فهمي كورو
يوليو 05 2018

مَن يدمّر الاقتصاد والصحافة في تركيا؟

ذات يوم دعاني أرطغرل أوزكوك لزيارته في صحيفته، وألحّ عليَّ في الدعوة فمررت بصحيفة "حرييت". وكان ذلك قبل سنوات. وبعد أن سألته عن أحواله، أمسكني من يديَّ ليريني التحديثات التي كان له الريادة فيها، وذهبنا سويًا إلى القسم الذي أطلق عليه اسم "حرييت المستقبل"..
أجل، لقد كان يُعِدُّ في تسعينيات القرن المنصرم لصحيفة "حرييت" في الألفية الثالثة.
وكنت أعجبت بما رأيته؛ ولكن ما أعجبني إعجابًا شديدًا للغاية هو حماس الشباب العاملين في ذلك القسم.
ذلك الحماس يبدو أنّه قد مات لدى جميع الوسائل الصحافية.
وها هي صحيفة "خبر تورك" تودع.
لقد قررت شركة "جينر" القابضة عدم نشر الصحيفة. فلن توجد صحيفة "خبر تورك" لدى الباعة بعد يومين (5 يوليو 2018). أما من يرغب في قراءة أخبار الصحيفة وكُتَّابِها فإنه سيستطيع فعل ذلك عبر الانترنت..
بالطبع يتوقف ذلك على قدر ما سيمكن حمايته منها..
ولأنني تبوّأت مكاني في الصحافة المكتوبة "كاتبًا في صحيفة خبر تورك" آخر محطة لي، فإن وقف نشر الصحيفة وإنهاء مسيرتها يبدو نهاية محزنة بالنسبة لي...
لماذا إذن؟
إن (كنعان تكداغ) رئيس الشركة القابضة التي تنشر الصحيفة يقدم مبررات لانخفاض إيراداتها وتراجع اهتمام القراء بها، تتعلق بــ"القرار الاستراتيجي" الذي اتخذوه.
وهاكم ما قاله في هذا:
"إن مبيعات النسخ المطبوعة من الصحف الموجودة في بلدنا تشهد انخفاضًا بشكل منتظم خلال الخمس سنوات الماضية، والحصة التي تحصل عليها من الإعلانات تتضاءل بصورة منتظمة، وفي المقابل ترتفع باستمرار تكاليف الطباعة. وبينما الأمر كذلك يتزايد الوصول إلى وسائل الإنترنت والقنوات التلفزيونية والإعلانات فيها بشكل مستمر ومطرد.
والواقع أن هناك عدة أسباب لذلك مثل التراجع الذي يتعذر منعه في مبيعات الصحف المطبوعة والذي يحدث نتيجة ابتعاد جيل الشباب ديموغرافيًا بالدرجة الأولى عن وسائل الصحافة المطبوعة واتجاههم إلى تحقيق التواصل عبر التقنية المحمولة، وكذلك الخسائر المتوالية والمستمرة في عوائد الإعلانات التي تتلقاها الصحافة المكتوبة في الاقتصاد الإعلامي، ومثل تلك الأسباب اضطرت مئات الصحف المحلية والإقليمية والقومية في الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وفي المقدمة أميركا وكندا، وفي الشرق الأقصى مثل سنغافورة وماليزيا إلى وقف إصدار نسخها المطبوعة."
ويقول كنعان تكداغ "إن بحثًا بسيطًا يتم إجراؤه في محرك البحث غوغل سيعطي بيانًا رقميًا بهذا الوضع."
ولقد واجهت حقيقة أخرى أثناء البحث عن الوضع في غوغل.
فلقد أجرى مدير إحدى الصحف لدينا بحثًا حول "التهديدات الرقمية" التي تواجهها الصحف في العالم أجمع، وقد تشارك مع قرائه النتيجة التي توصل إليها عبر دراسته صحيفة نيويورك تايمز نموذجًا لذلك.
والآن دعونا نقرأ ما كتبه:
"بالرغم من المتناقضات حققت صحيفة نيويورك تايمز النجاح عبر الاستثمار والصبر. لقد كسبت 340 مليون دولار من الاشتراكات الرقمية في عام 2017. وزادت من مبيعات الاشتراكات عبر الإنترنت بنسبة 46%. وذلك بفضل محتواها الثري، والرقمي والتقليدي المتنوع جيدًا، وتاريخها وأرشيفها الزاخر بالخبرة..
تمتلك نيويورك تايمز قسمًا للبحث والتطوير. فهذه الصحيفة "العريقة" التي يعمل بها 1300 صحافيٍّ في عامها 168 تقدم لقرائها تطبيقًا للمحتوى مثل "لاروس" يوميًا، بل وكل لحظة. لقد بلغت نيويورك تايمز مستوى فيس بوك في النمو. وضاعفت غوغل. وقد زادت نسبة مبيعات الصحيفة من الإعلانات الرقمية 14%، لتصل إلى 238 مليون دولار. وبهذه الطريقة نجحت في تحقيق نوع من التوزان بعد أن كانت عائدات الطباعة في الـ 7 سنوات الماضية تراجعت بنسبة 21 في المائة."
وفي مقالة كتبها مدير الصحيفة بتاريخ 4 مارس توصل إلى الحكم بأن "عدو الصحف ليس التقنية الرقمية، وإنما فلسفة الخبر التي يجب تحديثها".
الجانب المثير في الأمر أن مدير الصحيفة الذي توصل إلى هذه النتيجة هو "سلجوق تبلي" مدير نشر صحيفة خبر تورك التي تستعد لأن تودع إصدارها المطبوع يوم الجمعة.
وقد أعلن مدير النشر أن شبابًا سألوه قبل ثلاثة أشهر "يقال إن الصحيفة ماتت، فهل هذا صحيح؟" فأجابهم: "لقد أخطأتم، فليس الإنترنت هو من قد يقتل الصحف، وإنما الصحافيون"، وهو الآن يستعد لأن يغلق أبواب الصحيفة بالقفل بإصدار آخر نسخة مطبوعة منها.
نعم، إن الصحيفة لا تُغلق، ولكن لن تبقى ثمة حاجة إلى المبنى الخاص بها نظرًا لأن العاملين في النشر الرقمي يستطيعون القيام بأعمالهم من المنزل، وأنه لا حاجة إلى المطبعة أيضًا نظرًا لأنها لن تُطبع.
إنني أتوقع أن تلجأ صحف أخرى إلى نفس الطريقة في الفترة المقبلة أيضًا؛ وسوف تنتشر أكثر وأكثر عملية التخلي عن طباعة الصحف التي يتم إعدادها والقيام بنشرها عبر الإنترنت.
أجل؛ إن صحيفة نيويورك تايمز ما زالت على قيد الحياة، ولكنها استطاعت تحقيق هذا عبر زيادة التنوع في محتواها وتوسيع الاشتراك الرقمي.
أما صحيفة واشنطن بوست فقد بيعت إلى مالك موقع أمازون الذي يربح أمواله من خلال عمليات البيع عبر الإنترنت، ومن ثم تستطيع مواصلة النشر.
ولكي ينقذ "جيف بيزوس" صحيفة واشنطن بوست من الخسارة اتجه إلى تكرار ما فعلته صحيفة نيويورك تايمز؛ إلى تنويع وإثراء محتوى الصحيفة..
والمشكلة في تركيا هي أنه: لا يبدو من الممكن أيضًا تنويع المحتوى وإثراؤه نظرًا لأن الصحافة كانت رحيمة بكم قبل الصحف.
الصحافة تتم بالفعل في مجال رقمي منذ وقت طويل، بقدر ما يمكن القيام به.
فما هي فرصة العيش والقدرة عليه بالنسبة للصحف التي تتخلى عن الطباعة وتستمر في النشر عبر الإنترنت فحسب؟
إنه سؤال مهم. وسلجوق تبلي مدير نشر صحيفة خبر تورك التي أوشكت أن تقع في الموقف نفسه لا يستطيع تقديم إجابة مباشرة على هذا السؤال، وذلك انطلاقًا مما حدث في وسائل الإعلام الأميركية ومن أحد النماذج في تركيا.
فهيا بنا نقرأ:
"تزامنًا مع إبحار صحيفة "رديكال" التركية في عالم النشر الرقمي فإنه من الواضح جيدًا أن ما حدث يدعو إلى الاعتبار تمامًا. لم تُصادف مدة من الوقت جملة تبدأ بـ"عنوان راديكال الرئيسي الحالي"، ثم انغلقت وانتهت."
هذا بالضبط ما حدث.
آمل أن تكون عاقبة صحيفة خبر تورك مختلفة؛ آمل أن تنجح صحيفة خبر تورك في أن تواصل الانتشار عبر الإنترنت، ولا سيما أنها بدأت مسيرتها في الصدور والنشر عبر هكذا الإنترنت أيضًا.
ذلك لأن كل صحيفة تمضي تترك خلفها جيشًا جديدًا من الصحافيين العاطلين.

• هذا المقال مأخوذ من المدونة الشخصية للكاتب فهمي كورو.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: