مايا أراكون
نوفمبر 28 2017

"مُعلّمونا ومُعلّموهم!"

 

عشية أمس كنت أبحث عن شيء مُسلٍّ وممتع يريح الذهن ويروح عن النفس، فوجدت فيلماً يسمى "الحمقى".
لن أتحدث تفصيلياً عن هذا الفيلم حتى لا أفسد قصته والشوق إليه... ولكن أحداث الفيلم تبدأ عام 2005، وتحكي عن نظامٍ سيسود العالم في المستقبل، كما يتناول تحوّل الناس في عصرنا إلى أغبياء بشكل تدريجي، وتدهور التعليم شيئًا فشيئًا بحيث يصير عاجزًا عن تعليم الناس شيئًا يُذكر، ونتيجة للتزايد التدريجي في عدد الفئات والقطاعات الجاهلة فسوف يحكم الحمقى العالم بعد عدة قرون، وتنتشر القمامة في كل مكان فلا تجد من يجمعها، ويتعذر القيام بأي عمل في المجتمع، بل إن الناس يعجزون عن تكوين جملة صحيحة. وبالتأكيد فإن عدد الحمقى أمثال أولئك الذين في الفيلم موجودون بكثرة إلى حد ما في بعض الدول، وهو ما نرى انعكاساته في حياتنا المعاصرة.
ولا ريب أن القضية الأساسية هنا تكمن في كيفية عمل هذا النظام الذي حول الناس إلى هذا الوضع، والآليات التي يمكنها أن تعود بهذا النظام إلى الوراء.
وهنا - وامتدادًا لمقالة الأسبوع الماضي أيضًا- يلزم التساؤل عن سبب تردي النظام التعليمي إلى هذه الدرجة في بعض الدول.
لقد ذكرت في المقالة السابقة أن شلايشر  (Schleicher) مدير معهد بيسا (PISA) قال: "لا بد أولًا أن يكون المعلمون أكفاء جيديون ليكونوا قادرين على توفير تعليم جيد". غير أننا إذا نظرنا إلى تركيا ألقيناها إحدى الدول التي يعاني فيها المعلمون من أوضاع سيئة.
وبحسب الجدول الذي عقد فيه موقع أخبار المعلمين (Öğretmenlerhaber.com)  مقارنة بين رواتب البرلمانيين والمعلمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فقد كان الوضع عام 2012م على النحو الآتي:
- السويد: نصيب الفرد من الدخل القومي: 65000 دولار. راتب النائب البرلماني: 4200 دولار... نسبة الراتب بالنسبة للدخل القومي: 6.4 %. ويبلغ الراتب السنوي للمعلم 38.785 دولار.
- هولندا: نصيب الفرد من الدخل القومي: 52000 دولار. راتب النائب البرلماني: 6.660 دولار... نسبة الراتب بالنسبة للدخل القومي: 10.8 %. ويبلغ الراتب السنوي للمعلم 67.848 دولار.
- إنجلترا: نصيب الفرد من الدخل القومي: 46.500 دولار. راتب النائب البرلماني: 6.200 دولار... نسبة الراتب بالنسبة للدخل القومي: 13.3 %. ويبلغ الراتب السنوي للمعلم 43.835 دولار.
- إسبانيا: نصيب الفرد من الدخل القومي: 37000 دولار. راتب النائب البرلماني: 2.312 دولار... نسبة الراتب بالنسبة للدخل القومي: 4 %. ويبلغ الراتب السنوي للمعلم 53.120 دولار.
- التشيك: نصيب الفرد من الدخل القومي: 21.000 دولار. راتب النائب البرلماني: 1.900 دولار... نسبة الراتب بالنسبة للدخل القومي: 9 %. ويبلغ الراتب السنوي للمعلم 29.663 دولار.
- متوسط الرواتب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD): 51.879 دولار.
- تركيا: نصيب الفرد من الدخل القومي (للعام 2017): 9826 دولار (تقريبًا). راتب النائب البرلماني: 17.000 ليرة تركية... ولديه دخل يعادل راتب موظفين متقاعدين. نسبة الراتب من الدخل القومي: 80 %. ويحصل النواب البرلمانيون على حق التقاعد في سنتين ويبلغ راتب التقاعد 8.500 ليرة تركية شهريًا. أي إن الصافي الفعلي لرواتب النواب التقاعدية 204.000 ليرة سنويًا. أما رواتب المعلمين في الدول والبلدان التي تترفع فيها رواتب النواب البرلمانيين فتكون هي الأخرى مرتفعة بما يناسب رواتب النواب أيضًا.
وعندما ننظر إلى متوسط الرواتب هناك نجد أن الراتب السنوي للمعلم في أمريكا يبلغ 138.000 دولارًا، وفي اسكتلندا 141.000 دولارًا، وفي الدانمارك 156.000 دولارًا، وفي كندا 167.000 دولارًا، وفي لوكسمبورغ 288.530 ليرة، أما الراتب السنوي للمدرس الأعلى درجة في تركيا فقد تقرر أن يصبح 41.628 ليرة اعتبارًا من 2018م. أي ما قدره 3.469 ليرة شهريًا بشكل صافٍ. وبحسب الاتحاد العام لنقابات العمال الأتراك "ترك-إيش" فإن حد الفقر لأسرة مكونة من 4 أفراد في تركيا هو 4.913 للعام 2017. أي أنّ معلمينا سيصبحون أيضًا يعيشون تحت خط الفقر للعام 2017 حتى مع الراتب الذي سيحصلون عليه بحلول عام 2018. والأمر لا ينتهي عند هذا، إذ تؤثر الظروف المادية السلبية على الحالة النفسية للمعلمين تأثيرًا صعبًا وسيئًا. ووفقا لــــ"دراسة استطلاع آراء المعلمين بشأن أوضاعهم الاقتصادية" التي أجرتها نقابة قطاع التعليم والتربية فقد تبين أنَّ:
% 83  من المعلمين يرون عدم كفاية المرتبات التي يحصلون عليها من وظائفهم.
% 74 من المعلمين يرون تضاءل احترام المجتمع وتقديره إياهم بسبب قلة رواتبهم.
% 86 يرون أنهم لا يمتلكون ظروف عمل مماثلة لما لدى المعلمين في الدول المتقدمة.
% 73 غير متحفزين ولا متشجعين لأداء وظائفهم بشكل تام.
% 82 لا يستطيعون توفير احتياجات أبنائهم الغذائية بالرواتب التي يحصلون عليها، في مقابل 85 % لا يستطيعون توفير حاجيات أولادهم من الملابس بشكل مريح ويسير. بينما هناك 71 % من المعلمين يذكرون أن أولادهم لا يحصلون على تغذية صحيحة ومتوازنة.
% 75 يقولون إن أداءهم المهني قد انخفض وتردى بسبب الديون.
% 52 من المعلمين يعيشون مشاكل نفسية بسبب عدم كفاية رواتبهم وعجزها عن الوفاء بمتطلباتهم.
% 88  يرون أن إعانة الطفل ليست كافية، ذلك أن هذه النسبة ترتفع إلى 89 % في أجور الدروس الإضافية.
- يذكر 50 % أنه ربما يترك عمله بالتدريس إذا ما وجد عملًأ يربح من ورائه أموالًا أكثر مما يتقاضاه راتبًا عن العمل بهذه المهنة.
- يتخوف 52 من التربويين والمعلمين من الإبعاد والفصل من العمل.
ومع أنه أعلن أن عدد الطلاب بالنسبة لكل معلم في المدارس الحكومية 22 طالبًا، إلا أنه وبحسب ما ورد في تقرير نقابة "التربويين" فإن هذا العدد منخفض هكذا لأنهم أضافوا إلى الإحصاء القرى قليلة عدد الطلاب بما لا يتجاوز 2 أو ثلاثة، أما الرقم الحقيقي فيفوق هذا بكثير جدًا.
  وبعبارة أخرى فإن معلمينا الذين يعملون في مراحل التعليم الأساسي يتقاضون رواتب غير كافية ويشرحون الدروس للطلاب في ظروف غير مناسبة وفي فصول مزدحمة، كما أنهم يعانون من أصعب وأثقل أشكال هذا العبء النفسي وطأة. وإنه لمن الظلم بل من الخيال المستحيل أن يُطلب من المعلمين تطوير أنفسهم وأداء وظائفهم بكفاءة كاملة غير منقوصة.
وبالتالي فليس من المستغرب أن تنشأ الأجيال الجديدة عاجزة عن فهم ما تقرؤوه فهمًا صحيحًا. ويستحيل على تركيا أن تنافس العالم بهذا النوع من الموارد ورأس المال البشري. فكيف يتوقع حدوث أي نوع من النهضة والتنمية حيث لا يوجد إنتاج للمعلومات والمعرفة؟.
ناهيكم عن المنافسة، بل إن تردي وتزايد انحطاط أسلوب عمل المجتمع تدريجيًا إنما هو نتيجة لهذا الوضع القائم.
لأنه وكما أن الفرد لا يحصل على تعليمه المهني بشكل صحيح؛ فهو أيضًا لا يمتلك المعرفة والمهارة التي تجعله يؤدي وظيفته وواجبه داخل المجتمع. لذا فإن السباك الذي تستدعونه لا يستطيع إصلاح صنابير المياه المعطلة في منزلكم بشكل صحيح، ولهذا السبب تتعطل سيارتكم مرة كل يومين، ولهذا السبب فإن الطرق والشوارع الاسفلتية في حاضرة كبيرة كاسطنبول مليئة بالحفر، ولهذا السبب يمكن أن تظل المياه منقطعة لمدة 5 أيام على التوالي في القرن 21، وتنقطع الكهرباء أيامًا؛ فتفسد أطعمتكم وأغذيتكم المحفوظة في الثلاجات، ولهذا السبب أيضًا لا تأتي الحافلات إلى محطاتها في مواعيدها في أي وقت قط، وتزدحم الحركة المرورية دائمًا، ولا أحد يمتثل لتعليمات وقواعد المرور العام، ومن يمتثل لها يُعامل معاملة "المغفلين"، وتعجز سيارات الإسعاف عن إيصال المريض إلى المستشفى، وتقتحم السيول والفيضانات كل مكان حين يهطل المطر، ولهذا السبب أيضًا تصبح الحياة ولا سيما في المدن الكبرى مصدر ألم ومعاناة حقيقي، ولا يتلفظ أحد بالكلمات الدالة على الحد الأدنى من اللطف والتحضر؛ مثل كلمة "شكرًا" أو "صباح الخير".
لأنه لا أحد يتقن عمله جيدًا، ولا أحد يُربى تربية صحيحة سليمة، لأنه ليس هناك أحد – بما في ذلك السياسين- قد أدركوا مدى أهمية الدور الذي يضطلع به التعليم في تطوير المجتمع وتنميته، وليس المقصود من التعليم هنا التعليم الموجود في المدارس فحسب، إنني أنظر إلى التعليم نظرة شاملة وجامعة.
حتى رؤساء هذه البلاد ربما ينظرون إلى إحدى لوحات الرسام الشهير "بيكاسو " فيقولون: "وماذا في هذا، إنني أستطيع أن أفعل هذا."، ويقول رؤساء البلديات "إنني أزدري مثل هذا الفن!"، لذا يتعرض التعليم والفن والثقافة للتحقير والازدراء بدرجة كبيرة؛ حتى إنه ليس هناك أحد يدرك أن هذه الأمور تحمل أهمية حيوية واستراتيجية في تنمية المجتمع.
من المؤسف إصدار بيان مثل هذا وتوضيحه للأذهان التي ترى أنّ البيانات الاقتصادية فحسب هي ما يحقق التنمية، والتي أغفلت  دور العامل والعنصر البشري في الأمر. ولهذا فإننا نظل في مواجهة مباشرة مع خطر التحول إلى مجتمع من الحمقى.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: