ديسمبر 10 2017

موجة الإسلام السياسي ركبها اردوغان واختبأ وراءه جماعة الربيع العربي

في البدء لابد من القول أن رجب طيب اردوغان، الرئيس التركي هو راكب موجات بامتياز.
بعيدا عن الكارزمية وبنزع الصفات الرسمية التي تتيح له السطوة والسيطرة على الاعلام، فأن اردوغان ليس (صانعا ماهرا) للسياسة بل أن سلوكه السياسي يرتكز على ميزتين أساسيتين: الاولى انه نهّاز للفرص من جهة وانه راكب للموجات من جهة أخرى.
انتهز فرصة التغلغل عبر تيارات الاسلامويين الاتراك وتقرّب من زعاماتهم وبخاصة كل من نجم الدين اربكان  وفتح الله غولن ثم تسلق عليهم وصعد على اكتافهم ثم تركهم اوعاداهم.
اما المرحلة الأخطر والاهم فهي النفاذ عبر الفراغ في الحياة السياسية التركية من خلال تأسيس حزب العدالة والتنمية في العام 2002.
تتساءل مجلة" فورين بوليسي" لماذا فشلت تركيا الجديدة؟
وتجيب باختصار شديد" يبدو الأمر بسيطًا، إنها نزعة حب السلطة".
وتضيف المجلة" عندما اعتلى حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، سدة الحكم، كان يضم إسلاميين سابقين ذوي طموحات، حيث كان عليهم إثبات أنفسهم كديمقراطيين أمام الغرب والعلمانيين من الأتراك على حدٍ سواء".
لكن الإشكالية ان العدالة والتنمية واجهت رقابة على السلطة من طرف الكماليين ولهذا استهل حزب العدالة والتنمية سنوات حكمه الأولى بكبح جماح وقمع المؤسسات الكمالية والتي كان من بين أهمها المؤسسة العسكرية.

تحجيم ارث اتاتورك والمؤسسة الكمالية كانت من اولى مهام اردوغان في سبيل تمرير اطروحات الاسلام السياسي
تحجيم ارث اتاتورك والمؤسسة الكمالية كانت من اولى مهام اردوغان في سبيل تمرير اطروحات الاسلام السياسي

بدا هذا كما لو أنه عملية انتقال ديمقراطي، ولكنه في واقع الأمر جعل الحزب يفلت من سلطة الرقابة والمساءلة مما زاد من فساده وطموحاته وتعجرفه.
وعلاوة على ذلك فإن فلسفة أردوغان الخاصة بالحكم التي أصبحت واقعيا هي «الأيديولوجيا الرسمية» في البلاد مثلما كانت «الكمالية» لقرابة قرنٍ من الزمن. 
ويطلق بعض المراقبين الأتراك على هذه الإيديولوجية اسم "الأسلمة"، ولكن مهلًا فليست هذه نهاية الحكاية! كما تقول فورين بوليسي.
إذ تبدو هذه الأيديولوجيا نسخة طبق الأصل لسلفها الكمالية من حيث أنها جاءت لتأليه الأشخاص: الأردوغانية.
على هذا المنوال برع اردوغان في تأسيس الانتهازيته السياسية في التنقل من كتف العلمانية الى كتف الاسلاموية ولهذا لم يكن مستغربا ان يخاطب حركة الاخوان المسلمين وهم في ذروة مجدهم السلطوي ابان حكمهم لمصر من أجل العمل على بناء دولة علمانية.
 واكد اردوغان خلال زيارته مصر في منتصف سبتمبر 2011 أن الدولة العلمانية لا تعني دولة اللادين. 
ودعا أردوغان، إلى وضع دستور مصر بناء على المبادئ العلمانية، معتبرا أن تركيا تشكل نموذجا للدولة العلمانية المناسبة، ومشيرا إلى أنه مسلم، بالرغم من توليه رئاسة وزراء دولة علمانية. 
لكن اردوغان نفسه دافع بشراسة عن ( الدولة الدينية ) ودولة الإسلام السياسي التي انشأها اخوان مصر ووصل به الامر الى مقاطعة مصر في جميع المجالات ولم يترك فرصة الا وقام بتوجيه النقد اللاذع للحكومة المصرية وأشاد بالاخوان وتجربتهم.
ولعل هذه العلاقة الملتبسة والاشكالية ما بين الاخوانية العربية والتركية والتي تعبر عنها مواقف اردوغان انما تكشف جانبا من جوانب الازمة الخانقة التي يعاني منها ما يسمى الإسلام السياسي، تلك الموجة التي ركبها اردوغان في ذروة الصعود الاخواني ابان ما عرف بالربيع العربي.

الاعجاب والترويج للنموذج الاردوغاني هي إحدى أزمات الاسلام السياسي في اثناء وما بعد ما عرف بالربيع العربي
الاعجاب والترويج للنموذج الاردوغاني هي إحدى أزمات الاسلام السياسي في اثناء وما بعد ما عرف بالربيع العربي

يذكر الباحث بشيرحسن في موقع تحولات" ان ما سُمّي بـالربيع العربي هو نقطة تحوّل مهمة وجسر عبور للحركات الإسلامية وإظهار دورها التعصبي والتكفيري تحت راية الخلافة الإسلامية".
ويضيف الباحث" بالعودة إلى أصل مصطلح الإسلام السياسي، يمكننا أن نقف عند الخلط القائم بين الخطاب الدعوي من جهة والخطاب السياسي من جهة ثانية لدى تلك الحركات الإسلامية الصاعدة. 
ويتطرق الباحث الى مصطلح "الإسلام السياسي" قائلا عنه" انه مصطلح سياسي إعلامي أكاديمي استخدم لتوصيف حركات سياسية ذات مرجعيات غربية، قائمة على هدف تغيير نظام سياسي حاكم، ومعتمدة على مجموعة أفكار تؤمن بأن الشريعة الإسلامية ليست ديانة تستخدمها مجموعة من المسلمين الأصوليين فحسب، وإنما هي عبارة عن نظام سياسي اجتماعي قانوني اقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة".
كان المشهد الإخوانيّ في مصر جليّاً عندما تم تأسيس حزب العدالة والتنمية بزعامة اردوغان وحذا إخوانهم السلفيون حذوهم في الانضواء تحت لواء "حزب النور". 
وعلى المسرب ذاته صعد حزب النهضة الى سدة الحكم في تونس وأسّس إخوان ليبيا "حزب العدالة والبناء" ليعبّروا عن مواقفهم من بناء الدولة الليبية" ما بعد الجماهيرية".
لقد وجد هذا الصعود الدراماتيكي الاخواني ابان موجة الربيع العربي صداه لدى الطرف التركي ممثلا بحزب العدالة والتنمية واردوغان شخصيا فهلل لذلك الصعود ووطد العلاقات مع الاخوانيين السلطويين الجدد وتهلل الاخوانيون من جانبهم لذلك التلاقي السريالي ما بين الاخوانية الاردوغانية واخوانية الربيع العربي.

القرضاوي أحد ابواق الاردوغانية والمروّجين لها ضمن جوقة الاسلام السياسي
القرضاوي أحد ابواق الاردوغانية والمروّجين لها ضمن جوقة الاسلام السياسي

إن الله معك وشعوب العرب والمسلمين معك، وكل الأحرار في العالم معك، ونحن علماء الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب معك.. وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير.


القرضاوي ، من رسالة الى اردوغان

لكن نباهة الاخوان بدت عاجزة وخائرة عن ادراك اللعبة الاردوغانية في التشبث الانتهازي بالعلمانية التي تقتضيها شروط ومتطلبات الحكم في تركيا وعلاقاتها الخارجية.
يقول الباحث بشير حسن" لقد بقي اردوغان على حذره حيال المسّ بالنظام العلماني، بل وتعامل معه كــ"لاهوت سياسي" لا ينبغي إلحاق الأذى بقدسيته" . 
وبهذا المعنى فقد استعاض حزب العدالة والتنمية من خلال زعامة أردوغان عن الاسلام السياسي بتصعيد النزعة القومية التركية وإعادة إنتاجها تحت ظلال المنظومة التاريخية لعلمانية أتاتورك.
يذكر الباحث أحمد ح. الرحيم الأستاذ المساعد في الدراسات الإسلامية في قسم الدراسات الدينية في جامعة فيرجينيا اننا صرنا" امام بيئة سياسية فيها إسلاميون سياسيون ولكن من دون إسلام، أو لا يقودون حملاتهم الانتخابية، باسم الدين صراحة كما هي الحال في حزب العدالة والتنمية".
هذا المشهد الغريب هو الذي لم يقرأه الاسلامويون في حقبة الربيع الربيع العربي جيدا ولم يدركوا الاستخدام الشعبوي الضيق الذي وظف فيه اردوغان العثمانية والإسلاموية لكسب مزيد من القاعدة الشعبية.
واقعيا استغل اردوغان ذلك النوع الرث من الغباء السياسي لدى تلك الأحزاب التي انتعشت في حقبة الربيع العربي فركب على ظهورها وجيّرها اتباعا له على امل بقائها في السلطة لكي تتحول بلدان الربيع العربي الاخواني الى مجرد حدائق خلفية لجمهورية اردوغان.
ويضيء الباحث أحمد الرحيم جانبا من المشهد المصري ابّان ما عرف بثورات الربيع العربي قائلا" أن الإخوان المسلمون المصريون حرصوا على اتباعهم طريقة ونموذج حزب العدالة والتنمية، من خلال تأسيسهم حزب العدالة والحرية" وهو ما الهب حماسة اردوغان في تخيله انه اصبح مرجعية اخوانية في طور الازدهار. 

القطب الاخواني راشد الغنوشي هو احد دعاة الاردوغانية والمروجين لها في ظل العلاقات الانتهازية لتيار الاسلام السياسي
القطب الاخواني راشد الغنوشي هو احد دعاة الاردوغانية والمروجين لها في ظل العلاقات الانتهازية لتيار الاسلام السياسي

أن انتصار اردوغان هو رسالة تأييد للثورتين المصرية والسورية وبقية ثورات الربيع العربي.


راشد الغنوشي
 

ن الإشكالية التي لم يتبنّه لها اردوغان او ربما تجاهلها على الأكثر من منظور براغماتي محض هي الأجواء المعقدة والعصيبة التي رافقت الصعود الاخواني فيما عرف بالربيع العربي.
لقد ورث الاخوان وهم يتسابقون نحو الكراسي والمناصب أوضاعا معيشية صعبة واجواءا اجتماعية محتقنة ومصادرة للحريات السياسية واجواءا بوليسية وانتعاشا للعائلات الارستقراطية ، كل هذه التحديات اخفقت الاخوانية العربية في استيعابها اما اردوغان نفسه فقد انشغل بالخطاب الحماسي دون وعي بالمشكلات الحقيقية.
واقعيا سقط الجميع في نوع من التخدير السلطوي ووجدوا في الحليف التركي سندا كافيا امام موجات التشكيك في التجربة الاخوانية في الحكم.
في المقابل كرس الاخوانيون السلطويون الجدد هيكلهم الحزبي والتنظيمي القائم على الانغلاق والسرية وبذلك عمقوا تلك الفجوة الكارثية مع اكثر طبقات الشعب حاجة للتغيير والانتشال من الفقر والامية.
لكن ما كان يشغل الاخوانيين السلطويين من الطرفين هو المضي في نشر الأيديولوجيا وفرضها نموذجا سلطويا يجبّ ما قبله وما بعده وكان الخيال السلطوي الاردوغاني يتسع اكثر واكثر في توسيع رقعة الاسلاموية الاخوانية وتعزيز هياكلها وتدعيم سلطانها.
على ان السقوط المدوّي للنموذج الاخواني في العديد من الساحات العربية بتمرد الشارع على ذلك الشكل الممسوخ من اشكال الربيع العربي بنسخته الاخوانية لم يكن نهاية الحالة ولا الاستثمار فيها وخاصة من طرف الاردوغانية السلطوية.

الاخوانية السلطوية بدت عاجزة عن قراءة الواقع بشكل متوازن ففشلت في الحكم وانجرفت وراء الاردوغانية و تورطت في الازمة السورية
الاخوانية السلطوية بدت عاجزة عن قراءة الواقع بشكل متوازن ففشلت في الحكم وانجرفت وراء الاردوغانية و تورطت في الازمة السورية

لقد كانت المحرقة السورية فرصة سانحة لكي تتفجر جميع الاحتقانات الاخوانية دفعة واحدة : تجمعوا من كل حدب وصوب في احد الملاعب الرياضية في مصر تحت حكم الاخوان والتأمت الأقطاب الاخوانية والمرشدين والدعاة وافتوا بالجهاد المطلق على الأرض السورية.
لقد كان ذلك المشهد الدوغمائي مظهرا من مظاهر ما سوف يؤول اليه النموذج الاخواني عندما يستخدم العنف المسلح وقطع الرؤوس والعمليات الانتحارية أسلوبا وسلاحا لفرض الأيديولوجيا التدميرية وذلك ما كان.
اكمل اردوغان المهمة الاخوانية ففتح حدود ومطارات بلاده لتدفق ( الجهاديين الانتحاريين) من اكثر من 100 بلد من حول العالم الذين الهبت حماسهم فتاوى كبار العلماء الاخوان وخلال ذلك كان اردوغان يقامر بواسطة انهار الدماء التي تدفقت على الأرض السورية بمجد اخواني مضمخ برائحة البارود والدم.

داعش ولدت من رحم الاسلام السياسي الذي مثلته الموجة الاخوانية ما بعد ما عرف بالربيع العربي
داعش ولدت من رحم الاسلام السياسي الذي مثلته الموجة الاخوانية ما بعد ما عرف بالربيع العربي

لقد كانت ولادة داعش واخواتها من رحم تلك الأجواء الانتقامية والمفعمة بالكراهية والنزعة العدوانية الجامحة للقتل وسفك الدماء ولهذا لم يكن مستغربا ان تجد لها حاضنة اردوغانية سواء بالتسليح او دفع أفواج الإرهابيين للميدان السوري او المتاجرة بنفط داعش لانعاش أحلام الاسلاموية السياسية في تمظهراتها الاخوانية الجديدة.
والان....
ها هي ازمة الإسلام السياسي الخانقة تتجلى،
 تساقطت دولة الخرافة الاخوانية كما الداعشية على السواء بعد تضحيات مليونية في الأرواح وخراب دول ومدن وحواظر واموال طائلة لا حصر لها وبقي اردوغان لا توجع ضميره تلك المأساة وأما بقايا الإسلام السياسي والمنافحين عنه فمختبئون وراء العباءة الاردوغانية المهلهلة عسى ولعل تقيهم مما هو آت من عواصف.