Esra Yalazan
مارس 24 2018

مُدن صباح الدين علي، ونضاله من أجل الحرية في تركيا

تصبح اللغة، في بعض الأحيان، لغزًا يصعب فك شفرته، لكنها قد تستنهض، في لحظة واحدة، الشرارات، والمشاعر التي تعجز آلاف الكلمات عن التعبير عنها بروحٍ تحمل ماضي شيءٍ ما إلى الحاضر والمستقبل. ويصبح سحر الشيء، الذي ينقل حكاياتها عبر الأجيال، أمرًا رائعًا بالنسبة للذين يملكون ناصيته.
يستوقفني، في العادة، عندما أتجول في "معرض الكُتَّاب الأتراك"، بعض الإشارات، أو التفاصيل الخفية في نصٍ أو توقيعٍ، أو في طيات شيء يخص كاتبا ما؛ كنصٍ مكتوبٍ بخط يده؛  تلك الأشياء التي يظن البعض أنها لا قيمة لها، وأنها لا تعبر عن شيء. هذا ما حدث معي هذه المرة أيضاً.
لاحظتُ، وكأن نظارة صباح الدين على المستديرة، التي رافقته طوال حياته، وهو يتعقب مدن العالم التي رآها، وعرفها، واستقرت في ذهنه. رأيتُ، وكأن هذه النظارة تبتسم بخجل، وهي موضوعة على طاولة عمله. تُرى، هل كانت هذه النظارة إحدى النظارات التي استخدمها طوال حياته، أم كانت له نظارة أخرى قبلها. ومع هذا، فأنا لا أشك، وأنا أنظر إليها في يومنا الحاضر، أنها وقفت شاهدةً على كتابة أعماله الأدبية، وخطاباته، وأنها شهدت كذلك سنوات محنته، التي قضاها في السجن، كما شهدت أيام فرحه وابتسامته. خلاصة القول إن هذه النظارة رافقت صباح الدين علي في رحلة حياة طويلة؛ مليئة بكل هذه الأمور. 

مُدن صباح الدين علي

كانت نظارته تلك هي نفسها التي ذكرها ناظم حكمت بقوله "نظر إلى وجهي من خلف نظارته نظرة تهكمٍ واستخفافٍ في بادئ الأمر، لتتحول هذه النظرة إلى نظرة حزنٍ وأسى فيما بعد". لم يكن هناك شيء داخل هذه العُلبة التي أصابها الصدأ. ليتني ألمس إطارها المنحني المجدول، عندها سأجد نفسي أتجول داخل المدن والبيوت التي عاش فيها صباح الدين علي، وتجول بينها. سأدرك جيدًا مدى ما ستعكسه بداخلي من مشاعر وأحاسيس. كان هذا هو الحل الوحيد الذي سيمنع مرور الزمن بالنسبة إليَّ. من المؤكد أنني كنت سأستمع لصوته، وأنا أُقلِّب نظري بين ممتلكاتٍ رافقته طوال رحلته؛ من صور، وكتابات له، نُسخت بخط يده. 
تَعْرِضُ سفان غول سونماز، من خلال المعرض الذي أقامته في مركز "يابي كريدي للثقافة والفنون" بعنوان "لم يألف المدينة – مُدن صباح الدين علي"، نظرة الكاتب صباح الدين علي إلى مدن الأناضول التي زارها، وعاش فيها، بالإضافة إلى مدينة برلين التي انتقل إليها كذلك.

مُدن صباح الدين علي

يتناول كتاب المعرض حياة الأديب صباح الدين علي في مدن الأناضول، خلال سنوات إعلان الجمهورية الأولى، وحياته في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، استنادًا إلى أعماله، وإلى عددٍ من الصور التي التقطها بنفسه لهذه المدن. يُستهل كتاب "مدن صباح الدين علي" بجزءٍ مقتبسٍ من أحد أعماله: "تمنحني الرحلات السعادة، ولكن لا دخل لهذه السعادة بالمتعة التي أشعر بها عند إدراك الهدف الذي أبتغيه من هذه الرحلات. إدراكي أن هذه الرحلات لا تتوقف عند مكانٍ بعينه، وأنها دائمة الحركة، يجعلني دائمًا أربط بين الشعور والمكان، بل ويتخطى ذلك؛ ليصبح هذا الأمر حلوًا، ممتعًا في ذاته".
وكأن قول الكاتب "الشعور المصاحب لإدراك حركية الرحلة وديمومتها "كان بمثابة "صحوة وعي" أمدَّته بالرغبة في الكتابة عن طبيعة المدن التي عاش فيها، وروائحها، وألوانها، ومناخها، وأصواتها، ملتزمًا بقيمٍ إنسانية وثقافية لا يحيد عنها. راقتني كثيرًا فكرة الاعتقاد بأنه كان يتجول بين هذه المدن، بروح المتصوف الذي يدرك أن أصل الوجود هو الحركة، وليس الجمود، وأن التوقف عن الحركة يعني التوقف عن كل شيء، والتحول إلى "اللا شيء". رسخ لدي عندها فكرة أن الحركة والتنقل هما اللذان شكلا فكر هذا الأديب، وأنه ربما كان يستمد السكينة التي يحتاج إليها "في الطريق".

مُدن صباح الدين علي

لم يهتم صباح الدين علي كثيراً بالكتابة في أدب الرحلات. وعلى الرغم من هذا، يمكننا أن نلمس آثار الرحلات في أدبه. كان يحكي عن وحشة العيش في الأقاليم، من خلال كتابه "من داخل فانيلا سوداء"، الذي كتبه لدى تعيينه في مدرسة يوجات جمهوريت؛ حيث قال "شعرتُ بشوقٍ كبير إلى إسطنبول. لم يغب عن ناظري بيوتها، وشوارعها، وبحارها، وسكانها. ولمشاغب يبيع البِطيخ في أق سراي أقرب إلى قلبي من أكبر مسئول في مركز وسط الأناضول. بالطبع أفضل منه". نلمس هذا الحنين كذلك في الخطاب الذي كتبه إلى عائشة صدقي في عام 1933؛ "انتقلت في آواخر هذا الصيف للعمل معلمًا في مدرسة يوزجات. هذه الفترة هي أكثر فترات حياتي كلها رتابةً. أشعر بالحنق في هذا المكان؛ لأنني لم أنسجم مع رتابة الحياة في تلك المدينة الصغيرة في الأناضول. لم يكن هناك مجال للتسلية، وتمضية الوقت هنا، سوى مجموعة غير حرفية تعزف الساز "آلة موسيقية وترية تركية" في إحدى المقاهي، وكانت مطربة هذه الفرقة فتاة شابة، اسمها "ملك".
عندما نقابل، في الحكاية التي حملت عنوان "المطربة ملك"، التي نُشرت في مجلة "يني جون" في عام 1933، الفتاة التي تحدث عنها علي، ندرك على الفور مدى شوقه لحياة المدينة التي عاش فيها من قبل، ولحياة التجوال التي ولع بها. وفي الوقت الذي كانت الأشياء المتراصة في المعرض توضح الخريطة الشخصية لحياته، كنا نلاحظ كذلك مدى تمسكه بالدفاع عن الحق في الاعتقاد، وحرية التعبير؛ بدرجة جعلتني أُجزم أن هذه النقطة وحدها كانت كفيلة بأن تجعله واحدًا من أفضل الكتاب اليوم.

مُدن صباح الدين علي

أوصِي القارئ، الذي يحب صباح الدين علي كثيرًا، ولا يعلم عنه الكثير، أو الذي يمتلك معلومات غير صحيحة عنه، أو لديه محض افتراءات عليه، أن يقرأ كتاب "مدن صباح الدين علي" الذي يتناول فترات حياته وذكرياته بالنقد والتحليل؛ لأن الإلمام ﺒحياته، و"جهاده من أجل الحرية"، الذي جعل لحياته معنى، سيجعلك، وأنت تقرأ رسائله، التي كتبها إلى أصدقائه، يُحدِّثهم فيها عن ذكرياته، وانطباعاته المتعلقة بمدن سينوب، وقونيه، وأضنه، وبورصه، وإزمير، ومرسي، تشناقلعه، وعدد آخر من المدن، تشعر كأنك تلمس اللبنات الأساسية التي شكَّلت أدبه.
تعرَّض علي للاعتقال في عام 1931 بذريعة ترويجه لأفكارٍ هدَّامة، ثم ما لبث أن اُفرج عنه بعد أن أمضى في السجن ثلاثة أشهر.
أُلقي القبض عليه مرة أخرى في عام 1931  بتهمة إلقاء شعر في مجلسٍ مع رفاقه، يهجو فيه أتاتورك. رفضت محكمة الاستئناف طلبه بأن يُخلى سبيله، وتم شطب قيده من قائمة موظفي الدولة.
وفي عام 1933 تم نقله إلى سجن سينوب.
سحبت السلطات في عام 1937 كتابه "يوسف بن بلدة قويوجاق" بذريعة ترويجه لأفكارٍ تهاجم  نظام الأسرة، ونظام الخدمة العسكرية في تركيا.
لم يلبث علي أن أُودِعَ السجن في (مايو) 1947 في إسطنبول؛ بسبب كتاباته في المجلات التي تم إيقافها بموجب الأحكام العرفية، التي فرُضت خلال هذه الفترة. خرج بعدها من السجن في (سبتمبر) من نفس العام، ثم ما لبث أن عاد إلى السجن مرة أخرى في (ديسمير) في سلطان أحمد بسبب مقال له بعنوان "دهاليز العدالة".
وفي عام 1948 تعرَّض للملاحقة، مرة أخرى، بسبب مقالٍ له نشره في "زنجيريلي حرييت" أو "الحرية المقيدة" التي أصدرها م. علي أيبار في 1948. اشترى صباح الدين علي بعد ذلك شاحنة، وبدأ يعمل في مجال النقل. وأثناء وجوده داخل السجن تعرَّف علي شخصٍ يُدعى علي أرتكين، الذي ساعده على الهرب خارج تركيا في (31 مارس). ولكن تم العثور على جثته مقتولًا في 16 يونيو 1948على مقربة من قرية سازارا، وهو يحاول التسلل عبر الحدود. لم يعلم المواطنون في الداخل التركي بنبأ مقتل صباح الدين علي إلا بعد مرور عدة أشهر على الحادث، وبالتحديد في عام 1949؛ لتصدر تصريحات بعد ذلك، مفادها أن علي أرتكين هو الذي قام بقتل صباح الدين علي. وقد أظهرت التحقيقات بعد ذلك، أن القاتل عمل لفترة في وظيفة تابعة للأمن في المدينة لفترة من الوقت.
أتمنى بعرضي هذا الملخص لأهم المنعطفات في حياة صباح الدين علي، أن يتوقف كل من ينظرون إلى بضعة أبياتٍ كتبت بخط اليد بلغة بلدانهم اليوم، ويفكرون، ويعملون عقولهم في كيفية وجود أشعار مشابهة في بلدانهم، أو حتى في حياتهم الشخصية؛ "حتى لا تحني رأسك، لا تكترث أيها القلب، لا تكترث. حتى لا يسمعوا نحيبك، لا تكترث أيها القلب، لا تكترث. الأمواج الغاضبة تتدافع بالخارج، تأتى وتلفح الجدران، اجعل من أصواتها تسلية لك، لا تكترث أيها القلب، لا تكترث...، حتى إن لم تكن ترى البحر، فيكفيك أن تدر ناظريك لأعلى؛ فصفحة السماء مثل البحر؛ لا تكترث أيها القلب لا تكترث... (أبيات شعرية لصباح الدين علي كتبها أثناء وجوده في سجن سينوب الموجود في قلعةٍ تحيط بها مياه البحر من ثلاث جهات، وقد حوَّلت السلطات هذه القلعة الآن إلى متحف. والجدير بالذكر كذلك أن سجن سينوب هو أقدم سجن في تركيا).
ومن حكاية "الجدار" التي كتبها في سجن سينوب الذي أُودع به كذلك في عام 1933؛ "أقبع منذ وقت طويل بين جدران السجن الواقع على ساحل البحر. أسمع من غرفتي المبنية من الحجارة أصوات ارتطام الأمواج بجدران السجن الضخمة. تدعو إلى رحلات بعيدة. ترمق طيور البحر أسوار السجن الحديدية بعيون حائرة، وهي تسرع بالارتفاع لعنان السماء، وقد تساقطت قطرات ماء البحر من ريشها (...)، ولكن يبدو أن كل شيء، وأن كل صوت سمعته في السجن الذي أنزلوني إياه، قد صُنِع كي يأتي بصورة الحرية أمام ناظري، ثم تسحبها فجأة من أمام ناظري. كانت آلام قيود السجن والعجز تعتصر قلبي، وسط هذا الجو الربيعي الجميل، مع تلك الأشجار الصغيرة التي تنمو فوق الأسوار، والزهور الصفراء التي تتدلى من الأحجار المكسوة بالطحالب".
وفي الوقت الذي يعاني فيه أي كاتب، يسير طيلة حياته في مستنقعات مظلمة داخل "غابة غامضة"، ويجد مشقة في أن يجمع كل ما يخص هذا العالم الغريب، نجد أن عمله هذا سيكون موضع تقدير من القارئ، الذي يحب هذا الكاتب من قلبه، ويتابع عمله بشغف. وفي الإطار نفسه، تؤرخ الملحوظات، التي دوَّنها صباح الدين عن مدن الأناضول، لمسيرة كتابة رواياته وخطاباته الأدبية.
تكتمل الصورة لدينا عندما نقرأ عن تصوير مناظر منطقة أرِمد (منطقة تتبع محافظة باليق آسر) التي تركت أثرها في رواية "قويجوكلو يوسف" أو "يوسف بن بلدة قويوجو" مع الرسالة التي أرسلها إلى زوجته في عام 1944. تتحدث ابنته فيليز، في مذكراتها، عن قصة أبيها "جيركن جه" (الاسم القديم لمنطقة "شيركينجه") حيث تقول "كان يعرف هذه الأماكن بشكلٍ جيد. عندما نقرأ ما كتبه عن هذه الأماكن، ندرك أنه أحب هذه الأرض مثلما كان يحب روحه. تجولنا معاً في منطفة أَفَسْ. عشت مع أبي في أَفَسْ، التي تمتد بجذورها إلى آلاف السنين في التاريخ". هذا هو ما تفعله هذه القصص بالقارئ؛ إذ تجرد قصص صباح الدين "ذلك المكان"، وما يرتبط به من أفكارٍ وأحاسيس، من الزمن تمامًا.
يقول علي على لسان رائف أفندي بطل روايته  "مادونا صاحبة المعطف الفرو"، وهي واحدة من أكثر الروايات مبيعًا اليوم في الأدب التركي الذي ظلّ مُحتقرًا لعشرات السنوات؛ "يزداد شعوري بالحاجة إلى الفرار من الناس، بقدر شعوري بالحاجة إليهم...أقترب أكثر إلى الطبيعة والفطرة طالما عشت بمنأى عن الناس".
توقفت كثيراً أمام قصيدة "الجبال"، التي زادها جمالاً أنها كُتِبت بخط يده، وإلى جانبها تمامًا وضعت صورة لعلي. كانت ذراعاه متدليتين صوب الأرض، مثل غصن شجرة جاف. كان ظهره مُداراً إليَّ. بدا كأنه يحتضن "الأبدية"، وهو ينظر إلى ساحة خالية في منطقة كثيفة بالغابات فوق جبال كاز.
لم يألف المدن، والناس ومعاملتهم الخشنة. بدأ في كتابة الشعر، وهو لا يزال في سن الخامسة والعشرين. لم يكن يعلم ما يخفيه المستقبل، أو كيف ستكون حياته المقبلة. لم يكن يعلم كذلك كيف ستكون النهاية. لم يشغل نفسه، في هذا العمر، سوى بالكتابة بحدس الكُتاب الكبار وبديهتهم.  يقول "إذا لم يأتِ اليوم، الذي يعرف فيه الناس قَدرِي، ولم يرددوا اسمي، ولم يجدوا من يسأل عني، فلن يكون لي مكانٌ أسكنه حينها غير الجبال، سأسكن الجبال".

مُدن صباح الدين علي

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/edebiyat/sabahattin-alinin-sehirleri-ve-bitmeyen-ozgurluk-mucadelesi