كرم سعيد
ديسمبر 12 2017

نحو أسلمة الصحافة العلمانية في تركيا

في سياق مناهضة وتشويه الأفكار العلمانية التي تتغلغل في عروق المجتمع التركي مقابل إحياء التوجهات المحافظة باعتبارها الورقة الرابحة، حرص حزب العدالة والتنمية مبكراً على الامساك بمفاصل وسائل الإعلام لتكريس صورة نمطية محافظة وتغذية التوجهات التقليدية ذات الصبغة الدينية لتركيا.

مع صعود الحزب إلى سدة السلطة في العام 2002، تمكن رجب طيب أردوغان، من السيطرة تدريجياً على الصحافة ووسائل الإعلام التي ترى في العلمانية ضرورة ملحة سواء للإصلاح أو تحديث الدولة.

وفي عام 2004 تم التحفظ على جريدة "ستار ديلى" المملوكة لمنافس أردوغان السياسي "كيم أوزان" من قبل وكالة الحكومة التنظيمية، وإسناد ملكيتها لرجل الأعمال "إيثيم سانكاك" القريب من أردوغان.

كما تم التحفظ في العام 2007 على جريدة "صباح ديلى" وقناة " إيه تى فى" وبيعها لمجموعة "تورك فاز" التي يديرها بيرات البيراق صهر أردوغان.

وفي العام 2009 تم فرض ضرائب باهظة، تصل قيمتها لنحو 25 مليون دولار على مجموعة "دوغان الإعلامية" ما وضعها في أزمة مالية دفعتها لبيع جريدة "ميليت ديلى".

وفي العام 2013 تم التحفظ على أصول مجموعة "كوكورفا" الإعلامية، والتي تضم "جريدتى أكشام وجونيس" وقناة "سكاي تورك 360".

عشية انتفاضة جيزى بارك في صيف 2013، انتهز أردوغان الفرصة لتوسيع سيطرته على الإعلام، خاصة التابع لـ "حركة خدمة" بعد أن تمكنت من ضرب العدالة والتنمية تحت الحزام وكشفت عواراته عقب تصاعد قضايا الفساد في العام 2013، وتحويل تركيا من ممر للجهاديين إلى مستقر، كشفه مناخ التنسيق مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وإهدار فرص تسوية القضية الكردية.

في سياق مواصلة توسيع نطاق تأميم الصحافة والإعلام المعارض، رفع أردوغان مثلاً في ديسمبر 2014 قضية بحق صحيفة "بيرجون" المعارضة كون مانشيتها الصادر في 11 ديمسبر 2014 حمل عنوان "خيرسز"، أي لص باللغة التركية، في إشارة تحمل سخرية من قرار حزب العدالة والتنمية بفرض تدريس الأبجدية العثمانية في المدارس.

يتصل بما سبق التصريحات الرسمية الخشنة بين أردوغان والصحافة طوال الوقت، منها توجيه مؤسسة الرئاسة تهديداً صريحاً إلى رئيس تحرير صحيفة "جمهورييت"، جان دوندار، بعد نشرها في يونيو 2015 صوراً لشحنة أسلحة خلال تهريبها إلى إرهابيين في سوريا.

في سبتمبر 2015، داهمت الشرطة التركية مجموعة "كوزاإيبيك"، والتي تملك العديد من الكيانات الصحفية، منها صحيفة "بوغون" و صحيفة "زمان".

في المقابل كانت الصحف الموالية للحكومة ومحطات التلفاز مثل "إن تي في" وصحيفة "ينى شفق" تروج لتوجهات الحكومة المحافظة، وتتهم الكيانات الإعلامية العلمانية بالرغبة في تشوية الدين الذي ما زال الورقة الرابحة لدي حزب العدالة والتنمية في دغدغة مشاعر الناخبين.

الأرجح أن سلوك السلطة التركية تجاه الصحافة والإعلام ما قبل فترة الانقلاب الفاشل، دفع 180 صحفياً وكاتباً في 4 سبتمبر 2015 للتوقيع على بيان احتجاج تحت عنوان "ألمانيا النازية 2015" ضد حكومة العدالة والتنمية جراء فرضها ضغوطاً على وسائل الإعلام المناهضة لسياستها، وفي الصدارة منها صحف "جمهوريت"، و "سوزجو"، و "طرف"، و "يورت" المعارضة.

لم تكن تقتصر جهود العدالة والتنمية لتكريس هيمنة الصحافة المحافظة على صدارة المشهد، على مصادرة وتعطيل الصحافة العلمانية، إنما لجأت إلى مأسسة التيارات الإعلامية المحافظة.

على سبيل المثال فرضت الحكومة سيطرتها على مؤسسة الاتصالات والانترنت منذ فبراير 2014، عقب تمريرها قانون يسمح بفرض الرقابة الشاملة على الإنترنت، والاحتفاظ ببيانات مستخدمي الشبكة العنكبوتية بين سنة وسنتين عبر وضع لائحة بالمواقع التي يدخلون إليها، والكلمات المفتاحية التي استخدموها، ونقلها إلى السلطات المختصة عند الطلب، علاوة على حجب مواقع التواصل الاجتماعي.

كما خضعت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) لسيطرة سلطة الدولة وفعلت وكالة أنباء الأناضول التي تعدُّ واحدة من أقدم مؤسسات الجمهورية وأكثرها رسوخاً.

مع أن وسائل الإعلام العلمانية والخاصة في تركيا قامت بدور أساسي في افشال محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في يوليو 2016، إلا أن قمع حرية الصحافة والإعلام في تركيا تتطور ووصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تصاعد خطاب التخوين الذي يتبناه الرئيس التركي ضد الإعلام المناهض لتوجهاته السياسية بذريعة الترويج لأفكار منظمات إرهابية وتهديد الأمن القومي.

وصل عدد المعتقلين من الصحافيين وأصحاب الشركات الإعلامية منذ انقلاب 15 يوليو الفاشل إلى نحو 142 شخصاً، كما أغلقت منذ يوليو 2016 بحسب اتحاد الصحافيين الأتراك نحو 170 وسيلة إعلامية، بينها 16 قناة تلفزيونية و3 وكالات أنباء و 33 إذاعة و 45 صحيفة، في مقدمتها صحيفة "زمان" المحسوبة على حركة "خدمة"، ونحو 15 مجلة أسبوعية إضافة إلى 29 دار نشر وتوزيع.

لم يقتصر العنف الممنهج ضد الإعلام في تركيا على الإغلاق ووقف البث، فبموجب سلطة حال الطوارئ مررت الحكومة في أكتوبر 2016، قانون ينص على "حرمان أي صحيفة أو مطبوعة من أي تمويل إعلاني، في حال لم تطرد أي موظف يحاكم بتهمة متصل بالإرهاب"، ناهيك عن حجب مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"تويتر" و"انستجرام" وتطبيق "واتس أب" للتواصل الاجتماعي.

كما علقت السلطات التركية بث عشرات قنوات فضائية موالية للأكراد من قبل القمر الصناعي "تركسات"، وكانت تبث من ديار بكر جنوب شرق تركيا، حيث غالبية السكان من الأكراد، قضلا عن طلب المدعى العام في تركيا في 12نوفمبر 2016 حكماً بالسجن المؤبد على 9 من موظفي صحيفة "أوزغور غونديم" الموالية للأكراد، بينهم الروائية أصلى أردوغان، واتهم المدعى العام هؤلاء بعضوية منظمة إرهابية كردية مسلحة.

دفعت سياسة العقاب الجماعي وقمع الحريات في تركيا، بالاتحاد الأوروبي إلى مطالبة السلطات التركية بـ "تقليص نطاق تدابير الطوارئ، بحيث لا تستخدم لتقويض حرية التعبير"، واعتبر رئيس البرلمان "مارتن شولتز"، استهداف الصحافة" يشكل "تجاوزاً لخط أحمر آخر ضد حرية التعبير في تركيا".

وشبه وزير خارجية لوكسمبورغ "جان أسيلبون" إجراءات أنقرة ضد الصحافة والإعلام بـ "الحقبة النازية"، بينما قال وزير خارجية النمسا، إن "الدولة التي تحاول حبس الصحافيين وزعماء المعارضة ليس لها مكان في الاتحاد الأوروبي".

يكشف واقع الإعلام والصحافة في تركيا عن طبيعة التوجهات الأحادية للسلطة في تركيا، نحو مأسسة وهيمنة الإعلام والصحافة المحافظة، مقابل تهميش أوزان الإعلام العلماني، عبر حجج واهية من بينها اتهام الصحافة العلمانية، وفي الصدارة منها صحيفة "جمهورييت" التي أسسها أتاتورك، وكانت أهم منارة للعلمانية والحرية ومبادئ الجمهورية بدعم الانفصاليين الأكراد أو جماعة غولن.

وبحسب كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، "لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص عديم الشرف"، وأضاف ساخراً " نسوا أن يتهموا الصحيفة بدعم تنظيم داعش أيضا".

تمثل سيطرة الحزب الحاكم على وسائل الإعلام والصحافة مقابل تقييد المطبوعات الصحافية والقنوات المعارضة وإعادة أسلمتها، منعطفًا مهمًّا على صعيد انتكاسة حريات الإعلام في تركيا التي أدرجت في المرتبة 151 من 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2016 الذي نشرته منظمة "مراسلون بلا حدود".

ويبدو الإعلام في تركيا مرشح لمزيد من التراجع والتكميم بفعل تقييد الحريات واعتقال عدد كبير من الصحافيين، تحت مسميات قانونية هذه المرة بموجب حال الطوارئ التي باتت تخفى من الأغراض أكثر مما تكشف.