ميراث حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض على مرّ التاريخ

 

عقد حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، مؤتمره الاعتيادي الثالث والثلاثين في الأسبوع الأول من شهر فبراير الجاري. ذلك الحزب الذي عجز عن التحول لحزب اشتراكي ديمقراطي، ووجد صعوبة في الخروج عن كونه حزب دولة يؤمن بالإيديولوجية الوحدوية، لم يدافع كما ينبغي عن ديمقراطية تعددية، ومتعددة، وليبرالية، وسلمية، تنادي بالحرية، حزب عرقل بكل هذه الصفات ساحة الديمقراطية، ومن ثم أصبح بوضعه هذا يشكل أكبر عقبة أمام عمل الديمقراطية وتفعيلها.
والمؤتمر العام الأخير للحزب لم يحمل في طياته أية بارقة أمل لإنهاء هذا الوضع، وإحداث انفراجة جديدة تنقل الشعب الجمهوري من هذا الحال.
وحتى يتسنى لنا تقييم هذا الوضع، يتعين علينا أن نحلل المراحل التاريخية التي مرّ بها الحزب منذ تأسيسه حتى يومنا هذا.
بعد أن أسس مصطفى كمال أتاتورك مجموعة برلمانية، تزعم تأسيس حزب "الفرقة الشعبية" الذي أُعلن عن تأسيسه رسميًا في 11 سبتمبر 1923. لكن الحزب كانت به أفكار معارضة، وكان هذا ينعكس بشكل جلي على المناقشات التي كانت تجري داخل أروقة البرلمان.
الأصوات المعارضة داخل الحزب الجديد انسلخت وأسست في شهر ديسمبر من عام 1924 حزبًا جديدًا حمل اسم "الفرقة الجمهورية التقدمية". كما أن حزب "الفرقة الشعبية" تحول اسمه فيما بعد ليصبح "الفرقة الشعبية الجمهورية".
 وفي عام 1925، قامت ما تسمى بـ"ثورة الشيخ سعيد بيران" أو ثورة الشيخ سعيد النقشبندية جنوب شرقي تركيا، وكان يترأس حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية" حينها، عصمت إينونو الذي سرعان ما أصدر قانون الحفاظ على الأمن أو (تقرير سكون قانوني).
ولا شك أن تلك الفترة شهدت بداية العنف والقمع، من خلال تأسيس محاكم الاستقلال المرتبطة بالنظام الحاكم؛ وذلك لمحاكمة الخصوم السياسيين. وعلى إثر ذلك وبموجب القانون الذي تم إصداره، قرر مجلس الوزراء آنذاك إغلاق حزب "الفرقة الجمهورية التقدمية" في 3 يونيو 1925، وهو لم يتجاوز عمره 6 أشهر ونصف الشهر، وكان هو القوة الحزبية المنظمة للمعارضة.
وهكذا مضت تركيا فترة بلغت 5 سنوات، بدون تيار معارض، وذلك من عام 1925 حتى العام 1930، وأصبح المتحكم فيها نظام استبدادي. وفي عام 1930، وبإذن من مصطفى كمال تأسس حزب جديد حمل اسم "الفرقة الحرة  أو الحزب الليبرالي الجمهوري" الذي سرعان ما اضطر ليحل نفسه خلال فترة قصيرة لم تتجاوز الثلاثة أشهر فقط.
وبحسب ما فهمناه من مذكرات فتحي أوقيار مؤسس حزب "الفرقة الحرة"، فإن الانهيار غير المتوقع لحزب "الفرقة الشعبية الجمهورية"، كان له بالغ الأثر في خلق حالة من القلق والحيرة بشكل كبير لدى أتباع الحزب الأخير، لا سيما بعدما اتضح تعطش الناس لحزب جديد. 
ووفق مزاعم ساقتها أوساط حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية"، فإن مؤيدي الشريعة الإسلامية تسللوا لحزب "الفرقة الحرة"، وخلقوا نوعًا من الاضطراب لصالح الشريعة متجاوزين رئيس الحزب أوقيار، وبدءوا يرتبون لمؤامرة ما ضد الجمهورية، لا سيما مصطفى كمال أتاتورك.
ووصل الأمر إلى تناول مزاعم الرجعية (في إشارة إلى الحكم بالشريعة) في البرلمان من قبل شكري قايا، نائب وزير الداخلية؛ لكنه لم يستطع تقديم دليل ملموس واحد بشأن هذه المزاعم، وغيرها من المؤامرات والمظاهرات التي قيل إنها مناهضة للجمهورية ومصطفى كمال.
ولا جرم أن  الافتراءات المتعلقة بمسألة الرجعية التي ساقها حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية"، كان منشؤها الخوف والهلع الناجم عن فقدان دعم الشعب، وكانت هذه المزاعم والافتراءات تستخدم كأداة سياسية ليس أكثر.
ومن الواضح أن حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية"، وعصمت إينونو، قد تمكنوا من التأثير على مصطفى كمال بذرائع عدة ساقوها في هذا السياق منها أن الجمهورية والعلمانية باتت في خطر، وأن حركة الرجعية أخذت بُعدًا مقلقًا.
حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية" استغل حماس الناس في ولاية إزمير، من خلال واليها لذي كان منتميًا له، ووسائل النشر التي كانت تابعة له، ونتج عن فتح قوات الأمن النيران على المواطنين سقوط عدد من المصابين والقتلى.
وبعد العام 1935 توائم حزب "الفرقة الشعبية الجمهورية" مع الدولة، وبات حزبها الممثل لها بكل ما تعني الكلمة من معنى، وأصبح اسمه حزب "الشعب الجمهوري". وفي العام 1936 أصبح وزير الداخلية أمين عام الحزب، كما عين الولاة رؤساء للولايات. وألغي الحظر الذي كان مفروضًا على عضوية الموظفين في الأحزاب.
وفي العام 1937 أُدمجت المبادئ الستة للحزب في دستور البلاد، وهكذا يكون الحزب قد خرج تمامًا عن مسار ممارسة السياسية. إذ قطع علاقاته تماما بالشعب، ودخل تحت إمرة الدولة والحكومة..(متا تونتشاي – كتابات تاريخية نقدية- بولنت طانأور – التطورات الدستورية العثمانية-التركية).
وبحسب النتيجة المستخلصة مما ذُكر، فإن السلطة السياسية باتت عندئذ في يد الدولة، وليس الحزب الذي بات كيانًا تابعًا للدولة. وكانت مركزية القرار بيد "الزعيم الأبدي" مصطفى كمال، ومن بعده باتت في يد "الزعيم الوطني"، عصمت إينونو.
وهكذا نجد أنه في ظل نظام كهذا، كانت الدولة تمثل الشعب، والحزب يمثل الدولة، والزعيم يمثل الجميع. (طلحا بارلا – النظام السياسي لتركيا). واستمرت تركيا على هذا النحو أي فيها نظام استبدادي بحزب واحد وقائد واحد حتى العام 1945. 
ورغم الأغلبية التي حققها رئيس الشعب الجمهوري، رجب بَكَر، والمحيطين به عام 1945، إلا أن هذا العام شهد جدلًا حول ضرورة انتقال الشعب الجمهوري إلى نظام تعددي، وذلك بسبب تعارض وتقاطع الديناميكيات الداخلية والخارجية للحزب.
العام ذاته شهد تقدم 4 نواب في البرلمان عن الحزب بطلب إلى الكتلة النيابية لإقامة الديمقراطية داخل الحزب، وهؤلاء النواب هم عدنان مندريس، وجلال بيار، ومحمد فؤاد كوبريلي، ورفيق قورالطن، لكن بعد رفض طلبهم اتخذ مندريس في عام 1945 إلى جانب النواب الثلاثة موقفا معارضا لزعيم حزبهم، أتاتورك، ورئيس الوزراء عصمت إينونو، وانفصل النواب الأربعة ليشكلوا حزبا جديدا هو "الحزب الديمقراطي" بزعامة مندريس متحدين إجراءات منع الأحزاب آنذاك.
الحزب الجديد سرعان ما لاقى تأييدًا من الطبقات والفئات الاجتماعية التي ظلت خارج الأقلية التي فرضت همينتها واحتكارها للعمل السياسي منذ المشروطية الثانية (فترة إعلان الدستور العثماني 1908).

 

وفي انتخابات مبكرة غير نزيهة جرت عام 1946، واصل حزب الشعب الجمهوري حكمه، لكن في انتخابات 14 مايو 1950 فقد السلطة. 
وبذلك نرى أن حزب الشعب الجمهوري النخبوي البيروقراطي الذي لم تكن له أية علاقة بالأوساط المحيطة به، قد تعرض للخسارة. أما "الحزب الديمقراطي" فقد جعل المواطنين محط عناية واهتمام بشعار "يكفي أن الكلمة للشعب"، وبدأ الحزب منذ ذلك الحين يقوم بوظيفته في نقل طلبات الناس للساحة السياسية. 
لكن من المؤسف أن هذه الانفراجة انتهت بالفشل بسبب مشكلة توائم دستور العام 1924 مع الديمقراطية والحريات ودولة القانون، وبسبب القيود القانونية المناهضة للديمقراطية التي كانت مسلطة على الحريات والحقوق الأساسية، بما في ذلك حرية الفكر، وبسبب العادات والموروثات التاريخية الكفيلة بخلق أجواء من التوتر والصراع.
وكان من الواضح أنه حتى تلك الفترة لم يكن هناك فكر يساري، لا سيما أن نظام الأحكام العرفية الذي طبق لمدة سبع سنوات من عام 1940 وحتى العام 1947، كان يستهدف ضمن قائمة أهدافه الرئيسية، الفكر الاشتراكي، ومنظمات العمال. وعند الانتقال لحياة متعددة الأحزاب، كانت الديمقراطية التي يتم تبنيها مكسورة جناح اليسار؛ بسبب القوانين والأحكام العرفية. (ظفر أوسكول- السياسية والعسكر).
وبناءً على هذا كان الشعب الجمهوري، والحزب الديمقراطي يتنافسان مع بعضهما في معاداة الشيوعية، ولم يكفا عن اتهام بعضهما البعض بالانتماء لذلك المذهب.
وفي ظل أجواء الحرية التي ظهرت بعد قبول دستور 1961، تأسس "حزب العمال التركي" وهو حزب اشتراكي تمكن من دخول البرلمان مع أول انتخابات خاضها. ولعل نجاح هذا الحزب، قد دفع حزب الشعب الجمهوري الذي لم تكن له أية علاقة تاريخية أو فكرية على الإطلاق بالفكر اليساري، إلى تناول سياسة  "يسار الوسط" في مؤتمره العام الثامن عشر عام 1966.
وعلى إثر ذلك فكر عصمت إينونو في ضرورة إجراء تغيير في السياسية بصورة تشكل حاجزًا أمام حزب "العمال"، وفكر كذلك في ضرورة تطبيق السياسات اليسارية بيد حزب الشعب الجمهوري التقليدي. أي لو كان اليسار ضروريًا، فسيكون تحت سيطرة حزب الدولة.
بولنت أجاويد الذي دافع عن هذه السياسة، اختير لمنصب أمين عام الشعب الجمهوري. وبعد التدخل العسكري عام 1971، رأى عصمت إينونو، أنه من المناسب بمكان تكليف "نهاد أريم" من حزبه ليكون رئيسًا للوزراء من أجل تأسيس حكومة إصلاح.
ومجددًا دعم الشعب الجمهوري حكومة ستضفي مشروعية على التدخل العسكري. أما بولنت أجاويد الذي عارض ذلك، فقد استقال من منصب أمين عام الحزب.
ولقد وجد حزب الشعب الجمهوري مردودًا في الانتخابات عندما تحول لحزب منفتح على الشعب في ضوء سياسة يسار الوسط الخاصة ببولنت أجاويد، ولما وضع برنامجًا يعتمد على خطابات شعبوية، وعلى التواصل مع الناس. لكن هذا أيضًا لم يفلح في تحويله لحزب اشتراكي-ديمقراطي مؤسسي.
وتحت قيادة دنيز بايكال، عاد الشعب الجمهوري إلى مساره القديم، وحافظ في نفس الوقت على ما كان يتسم به من كونه حزب دولة نخبوي بعيد عن الشعب، يتعاون مع مؤسسات الوصاية.
ومن الجدير بالذكر أن حزب الشعب الجمهوري على طول مراحله التاريخية لم ينتج ثقافة أو قيمًا ديمقراطية بداخله. ولم يكن بالإمكان أن تمتلك هذه الثقافة تلك الكوادر المحافظة التي خرجت من داخله.
ومن ثم يمكننا القول إن السياسة التركية وصلت إلى يومنا هذا بثقافة لا مكانة فيها للديمقراطية داخل الأحزاب، يسود فيها الرؤساء الملوك.
وكما يعتقد البعض، فإن الثقافة والمناخ السياسيين اللذين أنتجهما نظام قديم قائم على حزب واحد، كان له بالغ الأثر في تحول حزب العدالة والتنمية الحاكم للسلطة الاستبدادية في ضوء الإيديولوجيا الوحدوية للدولة، وذلك التأثير كان أكثر من تأثير نتائج استفتاء 12 سبتمبر 2010.
ولقد استلم حزب العدالة والتنمية مهمة الحفاظ على الإيديولوجية الوحدوية للدولة من الشعب الجمهوري الذي فقد المركزية وبدأ يتمايل ويتهاوى.
ومن المخيب للآمال اليوم أن حزب الشعب الجمهوري لا يزال يقوم بمهمة إضفاء الشرعية على سياسات السلطة من خلال تبنيه خطابات استبدادية، معادية للديمقراطي.
وللحديث بقية..
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/chp/tarihin-icinden-gelen-chp-mirasi