أرطغرل غوناي
يناير 02 2018

نحو عام 2018 في تركيا

 

"سحق عصر الشؤم الإيمان مجددًا؛
سحقها، واأسفاه على آمال الأمة العريضة!
مرغ الجباه في التراب بذريعة القانون؛
من أجل القانون، سحق القانون بذريعة القانون.."
 
عندما أصبح الاتحاديون شركاء في الحكم في عام 1908، احتفل الشعب في اسطنبول بهذا على أنه "إعلان للحرية". وكانت الدولة ستستعيد الدستور من جديد، وسيكون الشعب العثماني متساو بغض النظر عن اللغة والدين، وسيتخلص النظام من المزاجية، وسيبدأ حكم الشعب من خلال القانون والدستور.
لم يستمر طويلاً هذا الأمل الذي خلقه الاتحاديون محبو الوطن والمتحمسون، ولكن كانت خبرتهم وتجربتهم في إدارة الدولة غير كافية.
فتحت الخسائر التي تكبدتها الإمبراطورية على جبهات القتال وصراع الحكم في الداخل الباب أمام تقوية النظام، وتحول هذه الحركة الجديدة التي وصلت للحكم بوعد "الحرية" لتصبح نظامًا استبداديًا خلال فترة قصيرة.
وفي النهاية تحولوا لعصابة هاجمت الباب العالي في نهاية عام 1912م، وأسكتت المناوئين لها بقوة السلاح، ووضعت يدها على الحكم بالقوة الغاشمة بعدما كانت حركة سياسية لها وجودها وثقلها في نظام الحكم.
كتب الشاعر التعليمي توفيق فكرت أحد الداعمين لأمل الحرية مثل المثقفين من كل الخلفيات والمعارضين لاستبداد عبد الحميد، الأبيات الشعرية السالفة الذكر خلال خيبة الأمل التي عاشها في ذلك الوقت.
تسبب المتهورون والمنفعلون والطمّاعون ـالذين جروا البلاد للحرب العالمية الأولى بعدما وضعوا يدههم على الحكم بشكل كامل ـ في انهيار إمبراطورية عظيمة في 1918م بعدما تسببوا في فقد الآلاف من أبناء الوطن لأرواحهم، ونفيهم للداخل، وتعرض مئات الآلاف من جبهات القتال من جبال الله أكبر إلى جبهة جاليتشيا، وحتى الصحاري العربية للفقر والإبادة.
يبدو أن تركيا تعيش في السنوات الأخيرة -وإن لم يكن نفس الوضع تمامًا (لا سمح الله)- ما كان قبل مئة عام من جديد. دخل الاتحاديون التاريخ في 1902 كوطنيين ومتحمسين، ولكنهم خرجوا منه في 1918م وهم يحملون شؤمًا شخصيًا وتاريخيًا بسبب قلة خبرتهم وتصرفاتهم التي تحمل طمعًا زائدًا.
يعيش حزب العدالة والتنمية أيضًا مغامرة مثيرة للقلق بمرور الوقت منذ 2002 وحتى 2018. في أول فترات المشهد السياسي الذي خرجوا فيه في 2002 اتخذوا قرار التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانوا يبدون في مظهر الحركة الداعية للحرية، وأنهم يتقدمون نحو التعددية، ويعطون الأمل بأنهم محافظون ومجددون للديموقراطية.
كلما فازوا في الانتخابات أحبوا السلطة. وأحب بعض أنصاره الذين يتعرفون على السلطة لأول مرة السلطة أكثر. أما مجموعات المنتفعين الذين يتجمعون حول أي سلطة حاكمة فقد أحبت الإمكانيات المادية التي وفرها لهم هذا النظام الباقي. وهكذا فقد بدأوا جميعًا في سحق القوانين وتدمير المؤسسات من أجل البقاء في السلطة.
 
هناك كلمة تتكرر كثيرًا في علم السياسة:
"السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد بشكل مطلق."
 
جرى حكم هذه المقولة في تركيا. بدأ من وصل للحكم على أمل أنه سيكون حركة شعبية ووقف على قدميه بدعم هذا الأمل في تنفيذ السياسات التي تناسبه وسار على نهج فترة الحزب الواحد من أجل تثبيت حكمه. ابتعدوا عن الشعب، وأصبحوا دولة قابعة خلف الدروع والمدرعين والحراس.
انتهت فترة لمعان الاتحاديين بأحداث عنف بعدما تحولت إلى فترة استبداد جديدة في 1913. أما فترة لمعان السلطة الجديدة فقد وصلت للنهاية -بعد قرن كامل- في تاريخ مشابه في 2013.
كانوا قد وصلوا للحكم في 2002 بجملة "ضد الحظر، والفساد، والفقر". وفي ربيع 2013 تم تسميتهم بالمانعين، وفي نهاية نفس العام تم اتهامهم بالفساد.
لم يبق من الكلمات الثلاثة التي ألفوها خلال بدايتهم إلا كلمة "الفقر"، فهو يتكثف، ويزداد، ويتعمق.
كان عام 1917 أحد الأعوام مابين 1915، و1918 المليئة بالأحداث المشؤومة المليئة بالأحداث اللانهائية نحو السوء. وبعد 100 عام بدأ عام 2017 بالأحداث المشؤومة، واستمر في ذلك.
انتهي الشهر الأخير من عام 2016 بعدما امتلأ بفجائع كبيرة. وبدأنا اليوم الأول من 2017 كذلك بنفس الشكل. انقسمنا بشكل كبير حول الأحداث السياسية ما بين مُوال ومعارض بدلًا من التكاتف ضد هذه الفواجع. لا يوجد ملجأ أو مقام أو شخص أو مؤسسة يمكن للشعب أن يلجأ إليه ويبحث فيه عن حقه وآماله ومستقبله، في حين أن الدولة لديها ما يكفي من المشاكل في الداخل والخارج. 
مع الاتفاق مع فكرت حول نظرته للعالم، هناك شاعر كبير آخر عاش نفس ردود أفعاله وآماله وخيباته وهو محمد عاكف، حيث يقول "يقولون أن التاريخ يعيد نفسه، لو أُخذت العبرة هل كان سيتكرر؟".
أمامنا عام 2018. 
في الداخل: مشاكلنا الاقتصادية المتزايدة، الزراعة المنهارة، الصناعات المتوقفة، البطالة المتزايدة، الفساد، الفقر، مجتمع غاضب ولا يتحمل أفراده بعضهم البعض، يزداد عدده وتقل القيم الإنسانية به تدريجيا؛ وفي الخارج: عالم يخاصمنا من أمريكا إلى الدول العربية.
نحن في مشهد كأنه يبتعد عن حل المشاكل، ويجرنا إلى المجهول. نحاول وضع المجتمع تحت الضبط والربط عن طريق استخدام القانون كالعصى منذ خيانة 15 يوليو. تحاول الدولة التقدم في نفق قانون الطوارئ المظلم والغير معلوم نهايته. "يصعد قانون القرارات في حكم القانون!"
هذه هي الوضعية والمشهد العام، والوضع يائس!
نحن نمتلك عدم تشبيه عام 2018 بعام 1918 لا سمح الله.
في عقلنا، وذاكرتنا، وعلمنا، وقدرتنا، وخبرتنا.
إذا كررنا الأخطاء القديمة فإن مصائب مشابهة -حتى وإن كانت بأشكال وأبعاد مختلفة- تنتظرنا. أما إذا اعتبرنا من الأخطاء القديمة، فمن الممكن أن تكون 2018 البداية الجديدة للثقافة والعدالة والحرية والصحة.
أتمنى أن تكون هكذا! ليكن عام 2018 سببَا للاستيقاظ، وإتخاذ العبرة. ولتكن مليئة بالعدالة والحرية والتضامن والسلام والصحة.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: