Tiny Url
http://tinyurl.com/yc4ezkm7
ذو الفقار دوغان
يناير 04 2019

ميراث تركيا من 2018 أزمة

يجدر بنا ونحن في مستهل العام الجديد أن نسترجع الأحداث التي وقعت خلال السنة الماضية لاستشراف آفاق التوجهات السياسية والاقتصادية في تركيا.
بدأ العام الماضي بعملية غصن الزيتون، التي استولى الجيش التركي خلالها على مدينة عفرين شمال غربي سوريا من الميليشيات الكردية السورية، وحدات حماية الشعب، بعد هجوم استمر على مدى شهرين.
وبحلول الوقت الذي استولت فيه القوات التركية على وسط عفرين في الثامن عشر من مارس، كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد وضع عينيه بالفعل على مدن منبج وتل أبيض ورأس العين، الواقعة شرق عفرين، والتي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب. لكن وجود القوات الأميركية، التي ساندت وحدات حماية الشعب في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كان عقبة أمام العمليات التركية في هذه المناطق.
وبحلول نهاية العام الماضي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وافق على سحب قواته وإسناد المسؤولية عن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلى تركيا. وإذا صدَق ترامب في كلمته، فسوف تكون أنقرة حرة في التعامل مع خطر تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها ستُترَك أيضاً طليقة اليد في مساعيها الرامية إلى هزيمة وحدات حماية الشعب التي ترى تركيا أنها منظمة إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الذي يحارب ضد القوات التركية منذ عام 1984.
ويظل السؤال المطروح حالياً: هل ستوسع تركيا عملياتها ومناطق سيطرتها في سوريا، أم إن روسيا وإيران - حليفتاها في عملية أستانة للسلام - ستوقفان تقدمها؟
النقطة الأخرى التي ينبغي الانتباه لها هي علاقات تركيا مع إيران. فحيث أن الوجود الأميركي في سوريا كان أحد أهدافه وضع حد لزيادة النفوذ الإيراني، من المنطقي استنتاج أن ترامب أسند هذه المهمة لتركيا عندما قرر سحب القوات الأميركية.
وقد يكون جاز لأردوغان أن يصف الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنه أخيه خلال استضافته في أنقرة في التاسع عشر من ديسمبر عندما أُعلن الانسحاب الأميركي، لكن الرئيس التركي لا يعاني من نقص في الأشخاص المشهود بصداقتهم وأُخوّتهم الذين تحولوا فجأة إلى أعداء مع تغير الظروف. والأرجح أن حُظوة تركيا ستتحول في عام 2019 من صديقي أردوغان - الرئيسان الروسي والإيراني - إلى ترامب، رفيقه الجديد في الولايات المتحدة.
وكما هو الحال مع سوريا، فإن علاقات تركيا مع العراق قد ساءت. ولا توجد ثمة إشارات على أن تلك العلاقات ستشهد تحسناً في وجود رئيس وزراء العراق الجديد عادل عبد المهدي. وقبل انتخاب عبد المهدي في شهر مايو، بدأت تركيا والعراق مفاوضات لتنفيذ عملية مشتركة ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق. لكن تلك المفاوضات توقفت منذ ذلك الحين.
واحتجت بغداد على الضربات الجوية التركية ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني داخل العراق، ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة العراقية.
وتحسنت الأمور بنهاية العام؛ لكن بداية عام 2018 كانت أبعد من أن تكون مبشرة للعلاقات الأميركية التركية. ومحاكمة الأتراك المتورطين في انتهاك العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، فضلاً عن التحقيقات بشأن بنك خلق الحكومي التركي على خلفية الاتهامات ذاتها، أبرز نقاط الخلاف الملحة في بداية العام. وشراء تركيا لأنظمة الدفاع الصاروخي إس-400 من روسيا، واحتجاز القس الأميركي أندرو برانسون لفترة طويلة قبل محاكمته بتهم إرهاب، سيلقيان بظلالهما القاتمة على العلاقات بين البلدين طوال العام.
وكان اعتقال برانسون سبباً جعل الولايات المتحدة تتخذ إجراءات ضد تركيا في أغسطس الماضي، حيث فرضت عقوبات على وزيرين تركيين وزادت الرسوم الجمركية على وارداتها من معادن تركية. أسهم ذلك في إحداث مشاكل كبيرة في الاقتصاد التركي خلال العام الماضي، وساعد على هبوط قيمة الليرة التركية، التي هوت بنحو 30 بالمئة مقابل الدولار خلال العام.
وأسهم إطلاق سراح برانسون في شهر أكتوبر الماضي في الحيلولة دون زيادة التوتر في العلاقات؛ لكن إصرار تركيا على شراء انظمة إس-400 من روسيا تسبب في تأخير تسليم طائرات طراز إف-35. وعبر أعضاءٌ في مجلس الشيوخ الأميركي عن تخوفهم من أن يقوض شراء إس-400 دفاعات حلف شمال الأطلسي وأعدوا مشاريع قوانين لمنع تركيا من الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى نتيجة لهذا.
هذه التحولات مثال على النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي للولايات المتحدة على تركيا. وبرز مثال آخر في الآونة الأخيرة من خلال تقارير عن أن إيكيم ألبتكين، وهو رجل أعمال تركي تربطه علاقات وثيقة بأردوغان، واجه سلسلة من الاتهامات في الدعوى المقامة ضد شريكه في أعماله مايك فلين، الجنرال الأميركي المتقاعد ومستشار الأمن القومي السابق لترامب.
أقر فلين بالذنب في اتهامات موجهة ضده، ومن المرجح أن يصدر بحقه حكمٌ مخفف نظراً لتعاونه مع المستشار الأميركي الخاص روبرت مولر. وزادت التكهنات بأن التحقيقات الجارية قد تلاحق المستويات العليا في الحكومة التركية.
ولم تكن العلاقات مع أوروبا أفضل كثيراً، حيث ما زال القادة الأوروبيون يعبرون عن قلقهم البالغ إزاء سجل الحكومة التركية في مجال حقوق الإنسان.
وتستهل تركيا عام 2019 بعلاقات مقطوعة مع مصر وإسرائيل، فضلاً عن أن المشاركة الدبلوماسية التركية في حل الصراع في ليبيا واجهت ضغوطاً كبيرة. ومن المرجح أن تستمر عزلة تركيا الإقليمية في العام الجديد، وكذلك المشاكل التي ألمّت باقتصادها وسياستها في الداخل طوال عام 2018.
أجرت الحكومة انتخابات مبكرة في يونيو، وتصدر الحزب الحاكم قائمة الرابحين فيها بشقيها البرلماني والرئاسي. وقد عجّلت الانتخابات المبكرة بالتحول إلى نظام رئاسي تنفيذي بأكثر من عام، وهي نقطة تحول جلبت معها ما هو بالضرورة نظام حكم الرجل الواحد. لم يُضع أردوغان أي وقت ليستخدم سلطته في الحكم شيئاً فشيئاً، حيث ربط جميع مؤسسات البلاد الأكثر أهمية بنفسه وبصهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق.
شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم أيضاً تحولاً جذرياً، مع إصرار من جانب أردوغان على تغيير كبير في الحرس لمعالجة ما وصفه الرئيس بأنه وهَنٌ في الحزب. وجرت الإطاحة بعُمَد مدن كبرى بينها أنقرة واسطنبول وبورصة، وصدّر حزب العدالة والتنمية وجوهاً جديدة قبيل الانتخابات المحلية التي تُجرى في مارس المقبل.
وما زالت المعارضة على حالها، حيث يبدو حزب المعارضة اليساري الرئيس - حزب الشعب الجمهوري - غير قادر على خلع كمال كليجدار أوغلو الذي خسر أربع انتخابات عامة واستفتاءين منذ أن صار زعيماً للحزب في عام 2011.
وخلف جميع الدسائس السياسية، يقف ما سيكون مبعث القلق الرئيس لتركيا في العام الجديد؛ فقد حذر محمد شيمشك - وهو الوزير الذي كان مسؤولاً عن الاقتصاد في الإدارة السابقة - من إشارات على أزمة اقتصادية وشيكة في مارس العام الماضي. ومن المرجح أن التباطؤ الاقتصادي القادم كان دافعاً للدعوة إلى الانتخابات مبكرة في يونيو.
أثارت تصريحات شيمشك رد فعل غاضب من جانب أردوغان؛ لكن تحذيراته ظلت قائمة طوال عام صعب على الاقتصاد، شهد هبوط قيمة الليرة التركية، وارتفاع معدل التضخم فوق 25 بالمئة، فيما اضطرت مئات الشركات لطلب الحماية من الإفلاس.
حمّل أردوغان والبيرق المسؤولية عن تلك المِحَن لهجمات غربية؛ لكن المستثمرين الأجانب أقلقهم على الأرجح وعد الرئيس بإحكام السيطرة أكثر على السياسة النقدية. فقد كان من شأن معتقدات أردوغان الاقتصادية المخالِفة للمتعارف عليه إثارة مخاوف الكثيرين من أن يتسبب نفوذ الرئيس المتنامي في إعاقة استقلال البنك المركزي. ومن أمثلة تلك المعتقدات الاقتصادية الشاذة عن المألوف أنه يرى أن رفع أسعار الفائدة يقود إلى التضخم.
وبحلول نهاية شهر مايو الماضي، كانت الليرة قد فقدت أكثر من 20 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار. وفي مايو، اضطر البنك المركزي إلى التدخل برفع أسعار الفائدة ثلاثة بالمئة؛ لكن الأحداث الاستثنائية في العام الماضي أدت إلى استمرار تصاعد الضغوط. وفي ذروة الخلاف التركي مع الولايات المتحدة في أغسطس، هبطت العملة التركية إلى مستوى قياسي مقابل الدولار عند 7.2 ليرة؛ وفي سبتمبر، اضطر البنك المركزي للتدخل من جديد لرفع أسعار الفائدة.
وتضرر الاقتصاد من عاملي رفع أسعار الفائدة وهبوط قيمة العملة المحلية مجتمعين، وهو الأمر الذي قاد حزب العدالة والتنمية إلى اتخاذ تدابير استثنائية شملت حظراً على العقود بالعملات الأجنبية وإجبار المصدّرين على تحويل 80 بالمئة من حيازاتهم النقدية إلى الليرة.
وتباطأ الاقتصاد من 7.3 بالمئة في الربع الأول من العام إلى 1.6 بالمئة في الربع الثالث، بينما يُظهر كل مؤشر اقتصادي فعلياً إشارات على أزمة قد تستمر لسنوات قبل أن يتم التغلب عليها.
وعلى الرغم من الآفاق الاقتصادية القاتمة، ظل أردوغان يقدم حوافز للناخبين، ومن بينها خصومات من ضريبة القيمة المضافة، وخفْض أسعار السلع الأساسية التي تدخل في حساب معدلات التضخم، فضلاً عن أسعار فائدة مخفضة على حساب البنوك التركية. وعلى الأرجح، سيكون خوف الرئيس من خسارة الانتخابات سبباً يقرّب البلاد أكثر من حدوث أزمة.
ومع تدهور الموقف في عام 2018، اضطر الرئيس إلى اتخاذ إجراءات واسعة لحماية الاقتصاد من الانهيار؛ وكان من شأن ذلك أن قاد إلى عدة سياسات متناقضة.
فعندما بلغت الليرة التركية أدنى مستوياتها في صيف العام الماضي، دعا الرئيس المواطنين إلى استبدال مدخراتهم من الذهب والعملات الصعبة لتحل محلها الليرة؛ لكن وزارة الخزانة هي الآن من تبيع الدولار واليورو والسندات الذهبية للجمهور.
تحددت الفائدة على تلك السندات عند أربعة بالمئة؛ لكن الحكومة ذاتها تدفع فائدة أعلى على ديونها الخارجية، عند 7.5 بالمئة للقروض بالدولار و5.25 بالمئة لليورو. في الوقت ذاته، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة إلى مستوى ذروة؛ ومع وصول سعر الفائدة على القروض التجارية إلى نحو 30 بالمئة، وصل الاقتراض من الناحية الفعلية إلى حالة توقف في تركيا.
غير أن فوائد الرهن العقاري أُبقيت عند معدل شهري بلغ 0.98 بالمئة في إطار جهود مدعومة من الحكومة للحفاظ على الطلب والحيلولة دون انهيار قطاعي العقارات والبناء.
والموقف الاقتصادي العصيب هذا معناه أن الكثيرين غير قادرين على سداد الديون الضريبية التي جرت إعادة هيكلتها بالفعل، وهو ما يعني من ثم إعادة هيكلة الديون مرة ثانية. في الوقت ذاته، فإن المبلغ الذي جرى تخصيصه للاستثمار في ميزانية الحكومة لعام 2019 تقلص بنسبة 36 بالمئة، بينما زادت مدفوعات الفائدة بما يقرب من 70 بالمئة.
ويشك الكثيرون الآن في أن الحكومة ستبحث عن موارد بديلة، مثل صندوق صندوق إعانات البطالة، لسد العجز في الميزانية وتمكين الاقتصاد من الاستمرار، على الرغم من حقيقة أن الصندوق مخصص للعاطلين عن العمل في تركيا، والذين يشكلون ما يقرب من 12 بالمئة من القوة القادرة على العمل في البلاد.
إن القضايا الأخطر التي واجهها الاقتصاد التركي والسياسة الخارجية للبلاد في عام 2018 ما زالت تشكل خطراً هذا العام. لكن الكيفية التي ستتفاعل بها تلك العوامل مع بعضها البعض مرهونة إلى حد كبير بنتائج الانتخابات العامة التي ستُجرى في 31 مارس المقبل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضًا: