Tiny Url
http://tinyurl.com/y5abmrsa

نشر خطاب الكراهية وصناعة العدو من أجل التفرّد بالسلطة

يواصل النظام الحاكم في تركيا توسيع قاعدته الشعبية ورصّ صفوفها من خلال تبنّي خطابٍ يوجِّه كل صور التهديد لخصومه، ويشحن أنصاره بكل أشكال الكراهية والعداوة تجاه "الآخرين"، سواء من الزعماء السياسيين أو الناخبين.
هذا النظام، بقيادة أردوغان، لا يترك واردة ولا شاردة إلا ويستغلها في سبيل نسيان جماهيره المشحونة بالحماس، ولو مؤقتًا، الأوضاع المزرية التي تعيشها، والصعوبات التي تواجهها حتى في الحصول على لقمة العيش بحيث تدخل فراشها ليلاً وهي خاوية البطن في كثير من الأحيان. 
لقد دأب السياسيون منذ تأسيس تركيا الحديثة على خلْق أعداء في الداخل والخارج من أجل البقاء في السلطة والتستر على السياسات الفاشلة، كما شاهدنا ذلك في أثناء الانقلابات العسكرية الأربعة التي أسفرت عن إعدام سياسيين وشباب مدنيين ينتمون إلى شتى الاتجاهات الفكرية؛ إلى جانب انتشار الفوضى في الجامعات، وتصاعد الإرهاب، وممارسات التعذيب في السجون. 
الشيء الوحيد الذي لم يتغير قبل وبعد كل هذه الفترات المظلمة هو أزمة اقتصادية ثقيلة، وطوابير المنتظرين لشراء حاجات أساسية من المتاجر والمحلات، وانتشار السوق السوداء، والبطالة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع التضخم، وازدياد المحظورات والاضطهاد والأحكام العرفية وغيرها.
ومع أن الانقلاب المزعوم في 2016 لم يسبقه مما ذكرت أعلاه من صراعات وإرهاب واستقطاب مجتمعي، إلا أن العملية أو المرحلة التي بدأت بعد إفشال الانقلابيين تشابهت مع أحداث الانقلابات العسكرية المذكورة. إذ حوّلت السلطة السياسية التضامن الشعبي الذي تشكّل بعد الانقلاب إلى وسيلة لإعلان حالة الطوارئ وإطلاق حملات إقصاء وشيطنة واستقطاب، وإثارة الكراهية والعداوة بين أفراد المجتمع، في سبيل تحقيق أغراض سياسية عابرة. 
والاستراتيجية التي اتبعها أردوغان في هدم الديمقراطية وتأسيس نظامه الشخصي في البلاد تَمثَّل أساسًا في الخطابات التي أعلنت ممثلي المعارضة السياسية والمدنية "خونة" و"غير وطنيين"، والسياسات التي عمّقت الانقسام والاستقطاب الاجتماعي، لتصير لغة التهديد خلال وقت قصير العمود الفقري لسياسته الداخلية والخارجية معًا. 
حاول أردوغان، من خلال خطابه القائم على "بقاء تركيا أو زوالها"، إقناع الشعب بأن هناك "أعداء في الداخل والخارج" يخططون لتقسيم تركيا وإسقاطها في حال فوزهم بالانتخابات البلدية. ثم بدأ يجسّد هؤلاء الأعداء حين اتهم كل الأحزاب المعارضة –ما عدا حليفه الحركة القومية- بالإرهاب، وزعماءها بالتواطؤ مع التنظيمات الإرهابية للقضاء على على البلاد، ومن ثم أعقبت تلك الاتهامات تهديداتٌ بدفع الثمن والحبس الطويل.
وتفصيل ذلك أن أردوغان وجه تهديدًا لزعيمة حزب الصالح ميرال أكشينار قائلاً: "ستنتهي أيامك الجميلة، ولن يبقى مكان لتهربي إليه، وستخضعين للمحاكمة"، وقال لرئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو: "لا تثق بالحصانة البرلمانية التي تتمتع بها، فقد أمرنا المحامين برفع دعوى ضدك"، وهدد في اللقاءات الجماهيرية أن كل الأعداء، سواء في البرلمان أو وخارج تركيا، سيدفعون الثمن! بل قد أوصل الأمر إلى حدّ بحيث اتهم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد بـ"الكفر والإلحاد". 
توجهت السهام بعد ذلك نحو حزب السعادة، الذي يعد امتدادًا لحزب الرفاه، الذي انشق منه أردوغان وأسس حزبه العدالة والتنمية. حيث اتهم زعيمه تمل كرم الله أوغلو بـ"بيع الأمة"، و"التعاون مع حزب العمال الكردستاني"، ليدرجه أخيرًا في خانة "من سيدفعون الثمن" أيضًا. 
بمعنى أنه لم يسلم أي حزب في تركيا من تهمة الإرهاب والخيانة! 
سياسة التهديد لم تقتصر على تركيا، بل امتدت إلى الخارج كذلك عقب الهجوم الإرهابي على المسجدين في نيوزيلندا، حيث هدد أردوغان المسؤولين النويزيلنديين قائلاً: "إن لم تجعلوا المهاجم يدفع الثمن فإننا من سنجعله يدفع الثمن". ونظرًا لأن المهاجم كان أستراليًّا، فإنه وجه تهديدًا آخر إلى أستراليا أيضًا بقوله: "نحن هنا في تركيا منذ مائة عام، لقد أعَدْنا أجدادكم إلى بلادهم في النعوش، ولن يختلف الأمر إذا أتيتم أنتم!"
وانضمّ مؤخرًا كل من الرئيسين الأمريكي والإسرائيلي إلى قائمة الزعماء الأجنبيين الذين استهدفهم أردوغان، حيث لما قال دونالد ترامب بأن الوقت قد حان للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية هبّ أردوغان قائلاً: "لا يمكن أن نسمح لترامب بشرعنة الاحتلال الإسرائيلي للجولان." في حين أن بنيامين نتنياهو لما انتقد أردوغان بسبب حبسه الصحفيين رد عليه بقوله: "اللص الذي يحكم إسرائيل! أنت ظالم ظالم. وليس لك مثيل في العالم في الظلم والجور! وستخضع لمحاسبة دولية!"
أخذ الاتحاد الأوروبي كذلك نصيبه من تهديدات أردوغان، فقد وصفه قبل عدة أيام بـ"أعداء الإسلام"، وذلك عقب إصداره قرارًا بتعليق مفاوضات انضمام تركيا بعدما تجاوزت الخطوط الحمراء في انتهاكات حقوق الإنسان.  
لا شك أن السبب الحقيقي الذي يقف وراء لغة التهديد والوعيد هذه في داخل تركيا وخارجها هو رغبة أردوغان في إسدال ستار على انهيار الاقتصاد التركي بسرعة متزايدة يومًا بعد يوم، وتأجيل الإعلان عن الحقيقة إلى ما بعد الانتخابات المحلية. غير أن الأزمة تتفاقم أكثر كلما زاد هذا التوتر على المستوى المحلي والدولي، لكنه لا يولي أي اهتمام لذلك، فهمّه الوحيد هو السعي لضمان البقاء في السلطة.
وبعدما شهدت احتياطيات البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية انخفاضًا بنحو 7 مليارات دولار، خلال الأسبوعين الأخيرين لـ"أسباب غير معلومة"، وارتفع الدولار إلى 5.80 أمام الليرة، بعد أن كان في حدود 5.30 ليرة، فإن الحكومة التركية أعلنت فتح تحقيق حول بعض البنوك بتهمة "التلاعب في أسعار النقد الأجنبي" و"توجيه المواطنين من العملة المحلية إلى عملات أجنبية"، و"الإساءة إلى سمعة المؤسسات الاقتصادية التركية" وغيرها. 
ومن جهة أخرى، فتحت هيئة المنافسة تحقيقًا مع 24 من تجار الجملة للخضروات والفواكه في أنقرة وإسطنبول وأنطاليا، بعدما فتحت في وقت سابق مع 21 من سلاسل المتاجر والمحلات، وذلك بتهمة الاحتكار والتسبب في ارتفاع الأسعار، أو بتهمة "الإرهاب" على حد تعبير أردوغان!
بمعنى أن البنوك والشركات والمؤسسات الاقتصادية هي الأخرى أخذت نصيبها من سياسة التهديد والوعيد هذه.  
إن دلّ هذا المشهد في السياسة الداخلية والخارجية، وهذه المؤشرات الاقتصادية، على شيء، فإنما يدل على أن تركيا أصبحت مثل "طنجرة ضغط" يمكن أن تنفجر في أي لحظة. 
آمل أن يدرك من يمسكون بزمام الأمور هذه الحقيقة قبل خراب تركيا!

 يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط:   

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.