريو المرحلة؛ فقام أولًا بتوزيع الأدوار، وأجرى أول عرض تجريبي في استفتاء 16 أبريل 2017، وقام بأول عرض له من خلال قانون التحالف. أما عشية الــ 24 يونيو 2018 فقد أزاح الستار عن المسرحية التي لعبها على خشبة المسرح بتحقيقه مكاسب ناجحة إلى حد كبير. 
ووفقًا للوضع العام الحالي فإن هذه المسرحية سوف تستمر خمس سنوات على الأقل.
وعشية 24 يونيو أغلق الستار بما حدث في حزب الشعب الجمهوري، ومع غياب محرم إينجه عن الساحة عدة ساعات، وظهور بولند تزجان على رأس كل ساعة وتهدئته من ينتظرون بقلق متزايد قائلًا "سيحسم الأمر في الجولة الثانية"، ثم انتشار رسالة محرم إينجه بعد منتصف الليل بخمس دقائق "نالها رجل".
إلا أنه وبخلاف خطابي رئيس الجمهورية أردوغان اللذين ألقاهما من الشرفة وكان أحدهما في إسطنبول والآخر من القصر الرئاسي في أنقرة، فقد كانت جبهة المعارضة مشغولة بشأنها، ومتأثرة بجو الهزيمة وأدلت بتصريح لم ينل قدرًا كافيًا من الاهتمام في ظل صخب وإرهاق الليلة.
وبينما كانت استطلاعات الرأي جميعها تظهر أن الأمر "منتهٍ"، تخطى حزب الحركة القومية الــ 10 % بينما كانت استطلاعات الرأي تكشف أنه لن يتخطى ولو حتى نسبة 6-7 %، وتتوقع فوز أردوغان من الجولة الثانية، وأعلن دولت بهجلي الرئيس العام لحزب الحركة القومية فوز تحالف الشعب، وأكد ذلك بصفة خاصة بالعبارات الآتية:
"إن الشعب التركي جعل الحركة القومية حزبًا رئيسيًا في البرلمان التركي، كما منحه مهمة تحقيق التوازن والمراقبة، وبذلك حمله مسؤولية هامة. استراتيجيتنا الأولى هي تكوين مجموعة حزبية قوية من أجل الوفاء بمهمة تحقيق التوازن والمراقبة في البرلمان. استراتيجيتنا الثانية هي انتخاب السيد رجب طيب أردوغان رئيسًا للجمهورية. فالحمد لله أن تحقق هدفانا الاستراتيجيان."
من الواضح أن دولت بهجلي الذي نادى فجأة بانتخابات مبكرة في 3 نوفمبر من ولاية أرجيس في عام 2002، وفرَّق تحالف أحزاب: اليسار الديمقراطي والحركة القومية والوطن الأم، مرة أخرى نادى خلال اجتماع كتلته البرلمانية في أكتوبر 2017 بإجراء تعديل دستوري من أجل الانتقال إلى النظام الرئاسي، وبعدها أعلن أن مرشحهم الرئاسي هو رجب طيب أردوغان، وأن حزب الحركة القومية لن يرشح أحدًا للرئاسة.

مهمة دولت بهجلي تحقيق "التوازن والمراقبة"، وأردوغان سيدفع الثمن

 

وبينما كان لا يزال هناك عام ونصف على الموعد الطبيعي للانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر 2019 للانتقال إلى النظام الجديد طُرحت في شهر أبريل فجأة فكرة إجراء انتخابات مبكرة في 26 أغسطس. وليس من الواضح ما هي الدواعي والأسباب أو التحذيرات التي نقلها بهجلي إلى أردوغان في اللقاء الذي دار بينهما لمدة 45 دقيقة؛ إذ سرعان ما وافق أردوغان على إجراء الانتخابات في موعد أسبق من المقترح، وأعلن أنها ستكون في 24 يونيو.
ويبدو أن دولت بهجلي حين أعد هذه الخطة وأقنع أردوغان بالانتخابات كان يعلم أن حزب العدالة والتنمية سوف يفقد أغلبيته في تولي السلطة، وأنه سيحتاج إليه، وأنه شخصيًا سيتولى مهمة تحقيق التوازن ومراقبة أردوغان ورئاسته اللامحدودة. لقد تم رسم الاستراتيجيات وسناريوهات المسرحية بناء على هذا، وعليه قال إنهم وصلوا إلى الهدفين الاستراتيجيين، وإنهم المسؤولون عن تحقيق التوازن ومراقبة الأمور.
جدير بالذكر أن حزب الحركة القومية فاز بـ 11% في انتخابات نوفمبر 2015، ولكنه حصل على نفس الأصوات تقريبًا في انتخابات 24 يونيو على الرغم من أن الحزب الصالح ولد من رحمه. وقد جاء حوالي 1 مليون من مجموع هذه الأصوات من شرق وجنوب شرقي تركيا؛ من المحافظات التي يعيش فيها الأكراد بشكل مكثف. وعندما ننظر إلى هذه اللوحة يبدو أنه كما لم يذهب أي من أصوات حزب الحركة القومية إلى الحزب الصالح، فإنه -أي حزب الحركة القومية- أخذ أصواتًا من حزب الشعوب الديمقراطي.
وبناء على ذلك فإن الرؤساء المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي: سزائي تمللي وبرفين بولدان صرّحا بأن أصوات حزب الشعوب الديمقراطي في ولايات المنطقة قد تراجعت بمقدار 120 ألف صوت مقارنة بانتخابات 2015، وأن عدد أصوات الناخبين الموجودة في الصناديق "التي أمرت بنقلها" اللجنة العليا للانتخابات يبلغ هذا القدر. وعليه فإن حزب الحركة القومية في حاجة إلى إيضاح الارتفاع العالي في عدد أصواته في المحافظات التي يعيش فيها الأكراد بكثافة.
جدير بالذكر أن البعض يرجع هذه الزيادة في عدد أصوات حزب الحركة القومية إلى قوات الأمن الكبيرة العدد التي تم توظيفها هناك بسبب العمليات الواسعة التي تُجرى في المنطقة، وكون رجال الجيش والشرطة والحراسة ناخبين في الوقت نفسه.
وثمة نقطة أخرى تتمثل في أن حزب العدالة والتنمية خسر 7-8 % من الأصوات متراجعًا بذلك بنسبة 42 %، في حين ضيع أردوغان من حزبه 10 نقاط، وتم انتخابه رئيسًا للجمهورية بنسبة 52.5%. وهذه النقاط الفرق هي بالضبط نفس عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الحركة القومية. وبعبارة أخرى صوت ناخبو حزب الحركة القومية "بدون خسارة" لصالح أردوغان.
أي أنّ الأمر لو أخفق فيه أردوغان وحزبه واستمرت الانتخابات للجولة الثانية كان دولت بهجلي وحزبه الحركة القومية سوف يتغلبان على هذا الخطر، ويسدّان الــ 10 نقاط نسبة العجز، ومن ثم يؤدي ذلك إلى انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية من الجولة الأولى، وبالتالي يصبح حزبه محتاجًا إلى التحالف وإلى بهجلي نفسه.
لهذا السبب يقول بهجلي حاليًا "إن تحقيق التوازن والمراقبة مهمتنا نحن". ولكن سفر آيجان نائب رئيس حزب الحركة القومية الذي يقول هذا بلغة أكثر تجريدًا ويفهمها الجميع، بل وربما مضيفًا إليها "صلصلة الابتزاز السياسي" فيقول "من الآن فصاعدًا لن يكون إلا ما نقرره نحن. إن حزب الحركة القومية حزب مفصلي. ومن الآن فلاحقًا هو من سيدير العملية السياسية"، ربما لأنه "أفشى سرًا خاصًا سياسيًا كهذا" عُزل فورًا، وأُقيل من منصبه.
وقد رد ماهر أونال المتحدث الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية بحدة على وصف زعيم حزب الشعب الجمهوري لحزب العدالة والتنمية بأنه "كان رجلًا واحدًا حتى الأمس، وصار بطة عرجاء اليوم"، غير أن ما قاله دولت بهجلي نفسه وما صرح به نائبه الذي عزله من منصبه لأنه غرد قبل الأوان ليس إلا تعبيرًا عن شيء واحد بالفعل، ولكن بعبارات مختلفة.
إنه سيناريو المسرحية التي أعدها بهجلي و"أقنع أو أجبر" أردوغان بتمثيلها، وسنرى أن خريطة الطريق التي تم رسمها من أجل تطور الأحداث في المشاهد القادمة قد تم تصويرها وتخيلها "لمنح الرئاسة إلى أردوغان وجعله يدفع ثمن ذلك". والحقيقة أن هذا بالضبط هو معنى مهمة تحقيق التوازن والمراقبة. وسيكون دولت بهجلي وحزبه الحركة القومية جزءًا لا يتجزأ من هذه الآليات التي أُلغي فيها التعديل الدستوري.
غير أنه ليس من المنطقي الاعتقاد بأن دولت بهجلي هو من وضع مهمة تحمّل هذه المسؤولية وجلس وكتب بمفرده نص هذا السيناريو. ذلك أن بهجلي الذي نادى بانتخابات مبكرة في 2002، وفتح الطريق أمام أردوغان للانقضاض على السلطة، وتولي منصب الرئيس المشارك لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وتنفيذه تغيير تركيا والمنطقة في إطار الإسلام السياسي المعتدل هو هذه المرة أيضًا من يفتح الطريق أمام أردوغان لتولي مهمة أخرى حاملًا لقب الرئيس.
وفي سبيل هذا تحمل مهمة متابعة أردوغان ومراقبته والتفتيش عليه حين يخرج عن المسار ويحيد عن المهمة المرسومة، وإعادته إلى المسار، ومسؤولية تحقيق التوازن في حالات ردود الفعل السياسية والاجتماعية والمجتمعية المحتملة فيما سيتم اتخاذه من خطوات، وذلك كإحدى ضروريات هذا السيناريو الذي كتبه.
يتوقع في المرحلة الأولى أن يتم تنفيذ تعليمات دولت بهجلي وحزب الحركة القومية في تنفيذ الخطط الجديدة في سوريا وشمال العراق وقنديل والجنوب الشرقي، وتنفيذ خطوات مسلحة جديدة في دول المنطقة ضد قوات حزب العمال الكردستاني وقوات وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي. وستكون منبج واحدة من المناطق التي ستشتعل في فترة قصيرة خلال المرحلة الجديدة. وستكون لحزب الحركة القومية مطالبه في الاجتماع القادم للمجلس العسكري الأعلى وفي إعادة هيكلة القوات المسلحة التركية.
ومن المتوقع أيضًا أن تكون عملية العفو عمن تولوا بعض المهام الخاصة في الدولة العميقة في السابق وهم الآن في السجن، وإعادة تأهيل هؤلاء، واستمرار حالة الطوارئ وما شابه ذلك من أمور أجزاءً من مهمة تحقيق التوازن والمراقبة إلى هذا الدعم التحالفي.
وينبغي بعد الاجتماع الذي عقد بين أردوغان وبهجلي ألا يكون من المفاجئ أن يقترح دولت بهجلي تعيين نائب للرئيس يكون من حزب الحركة القومية، وأن يتم بالفعل تعيين بعض الوزراء من داخل البرلمان التركي أو من خارجه في الحكومة الرئاسية.
وإذا ضجر أردوغان في هذه المرحلة من الابتزاز والطلبات فينبغي عدم الحيرة أن يكون الحزب الصالح خيارًا تحالفيًا آخر بالنسبة لأردوغان. فكلام لطفي توركان نائب رئيس الحزب الصالح فيما يتعلق باستمرار تحالف الأمة بعد الانتخابات "لقد تحالفنا من أجل الانتخابات، ولم نشكل تحالفًا، ولم نجهز شروطًا للتحالف" ربما يعتبر رسالة من هذه الناحية.
بل ربما يكون من المبالغ فيه ولكن ليس من المستغرب أن أردوغان قد يطرق باب حزب الشعوب الديمقراطي إن أراد التخلص من حزب الحركة القومية والبحث من جديد عن حل. فهل سيسمح بهذا دولت بهجلي الذي تحمل مسؤولية تحقيق التوازن والمراقبة، أم أنه سيقيد حركة أردوغان؛ هذا ما سنراه لاحقًا.
الخلاصة أنه من المبكر القول إن أردوغان سيشعر بالراحة والطمأنينة كثيرًا بالرغم من وصوله إلى هدفه نظام الرجل الواحد-النظام الرئاسي الذي طالما حلم به منذ سنوات. حيث يحتفظ أردوغان وبهجلي كل منهما بخيوط التحكم في الآخر، وربما أن الميزة الوحيدة لأردوغان في هذه النقطة أنه إذا ما ضغط عليه بهجلي أكثر سيقوم بحل البرلمان التركي، ويدعو إلى "انتخابات جديدة". ولكنه لن يضمن مثل هذه الانتخابات التي سيكون نفسه مضطرًا إلى خوضها.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: