جلدم أتاباي شانلي

ميزانية تركيا تتجه إلى تحمل مسؤولية النمو المبالغ به

بعد فترة اضطراب، تبدو تركيا أهدأ نسبيا من حيث تدفق الأخبار هذا الأسبوع. ومع ذلك، يبدو أن التقاعس الظاهر من جهة البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة الأسبوع الماضي ما زالت أصداؤه تتردد عبر الدوائر المالية.

وفي ظل وصول تضخم أسعار المستهلكين إلى 13 بالمئة على أساس سنوي في نوفمبر والإعلان عن نمو سنوي نسبته 11.1 بالمئة في الربع الثالث، يبدو قرار البنك المركزي رفع سعر الفائدة المسمى "نافذة السيولة المؤخرة" بواقع 50 نقطة أساس فقط إلى 12.75 بالمئة أمرا مثيرا للسخرية.

ويبدو أن قول بعض المحللين إن البنك قد يستمر في رفع أسعار الفائدة تدريجيا وبهوامش بسيطة في يناير وفبراير هو أيضا أقرب إلى اللاواقعية. فالبنك المركزي الذي امتنع عن تنفيذ زيادة مجدية في أسعار الفائدة حتى عندما تسارع التضخم إلى أعلى مستوياته في 14 عاما من الصعب أن يكون هناك احتمال في أن يتحرك في الوقت الذي يعني فيه أثر سنة الأساس أن التضخم من المرجح أن يتباطأ قليلا في الربع الأول، فضلا عن الضغوط السياسية على البنك لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة من أجل دعم النمو قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المهمة في تركيا عام 2019.

من ثم فإنه في ظل احتمالات تدفق المزيد من الأخبار السلبية في الأشهر القادمة، يجعل شبه الجمود في رفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الاقتصاد عرضة للمزيد من التراجع والتقلب في قيمة الليرة خاصة مع الأخذ في الاعتبار مستويات الديون الخارجية المرتفعة في القطاع الخاص. وطالما أن حزب العدالة والتنمية الحاكم مستمر في اعتبار خفض التضخم هدفا أقل أهمية من النمو الاقتصادي القوي، يبدو أن معدل زيادة الأسعار يتجه إلى البقاء في خانة العشرات العام القادم أيضا.

وليست مفاجأة أن توقعات التضخم تواصل التدهور بسرعة، وهو ما من المحتمل أن يغذي الدائرة المفرغة في الأشهر القادمة.

مخطط اقتصادي

ويبدو مسار التضخم متوقعا تقريبا، كما هو الحال بالنسبة للطبيعة المستمرة لعجز ميزان المعاملات الجارية في تركيا الذي يبلغ حاليا نحو خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن شأن هذا أن يجعل الميزانية الملاذ الوحيد المتبقي للاقتصاد.

وكما أوضح خبير الاقتصاد الأمريكي جوزيف ستيجلز في الآونة الأخيرة، فالطبيعي أن يتحرك العجز المالي والعجز التجاري جنبا إلى جنب نسبيا. وبالنظر إلى متطلبات الاقتراض الخارجي المرتفعة لتركيا، يجب الأخذ في الاعتبار درجة الخطورة التي سيتعرض لها الاستقرار المالي في تركيا. ومن شأن مثل هذا التقييم تحديد علاوة المخاطرة المرتبطة بالبلاد إلى درجة كبيرة مع سحب البنوك المركزية الكبرى حول العالم بعضا من فائض السيولة البالغ 6.2 تريليون دولار في الأشهر والسنوات القادمة.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

وتعافت تركيا من أزمة اقتصادية صنعتها بنفسها في عام 2001 بفضل ترشيد الحسابات المالية المحكوم بقواعد، والذي خفض الدين الحكومي مقابل الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من النصف من 75 بالمئة. وعلى نحو مشابه، نجحت الحكومة في خفض عجز الموازنة إلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي تقل عن واحد بالمئة من نحو 11.6 بالمئة.

وبعدما وُضع البرنامج الاقتصادي التركي المدعوم من صندوق النقد الدولي في عام 2008، مضت الحكومة في خفض الدين العام التركي بفضل النمو الكبير في الناتج المحلي الإجمالي. وكان مثل ذلك النمو نتيجة ثانوية للاقتراض الخارجي الكبير من قبل الشركات والبنوك التركية التي استفادت من ميزة السيولة الوفيرة والمنخفضة التكلفة في الأسواق العالمية.

لكن مع حلول ديسمبر من عام 2015، بدأ مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) في رفع أسعار الفائدة وعادت التقلبات إلى الأسواق التركية بسبب زيادة المخاطر الخارجية التي تتعرض لها البلاد. ومع اقتراب فترة المال الأجنبي اليسير من الوصول إلى نهاية، صارت الديون الخارجية الضخمة للشركات والبنوك التركية -- إلى جانب التضخم المرتفع الذي حال دون تخفيف السياسة النقدية -- تعني أن النمو التركي أصبح أكثر اعتمادا على السياسة النقدية.

وميزانية القطاع العام هي الآن المصدر الرئيسي للإيرادات التي تدعم النمو حيث بدأت السيولة العالمية في النضوب. في الواقع، تظهر البيانات المالية لعام 2017 بالفعل كيف أن النمو سيصبح على نحو مطرد ضمن وظائف السياسة المالية في السنوات القادمة.
 

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

واتسع عجز موازنة الحكومة المركزية إلى 26.5 مليار ليرة في يناير-نوفمبر 2017 مقارنة مع 2.1 مليار ليرة قبل عام. وانخفض الفائض في الميزانية الأساسية إلى النصف تقريبا عند 28.8 مليار ليرة مقارنة مع 46.3 مليار ليرة في العام الماضي.  وفي أول 11 شهرا من هذا العام، جرى تسجيل انخفاض حقيقي نسبته 1.3 بالمئة في إيرادات الموازنة العامة إلى جانب زيادة فعلية نسبتها 1.8 بالمئة في النفقات. وتشير التوقعات الحكومية المعدلة إلى عجز في الميزانية نسبته اثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2017 مقارنة مع عجز نسبته 1.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام.

مخطط اقتصادي

وتظهر أحدث بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث تباطؤ النمو على أساس فصلي إلى 1.2 بالمئة من 2.2 بالمئة في الربع الثاني. كما يتضح التباطؤ الاقتصادي من وتيرة التحصيل الضريبي غير المباشر، وهو أحد وظائف النشاط الاقتصادي. وخلال نوفمبر، جرى تسجيل انكماش حقيقي كبير نسبته 13.1 بالمئة في الإيرادات الضريبية غير المباشرة، وهو رقم أكبر بكثير من المتوسط البالغ 2.9 بالمئة منذ بداية العام حتى تاريخه.

وبالنظر إلى ما هو آت، يظهر مثل هذا الاتجاه أن الجانب المالي، إلى جانب الأثر الموسع للسياسة النقدية على النمو، يُترجم إلى التالي:

  1. الاستثمارات العامة والتحويلات ستظل قوية في السنوات القادمة، حيث يصير الناتج المحلي الإجمالي والنمو أكثر اعتمادا على البرامج التي ترعاها الدولة. في الواقع، أعلنت الحكومة في الآونة الأخيرة فقط أن "صندوق ضمان الائتمان" التابع لها، والذي نما إلى 60 مليار دولار، سيستمر في عام 2018 أيضا.  ويشمل مبلغ إضافي قيمته 36 مليار دولار قروضا جديدة بقيمة 13 مليار دولار، بينما يشكل المبلغ المتبقي تدوير الاستثمارات.
  2. أسعار الفائدة الإسمية الأعلى وانخفاض الليرة سيُترجم أيضا إلى إنفاق إضافي في الموازنة.
  3. تباطؤ النمو الاقتصادي سيضر بالتحصيل الضريبي. وهذا الاتجاه، إلى جانب ارتفاع التضخم، سيعني زيادة فعلية أبطأ في الإيرادات الضريبية خلال 2018-2020، وبخاصة في الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة، إن لم يكن انخفاضا حقيقيا في الإيرادات الضريبية.
  4. قد تستسلم الحكومة أيضا لإغراء خفض الضرائب على الاستهلاك بشكل انتقائي في مسعى لتعزيز الطلب المحلي، وهو ما من شأنه زيادة عجز الموازنة أكثر.
  5. الانتخابات البرلمانية والرئاسية المهمة القادمة في عام 2019 ستحفز بالتأكيد حزب العدالة والتنمية إلى المزيد من الإنفاق على التحويلات الجارية والاستثمارات. وسيكون من شأن هذه الزيادة في مستوى الإنفاق الاستمرار في تشتيت أنظار القاعدة الانتخابية اقتصاديا ودعم النمو.
  6. وكما كانت الحالة بالنسبة للاقتراض المحلي، قد يكون من شأن ارتفاع نسبة التدوير في الاقتراض الخارجي زيادة نسية الدين العام التركي إلى الناتج المحلي الإجمالي.
  7. أخيرا وليس آخرا، استمرار فرض "حالة الطوارئ" سيواصل تشويه النشاط الاقتصادي اليومي وإبقاء المستثمرين في حالة عزوف.
مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: