مُجتمع كرة القدم التركية.. أيقوت كوجامان: سحر الهجوم على "الخاسر" الشهير

 

إذا أردنا أن نُلخص الفترة الأولى التي قضاها أيقوت كوجامان مع فريق فناربخشه بعبارة بسيطة، لقلنا إن الوضع كان خلالها أشبه بـ 'سباق للركض' بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ظل كوجامان نفسه في جميع لقاءاته الصحفية، وبرامج التليفزيون التي شارك فيها خلال هذه الفترة يؤكد على هذه الفكرة.
لم يجد كوجامان مقابلاً لكل ما قام به سوى الاستهجان، وبعض الأسئلة التي أُثيرت حوله من قبيل: "ماذا يقصد هذا الرجل بقوله هذا؟" و"أي هراء هذا الذي يتحدث به؟".
هناك فاصل أربع سنوات بين فترتي عمل كوجامان في فناربخشه، تغيرت خلالها صفحات الجرائد، وقنوات التليفزيون بشكل كبير.
كانت الأرقام التي تحققها الأندية في مسابقة الركض تلك- التي كانت السبب وراء فقدان كوجامان سمعته كمدرب- مثار اهتمام كبير للغاية لدى المتابعين.
يتابع كل فرد بشغف معدل الركض في السباق من خلال عدد الأهداف التي سجَّلها لاعب منقول إلى تركيا من دوري آخر لكرة القدم. أما الجهة الناقلة للمباراة فتعرض في الوقت الأخير من المباراة المسافات التي قطعها كل لاعب في هذا السباق، وتستمر بعض النقاشات حول هذا الموضوع على شاشة القنوات الناقلة للمباراة.
نقاشات كانوا يوجِّهون من خلالها سهام النقد- هذه المرة أيضاً- إلى أيقوت كوجامان بصفة خاصة، وقبل أي شخص آخر له علاقة بالمباراة. مرة أخرى، يبدون امتعاضهم منه، ويحطون من قدره.
كان كوجامان حينها يعمل في مكان آخر لمدة أربع سنوات ترك فيها فنار بخشه. واستطاع في تلك الفترة أن يذهب بفريق ذى إمكانيات متواضعة مثل قونيه سبورت إلى أوروبا مرتين، وأن يحصد له الكؤوس والبطولات.
لم يكن كوجامان مدرباً هاوياً، يفتقد المهارات الفنية. وعلى الرغم من هذا، أثار الجدل حوله ببعض جوانب شخصيته التي لم ترق للكثيرين، فأصبحث مادة للنقد المستمر من قبلهم. كانت اللغة التي استخدموها في نقده تشير- بشكل أو بآخر- إلى مشكلة أخرى معه، بعيداً عن النقد ذاته؛ مشكلة أضحى يعاني منها المجتمع بأسره. أما أيقوت كوجامان فكان نموذجاً فحسب، أو ضحية عانت من هذه اللغة المسمومة.
كان كوجامان الضحية الجديدة التي اختارها هذا المجتمع المتحوّل في تركيا. لم يترك هؤلاء الأشخاص الفرصة كي يوجهوا سهام نقدهم إلى شخص 'عاجز' أو 'مهزوم' أو إلى كليهما معاً فى نفس شهرة كوجامان. فوجهوا سهامهم إليه عندما جانبه التوفيق في بداية فترته الثانية مع فناربخشه. ولكن إذا أردنا الإنصاف، فما زالت ذكريات فترته الأولى مع الفريق ذاته عالقةً هي الأخرى في الأذهان إلى الآن. تناسى هؤلاء كيف صعد بهم إلى دور نصف النهائي في بطولة أوروبا التابعة لاتحاد كرة القدم الأوروبي.
أخذ الكثير من الأشخاص المُتسرّعين، الساخطين في بلدنا يُروّجون للعديد من الأفكار الهدَّامة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة. يريدون للفرق التي يشجعونها أن تحصل على البطولات في لحظة واحدة من دون عناء. نعم يودّون لو حدث هذا في الحال!.
كنا قديماً لا نطيق انتظار موسمين لا يحصل خلالهما الفريق الذي نشجعه على بطولة أو كأس. أما الآن فأصبح انتظار مدة 34 أسبوعاً- هي عمر الدوري للحصول على البطولة- أمراً شديد الصعوبة بالنسبة لنا!. يودّون لو حصد فريقهم البطولة في الأسبوع الأول، أي قبل انتهاء الدوري، بل يتمادى البعض في أفكاره، ويحلم لو حدث ذلك حتى قبل نزول فريقهم إلى أرض الملعب.
لم يعد مُهماً لديهم معرفة موعد انتهاء الدوري. يودّ كل منهم لو أُعلن في بداية الموسم أن الفريق الذي يشجعونه هو "بطل الدوري لهذا العام". لا يقبلون بما هو أدنى من هذا.
ربما لا يصبرون لنهاية البطولة المقررة في بداية الموسم. فتاريخ النادي زاخر بالبطولات المجيدة. فإن وقع شيء كان يتعين حدوثه في الأساس، فلن يعد هذا نجاحاً من وجهة نظرهم! وإن لم يفز الفريق 34 مرّة في 34 مباراة، فلن يكون للبطولة معنى عند هؤلاء.
ويمكنهم اللجوء خلال فترة الصيف إلى ضمّ لاعب لصفوف الفريق لتعويض عدد قليل من الهزائم التي تعرَّض لها.
كرة القدم التركية والنقد

 

ما هوالطريق إذاً الذي يؤدّي إلى النجاح؟ ليس عيباً ألا تعرف، ولكن العيب- كل العيب- ألا تتعلم. تتعلم كيف تُصغي إلى أصوات الجماهير في المدرجات أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك تُكتب شفرات النجاح.
ربما تكون قد لعبت كرة القدم لسنوات، وخَطَوت من بعد ذلك نحو شغل منصب مدير فني. قد تقضي جزءاً كبيراً من يومك بين إحصائيات وأرقام، مُحاطاً بمشكلات خمسة وعشرين شاباً، ولكنّ هذا كله لا يعني أنك تعرف الكثير عن كرة القدم بشكلها الحقيقي.
إذا كنت ترغب في أن تصبح شغوفاً، توّاقاً للتطوير، فأدر وجهك، وانتباهك صوب المجتمع، وارجع إلى من هم أكثر منك خبرةً ودراية بمفردات هذه اللعبة.
كان أيقوت كوجامان ضحيةً شُغِفَ بها قطاعٌ بدأ يتكون من فترة ليست ببعيدة، وبدأ يكبر بمرور الوقت؛ فقد كان مديراً فنياً لواحد من أكثر الأندية شعبيةً في تركيا. وعلى الرغم من هذا فقد بدت طريقة لعبه غير مقبولة لدى البعض؛ لأنّ فريقه لم يكن يسجل أربعة أو خمسة أهداف في كل مباراة.
كان فريق فناربخشه يحتل المرتبة الثالثة عندما تسلَّم كوجامان مهام منصبه. وكانت ميزانية انتقال اللاعبين إلى صفوف أندية أخرى ضعيفة هي الأخرى. لم يكن هذا مهماً؛ لأن الفريق لم يكن يُلقي بالاً للفوز في المبارايات، وجمع النقاط، والمنافسة على البطولات....
لم يلجأ كوجامان في عمله كثيراً إلى أسلوب التعنيف. كانت ملامح وجهه الجامدة تحدّ من تأثير أية جملة حادّة قد يتفوه بها. حتى أنه كان يُدلي بأكثر تصريحاته حدّةً إلى بعض الصحف؛ أي أنه لم يكن يفعل هذا الأمر بشكل مباشر في مواجهة الآخرين.
عقد كوجامان مؤتمراً صحفياً عقب هزيمة فريق فَردار؛ لم يسهب في الحديث خلاله، لم يستخدم كوجامان في هذا المؤتمر جملاً جارحة من قبيل أنه لم يجد مثلاً ما يسُرّه في المباراة، أو أنها كانت تفتقر إلى الطابع الهجومي. وهذا يعني أنه عجز عن الإدلاء بما هو متوقع منه بشأن ما حدث خارج الملعب وداخله.
كان عمله صعباً للغاية تماماً مثل حمزة حمزة أوغلو، وأرسون يانال، وسلافَن بيليتش، وسامَت أي بابا وأخرين. لقد جاءوا جميعاً في الزمن الخاطئ. كانت الجماهير تزداد شراهةً باستمرار، ولكنه كان يواجههم مرةً واحدة كل أسبوعين على أقل تقدير. أما الإعلام ووسائل التواصل فكان في مواجهة مستمرة معهما.
هناك من رواد موقع التغريدات القصيرة (تويتر) من كتب مخاطباً البابا "اقرأ الإنجيل"؛ ذلك أنّ البابا كتب جملاً لم تعجبهم. هذا يعني أن توجيه النقد أمر متعارف عليه في العالم بأسره، ولكنه أكثر وطأةً وحدّةً في تركيا.
ويزداد الأمر صعوبةً، وتشتد وتيرة الانتقادات إذا كنت مديراً فنياً لإحدى الفرق المشاركة في البطولة.
ربما لم يأتِ تصدُّر فريق باشاق شَهِر للدوري من قبيل المصادفة؛ لأن وجود مدرب مثل عبدالله أف جي كان سبباً محفزاً لإدراك هذا النجاح. إن الفارق ههنا يكمن فى أنه كان يمارس عمله في جو هادئ، لا يجد من يطارده ليستجوبه بين الحين والآخر كما يحدث مع أقرانه في الأندية الأخرى. وعلى الرغم من هذا، فقد مرَّ عبدالله أف جي هو الآخر بالتجربة نفسها.
يعتبرونه الآن أفضل مدرب، وهم الذين وجهوا سهام نقدهم- بلا رحمة- لكل اقتراح كان يصدر عنه عندما تولى أمر الفريق القومي قبل سنوات. ولم يكن أحد ليهتم بما يدلي به من تصريحات رداً على زعمهم.
سيصبح أيقوت كوجامان- بما له وما عليه- العامل الأكبر والأهم الذي سيؤثر على أية نتيجة يحققها فريق فناربخشه في نهاية الموسم. وعلى الرغم من هذا، فيتعين عليه أن يكون مُستعداً لهذه الحقيقة التي باتت لا تقبل الجدل، بغض النظر عن النتيجة التي سيصل إليها الفريق. فعلى الرغم من أنه لعب كرة القدم لمدة ثماني سنوات في فريق فناربخشه، وعلى الرغم من حصوله على لقب هدَّاف الدوري ثلاث مرات، وعلى الرغم من انضمامه لقائمة لاعبي المنتخب القومي، وحصده الكؤوس أثناء عمله مديراً فنياً لسنوات، إلا أنه لا يزال يجهل كرة القدم، ولايريد أن يتعلم.
ليس هذا رأيي وحدي، فهناك الكثير من مشجعي فريق فناربخشه ومحبيه الذين تقدر أعدادهم بالملايين يشاركونني الرأي في هذا. وليس من الحكمة أن نعتبر كل هؤلاء قد جانبهم الصواب.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/futbol/aykut-kocaman-yenik-unluye-saldirinin-cazibesi