اومت كرداش
ديسمبر 25 2017

نحو الديمقراطية العالمية الكونية.. إعادة تصميم نظام الأمم المتحدة

 

لم نتناقش حتى الآن فيما إذا كانت الدولة القومية يمكن أن تكون في صميم التفكير الديمقراطي أم لا، على الرغم من أننا لم نجادل حول ما قد تكون التهديدات التي من المحتمل أن تواجهها الديمقراطية داخل حدود دولة قومية.
وبالإضافة إلى المشاكل الناشئة عن نمو العلاقات المعقدة بين الدول والمجتمعات مع العولمة، تجري أيضا مناقشة تحديات القوى الوطنية والدولية، وعدم كفاية التشكيلات التي تتجاوز الحدود الوطنية في إطار هذه المشاكل.
وقد قيل أن الديمقراطية العالمية يمكن الوصول إليها فقط بعد تحقيق الديمقراطيات المحلية.
يقول البروفيسور نونبرتو بوبيو أستاذ القانون الإيطالي أنه إذا تم إضفاء الطابع الديمقراطي على جميع الدول، فإن النظام الدولي سيبنى بالضرورة على المبادئ الديمقراطية.
ووفقا لهذا الرأي، فإن الأنظمة الديمقراطية تميل أيضا إلى تطبيق المبادئ الديمقراطية التي تشكل سياساتها الداخلية في مجال السياسة الخارجية في نفس الوقت.
ولكننا نرى أن الحال ليس هكذا أبدا عند النقطة التي وصلنا إليها اليوم، بل على العكس من ذلك فالدول الديمقراطية غالبا ما تعمل في بيئة دولية استبدادية، تعتمد على القوة.
وينبغي أن نسأل السؤال بتعبير البروفيسور ديفيد هيلد: "هل يمكن للدولة أن تكون ديمقراطية تماما في عالم ديمقراطي؟"
وتبين البحوث التي أجريت أن الديمقراطيات تاريخيا لم تكن  مسالمة بشكل أكثر من الأنظمة الاستبدادية قط، ولم تقوم الديمقراطيات بتنفيذ سياستها الخارجية بشكل سلمي أكثر من الأنظمة الاستبدادية.
وعدم امتثال الولايات المتحدة، كقوة مهيمنة على المستوى العالمي، للمبدأ الديمقراطي والقانون، وباعتبارها ديمقراطية متقدمة، ومحاولتها فرض قانون الإمبراطورية كقوة، يعد مثالا على ذلك.
وسياسة المملكة المتحدة، التي تعد مهد الديمقراطية والبرلمانية، والتي في وئام مع الولايات المتحدة، تؤكد ذلك أيضا.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي يكوِّن المعايير الديمقراطية، فإن عدم كفايته في المجال الدولي الاستبدادي، وربطه في بعض الأحيان بالقوى المسيطرة يظهر ذلك أيضا.
هل من الممكن للدولة أن تكون ديمقراطية تماما في عالم غير ديمقراطي حقا؟ الواقع أن هناك فترات في الولايات المتحدة، وانجلترا كذلك، حيث تتعرض الديمقراطية وحقوق الإنسان للتهديد من قبل الدولة التي يفترض أن تكون ديمقراطية.
ولهذا السبب، فإن تحقيق الديمقراطية على المستوى العالمي ليس قضية سياسية محلية، بل هو هدف ينبغي العمل على تحقيقه في مجال العلاقات بين الدول، وما لم يكن النظام العالمي أكثر ديمقراطية، فإن الديمقراطية في البلدان ستكون دائما محدودة.
وفي الدول القومية، عندما تتخذ الحكومات القرارات لا تتخذ القرارات الخاصة بمواطنيها فحسب، حيث إن قرار بناء سد على ماء جار يمكن أن يؤدي إلى معاناة البلد المجاور من النقص المائي، ومن شأن اتخاذ قرار متعلق بزراعة الغابات المطيرة أن يسبب ضررا بيئيا في بلدان بعيدة.
ويمكن أن يؤثر قرار رفع أسعار الفائدة بسبب التوازن الاقتصادي في بلد ما على اقتصاديات البلدان الأخرى، وعند اتخاذ هذه القرارات لا تتشاور الدول القومية مع البلدان التي ستتأثر بها.
وتعتبر القرارات التي تتخذ، والمتعلقة بالسياسات الموضوعة في موضوعات مثل التسليح والاستثمار والإيدز، قد دخلت الولاية القضائية المشروعة للدولة القومية.
غير أن العولمة تخلق غموضا سياسيا جديدا بتدمير الحدود الوطنية، وربط الناس والمجتمعات بعمليات متعددة الأطراف، وعمليات تنسيق ، وطرق معقدة للاتصال الحديث.
وفي هذه الحالة، من هو الذي يمكن اعتبار مشاركته أو اعتراضه مشروعا بالنسبة للقرارات التي تتخذها الدول القومية؟ وهل ينبغي أن يكون أنسب شكل لتقديم المشاركة أو الاعتراض على هذه القرارات إقليميا أم عالميا؟ وضد من سيكون موقف صانعو القرار مشروعا؟.
لقد تسببت الدولة القومية الحديثة، التي تأثرت بالتقاليد الإمبريالية المسيطرة، في خيبة أمل، وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة القومية إلى الأمن داخل حدودها، وتسعى إلى السلطة السياسية، ومصالحها في الخارج، و بينما تراعي الديمقراطية وحقوق الإنسان لمن تعتبرهم مواطنيها، فإنها تنكر كل هذا من أجل المهاجرين القادمين من الخارج، ولذا فمن المهم لها أن تفكر في ديمقراطية على المستوى العالمي.
تم اتخاذ وستفاليا في عام 1648 بعد حرب الثلاثين عاما، نموذجا للنظام الدولي للسلام، وفي هذا النموذج الذي يتوخى قيام مجتمع عالمي يتألف من دول ذات سيادة، تستخدم القوة في الغالب لحل مشاكلها، وفرض قبول الاختلاف، ولقد أظهرت الدول أدنى مستوى من التعاون، على الرغم من علاقاتها الدبلوماسية فيما بينها، وغلبت مصالحها الوطنية على مصالح الآخرين.
وفي هذا النموذج، يتكون العالم من القوى السياسية التي تسعى لمصالحها الخاصة باستخدام القوة، والتي يتم دعمها من التنظيمات القسرية تبعا لذلك. 
ويعتقد أن هذه العملية التي استمرت حتى نظام الأمم المتحدة لا تزال أيضا تؤثر على ما بعد ميثاق الأمم المتحدة، وأن منطق وستفاليا لم يتغير.
وقد شكل تقسيم العالم إلى دول قومية قوية بسبب المصالح المهمة، ميثاق الأمم المتحدة، وطوال الحرب الباردة، ظلت الأمم المتحدة بلا حراك.
وفي هذه الوتيرة التي جاءت حتى الآن، أدت سلطة الفيتو الخاصة التي يعرفها أيضا الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، إلى تحويل هذا الهيكل إلى هيئة للوصاية.
ولهذا السبب، لم تمنع الأمم المتحدة الحروب والمذابح وانتهاكات حقوق الإنسان، ونتيجة لذلك، لم تستطع الأمم المتحدة أن تنشئ آليات ديمقراطية من شأنها أن تغير تماما مفهوم وستفاليا، وتحقق التوافق السياسي والتعاون.
وفي حين كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تحدد الأحداث في مرحلة الحرب الباردة، تم دفع معظم الدول ليصبحوا مراقبين، وفي الوضع الجديد الذي نشأ بعد نهاية هذه الفترة، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مسيطرة، الأمم المتحدة في الاتجاه الذي تريده، حتى إنها قامت بتعطيل عملها في احتلال العراق.
واليوم، في جغرافيا الشرق الأوسط، هناك صراعات بين الأطراف الفاعلة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وإنجلترا وفرنسا، وشعوب المنطقة تعاني، أما الأمم المتحدة فقد فقدت وظيفتها، وأصبحت أداة للصراعات.
ويقول دانيال أرتشيبوجي، الذي عمل كباحث في مؤسسة الأبحاث الوطنية الإيطالية، إن الهدف الرئيسي للديمقراطية الكونية هو تمكين المواطنين في المجتمع العالمي من التعبير بصوت مواز للدول في الخطة المؤسسية.
ويشير مصطلح الكوني إلى نموذج للتنظيم السياسي يشارك فيه المواطنون في الأحداث الدولية التي تنطوي على أصواتهم، بالتوازي مع حكوماتهم حيثما يعيشون، وبشكل مستقل عنها، ويتم تمثيلهم سياسيا فيه. 
ووفقا لهذا التعريف، يتم رصد القيم الديمقراطية، التي تتضمن نشر القواعد التي توجه الديمقراطية، بالإضافة إلى المشاركة الشعبية في العمليات السياسية.
في الديمقراطية العالمية، ستكون السيادة الوطنية مفتوحة للتدخل المباشر من قبل الرأي العام الديمقراطي.
وكما يقول ريتشارد فالك، أحد أساتذة جامعة برينستون، الرأي العام هذا هو "مجتمع مدني عالمي ناضج".
ويقال إن تطوير العلاقات العامة بين المجتمعات المدنية الوطنية سيعزز الوظيفة الديمقراطية في المجتمع الدولي وفي البلدان على حد سواء.
ولذلك ينبغي أيضا منح الذين يعيشون في العالم حق التمثيل السياسي بشكل مستقل عن حدودهم التي يعيشون فيها، وحكوماتهم الوطنية، وتطوير مفهوم "حقوق المواطنة العالمية".
وفي هذه الحالة، سيكون الفرد مواطنا لدولة يشارك فيها قيمه التاريخية والثقافية، فضلا عن نظام يتم فيه الدفاع عن حقوق أولئك الذين يسكنون في جميع أنحاء العالم، واستخدام تلك الحقوق.
ولتحقيق ذلك، يجب إعادة تصميم نظام الأمم المتحدة بشكل يؤدي إلى ديمقراطية عالمية كونية.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: