اومت اوزكرملو
ديسمبر 04 2017

نحو فهم الثقافة السياسية الحاكمة في تركيا: الجماعة الدولتية، الاستبداد والمقاومة

 

في مقالتي السابقة ادعيت أننا لن نفهم الوضع دون أن ننتبه إلى الثقافة السياسية الحاكمة والتحوّل إلى الحكم الاستبدادي (نظام الرجل الواحد) الذي ينتهك الحقوق والحريات الأساسية بتركيا، والتي تُهمِل مفهوم سيادة القانون تماما.
وفي هذا السياق ظهر لنا مفهوم الجماعة الدولتية، وقد دافعت عن هذا المفهوم ـ الذي حاولت وصفه بأخطائه الفظّة ـ بأنه صاحب أهمية مُغلقة في معنى الثقافة السياسية بتركيا.
وبالطبع ليس السبب من إظهار هذا المفهوم لفت الانتباه إلى هيكل نسيج مجتمعي مُتقطِع. لأننا نعلم أن تركيا قد ورثت من العثمانيين سكانا مُتغيري الخواص والعناصر لدرجة كبيرة، وليس من السهل الحصول على أمة متجانسة من هذا النسيج، وضرورة الهندسة الاجتماعية الشاملة. وإن المنطق من وراء سلسلة من التطبيقات مثل التبادل السكاني الذي اتسمت به أوائل سنوات الجمهورية، والهجرة القسرية، وسياسات التوطين، وحتى التطهير العرقي هو: خلق أمة موحدة حول ثقافة وقيم مشتركة.
أما النقطة الأقل ذكرا هي إهدار كل هذه الجهود، وحقيقة أن تركيا لم تصبح أمة موحدة حول القواسم المشتركة.
إن الهيكل المُجزأ الذي يتألف من جماعات تتجمع حول قادة مختلفين والتي تبقت من هذه التعبئة الوطنية التي استمرت لفترة تجاوزت 90 عاما ما هو إلا أرخبيل جماعات. والجسر الوحيد الذي يربطها ببعضها عبارة عن تحالفات استراتيجية قصيرة المدى تهدف إلى المصالح. ومن الضروري قراءة الخطوط الفاصلة المزعومة لفهم السياسة التركية من هذا المنظور.
لا يمكن فهم الفوارق مثل تركي – كردي، سني – شيعي، علماني – متدين، يساري – يميني دون لفت الانتباه إلى هذا الهيكل الجماعي الذي لا يتحمل من ليس منه، ويرى الجماعات الأخرى منافسا في هذا السياق، والسيطرة على الدولة أو الاستفادة منها على الأقل لرؤيتها للدولة كسلطة مطلقة.
ويمكن لحزب العدالة والتنمية – أكثر المحافظين القوميين في تاريخ الجمهورية، أن يخطو خطوات لم تتجرأ أي سلطة على فعلها، فيدخل في شراكة استراتيجية مع الأكراد دون تردد. ويُنهي الشراكة عندما يحصل على منفعته.
في حين يُساوم العلويون الدولة لافتتاح مكان لاجتماعهم بتركيا من ناحية، يدعمون العوامل السياسية العلمانية ضد السلطة السنية التي لا يثقون بها، ويحاولون تنظيم البيروقراطية من ناحية أخرى.
بالطبع ليست الجماعات الدينية واحدة، وتتكون الجماعة الصغيرة من جزر صغيرة. وقد حاولت جماعة غولن الاستحواذ على إعجاب الدولة التي تسللت إلى الأوعية الشعرية بتكتيك على المدى الطويل يُذكرنا بمفهوم الحرب الموضعية لغرامشي، وفي هذا السبيل لن تتردد في عمل اتفاق مع الحركات العسكرية والحركات القومية الأخرى بما فيها حزب العدالة والتنمية عند الضرورة.
وبما أن هذه التحالفات لم تكن قائمة على أساس القيم و/ أو المعتقدات المشتركة حاول الطرفان أن يدمرا بعضهما بعضا عندما انتهت علاقة المصلحة بينهما.
كشفت جماعة غولن ـ التي اعتبرت الحركة السياسية الكردية أكبر تهديد لكيان تركيا غير القابل للتجزئة ـ ما عاشه الأكراد عندما أضرتهم الدولة، وبدأت بذكر هذه الأضرار على مضض. 
سرعان ما نسيت الجماعة العلمانية الراديكالية، التي تعتبر نفسها المالك الطبيعي للدولة، احتكار السلطة وكيفية توجيه تركيا على مدار 10 سنوات عندما أصبحت متضررة (فلنتذكر ضحايا إبادة درسيم في ذكراها الثمانون) وتنصلت من المسؤولية وفضّلت الاتجاه الأسهل قائلة: "نحن قلنا لكم".
والأسوأ من ذلك أن هذه الجماعة ـ التي يمثلها حزب الشعب الجمهوري بشكل كبير اليوم ـ لا تتردد في تشكيل تحالفات مع الأكراد واليساريين والدولة (عندما تكون التهديدات خارجية والكتلة الإسلامية التركية التي تتحكم بالدولة لمدة 15 عاما).
حينما تدمرت المدن الكردية وزج النواب الذين انتخبهم الشعب ورؤوساء البلدية بالسجون، لازمت الجمعية العلمانية الراديكالية الصمت؛ لأن الأكراد ليسوا من الجماعة الراديكالية العلمانية التركية.
وليس من الخطأ القول إن الليبراليين واليساريين والديمقراطيين ـ الذين لا تتعدى أعدادهم أصابع اليدين ـ هم الذين يعانون بشكل أكبر بسبب الجماعة.
لم تُعلق الجماعة الليبرالية (يسارية أويمينية) ـ التي تكره بشدة الجماعة الراديكالية العلمانية التي تدّعي معانتها بسبب "اضطراب الشخصية الكمالية" ـ على استحواذ الجماعات الإسلامية التركية المحافظة على الدولة لفترة طويلة، حتى إنها نظرت إليه بشكل إيجابي، وفضلت الاهتمام بالفوضى التي حدثت أثناء قضايا اتحاد مجتمعات كوردستان التي لم تُذكر كثيرا مثل أرغينكون وباليوز لسبب ما.
إن أكبر عدو للجماعة اليسارية التي تتكون من عشرات الجماعات الكبيرة والصغيرة هذه القطاعات الليبرالية "لا يكفِ ولكن نعم"، "المتعاونون مع العدو المُحتل".
وإن لم يكن هناك الليبراليون فإن الديمقراطية الاجتماعية على النمط النرويجي ستكون واحة مستقلة تتحدى الدولة الاشتراكية اللينية/ الستالينية/ التروتسكية و الإمبريالية والعقيدة النيوليبرالية.
وليس من الخطأ أن نقول أن هناك ما يدعو للدهشة في تحول هذا الهيكل المُجزأ ـ الذي يرى كل فرد فيه الآخر منافسا أو عدوا ـ إلى الحكم الفردي.
بالطبع لم تكن تركيا أبدا جنة الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات. لم يكتشف أردوغان الخطوط الفاصلة التي تقطع بأشكال مختلفة النسيج الاجتماعي (ولكي لا نقلل من شأن دور المنافقين في هذا الموضوع فلنذكر أيضا أن أردوغان قائدا يعمل على تقوية هذه الخطوط ويزيد من التكتل).
ومع ذلك، فإن هذه الخطوط خطأ ليست كافية لشرح الصورة الرهيبة التي نحن بصددها اليوم. والأهم من ذلك، ضرورة فهمنا لماذا هذه الصورة ليست مؤقتة؛ لأنها لن تكون مؤقتة. لذلك إن مفهوم الجماعة الدولتية مهم من هذه الناحية.
تم تأسيس الحكم الفردي بتركيا بسهولة؛ لأنه لا يوجد مجتمع مترابط حول القيم المشتركة. لأن كل جماعة لم تتوقف عن إقامة تحالفات مع القوى التي تولت آلية الدولة لتحقيق مصالحها الخاصة وأغمضت عينيها عما حدث للجماعات الأخرى في هذه الفترة. لأنه من الضروري المقاومة للإطاحة بهذا الحكم الفردي أما المقاومة فيلزمها الاتحاد. ولكن الجماعات الكبيرة والصغيرة التي تتقاسم صدفة الجغرافيا نفسها، تشبه الحاكم الفردي تكره الجماعات الأخرى. والخلاص الوحيد لكل هذه الجماعات بما فيهم المظلومين هو وجود منقذ يحل مكان الحاكم الفردي يهتم بشؤون الدولة.
إن كلا من ميرال أكشانر بجماعة اليمين الوسط، وكمال قيليتشدار أوغلو بجماعة الترك الأبيض العلمانية، وعبدالله أوجلان بالجماعة الكردية، وغولن بحركة الخدمة يشبهون أردوغان في مواقعهم. أما اليساريون فلا زالوا يبحثون عن "التشافيز المحلي". والقوميون في الأساس يسعون وراء "بارينتشاك" يرتشفون إكسير السلطة.
ومن الطبيعي أيضا أن يؤدّي هذا التجزؤ والاستقطاب والغضب إلى فساد الأخلاق. في مثل هذا الهيكل، يتم التباهي بـ"باركين" الذي قُتل برصاص الشرطة بينما هو ذاهب إلى البيت يشتري الخبز، ووالدته التي أعلنت الحداد أو المئات الذين فقدوا حياتهم في هجوم إرهابي.
يتم سحل جثة وراء السيارة لأنها تعود لشخص إرهابي، ويتم تصويرها، وتبقى جثة أخرى في وسط الشارع لعدة أيام، ويطلق القناصون النار على أقاربهم التي تذهب ولا تأخذ الجثث، وتُخرج الجثث من أماكن دفنها...
تنتهي الكلمات عند تعذيب الجثث. يفقد التحليل معناه، وتفقد المفاهيم أهميتها. يجب أن يكون هناك خيار بين الإنسانية والموت، دون أن ننسى الحثالة التي عذبت الجثث. وربما لا بد من بداية جديدة لا تبدأ طريقها من الأمس.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: