نزيف العقول التركية يشتد في ظل الاقتصاد المتعثر والقمع

يقول بعض المحللين إن عدد الأتراك الحاصلين على شهادات جامعية أو أعلى منها الذين هاجرو إلى الخارج زاد إلى ثلاثة أمثاله في السنوات الثلاثين الماضية بسبب المخاوف المتعلقة بالاقتصاد والحملة التي تشنها الحكومة لقمع المعارضة.

هبطت الليرة التركية نحو 40 في المئة أمام الدولار منذ بداية العام الحالي جراء المخاوف المرتبطة بارتفاع معدلات التضخم والبطالة إلى مستويات مستعصية. وقد أدى انخفاض العملة إلى زيادة تكلفة المواد الخام والسلع المستوردة، وتواجه الكثير من الشركات صعوبات في سداد ديونها المقومة بالدولار أو اليورو. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن تركيا ربما تتجه إلى تباطؤ اقتصادي حاد.

وقال محمد خزمتجي المتخرج من جامعة إسطنبول حيث درس الترجمة: "تركيا ليست مكانا جيدا... حين تنظر في التقارير، تجد أن نسبة العاطلين الحاصلين على الدبلوم في ازدياد. وأولئك الذين يعملون يتعرضون للاستغلال الشديد. خريجونا الجدد يريدون مغادرة البلاد حين يعجزون عن إيجاد عمل".

في شهر مارس الماضي، قال معهد الإحصاء التركي إن معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما زاد بمقدار 1.2 نقطة مئوية على أساس سنوي إلى 20.8 في المئة.

وقال أوغور تشالشكان وهو طالب في السنة الثانية بجامعة كوجالي يدرس الخدمات المصرفية والتأمين: "افتقرت إلى العمل في العطلة الصيفية، وهذا أيضا قد زاد همومي. أقيم في مسكن للطلاب في كوجالي، ونظرا لنقص الأموال، وصلت إلى مرحلة الاضطرار لترك الجامعة. أسرتي ليست في حالة اقتصادية جيدة جدا. يقولون إن هناك تعليما مجانيا، لكن يتعين علين أن ندفع رسوم الإقامة في مساكن الطلبة وتكاليف الكتب الباهظة".

تشير بيانات معهد الإحصاء التركي إلى أن معدل البطالة بين النساء يزيد نحو خمس نقاط مئوية عن نظيره بين الرجال.

وقالت سمية يالتشين البالغة من العمر 19 عاما، والتي تدرس السياحة وإدارة الفنادق في ديار بكر بجنوب شرق تركيا: "الصعوبات التي تواجهها المرأة والأزمة الاقتصادية في البلاد أثرا على جميع القطاعات".

وأضافت: "في الوقت الراهن، عليّ أن أتلقى تدريبا عمليا، ولا أستطيع العيش بالمال الذي أجنيه. أمثالي من النساء اللائي يعملن يعانين من وضع صعب. فعندما لا تعجبنا الأموال التي نجنيها، يقومون بفصلنا. لا يمكنني أن أتوقع ما الذي سيحدث في المستقبل، لكنني أشعر بأن الحياة تزداد صعوبة في كل لحظة".

يقول معهد الإحصاء التركي إن 253 ألفا و640 شخصا هاجروا من تركيا في العام 2017، بزيادة نسبتها 42 في المئة عن السنة السابقة. ومن بين هؤلاء، ثمة 42 في المئة تتراوح أعمارهم بين 20 و34 عاما.

وقال الصحفي بولنت موماي في صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ (إف.إيه.زد) الألمانية: "على غرار ما حدث بالسفينة تيتانك التي كانت تغرق بينما واصلت الفرقة الموسيقية العزف، فإنه في الوقت الذي تنزلق فيه تركيا إلى كارثة بدأ أولئك الذين استشعروا الخطر في البحث عن ملاذ آمن لهم".

تظهر الإحصاءات الرسمية أن المدن التي هاجرت منها الغالبية هي إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا، وهي الأكثر ثراء وتأثرا بالطابع الغربي في البلاد.

وقال موماي: "بعبارة أخرى، (الناس في) المدن التي تتمتع عادة بأعلى مستويات الدخل والتصنيع والتعليم في تركيا شدوا رحالهم".

في الوقت نفسه، جرى اعتقال عشرات الآلاف في حملة واسعة على المعارضة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام 2016. واحتجز أكثر من 30 ألف شخص واتهموا باتهامات تتعلق بالإرهاب خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وفقا لما ذكرته وكالة أنباء الأناضول الرسمية.

وثمة ما يربو على 150 ألف شخص فصلوا من وظائفهم، من بينهم آلاف الأكاديميين والمعلمين المتهمين بأنهم على صلة بحركة غولن الإسلامية السرية التي تقول الحكومة إنها نفذت محاولة الانقلاب. وكثير منهم فروا إلى خارج البلاد.

وقال موماي: "بالطبع ما من أحد فوجئ برحيلهم. في الآونة الأخيرة، لخصت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كيفية سير العدالة في البلاد في عبارة واحدة. فقد صرحت بأن القرارات القضائية في تركيا لا يتخذها النظام القضائي نفسه، بل يتخذها الساسة".

وأضاف: "كيف لنا أن نغضب من أولئك الذين يرحلون في ضوء هذا الوضع؟ كيف يمكننا أن نحتفظ بهم هنا بدون ازدهار اقتصادي وديمقراطية وعدالة؟".

أوغور تشالشكان

إن الحملة القمعية والتغييرات المتكررة في المناهج الدراسية لجعلها أكثر توافقا مع رؤية الحزب الإسلامي الحاكم، مثل حظر تدريس نظرية التطور في المدارس الثانوية، كلها عوامل أثرت على التعليم.

يقول الطالب حسن البالغ من العمر 15 عاما: "لا أتلقى تدريبا كافيا في مدرستي الثانوية اكتسب منه ما يكفي لدراسة القانون. أحد أسباب ذلك هو التغيير المستمر للمناهج الدراسية وفصل المعلمين. فالمعلمون المعينون حديثا يحلون محل أشخاص كرسوا حياتهم لمهنتهم ويؤمنون بالعلم".

بحسب مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا، فإن هجرة العقول قد تكلف الاقتصاد نحو 230 مليار دولار.

وقالت أولاش سوناتا من جامعة بهجيشهر لوكالة بلومبرغ للأنباء: "عادة ما يسبب نزيف العقول مشكلات للبلاد التي تواجه هجرة إلى الخارج، وتتخذ الدول إجراءات للحيلولة دونه". لكن في تركيا، وفقا لسوناتا، "لا توجد مثل هذه الإجراءات في الوقت الحالي".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/struggling-economy-and-crackdown-boosts-turkish-brain-drain
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.