نظام أردوغان: أسرة حاكمة أم لاعب دوليّ؟

يزعم حزب العدالة والتنمية الحاكم أن تركيا، على عكس جميع دول العالم، بلد رائد على الصعيد الدولي في الكثير من المجالات ويشيد مشروعات عملاقة لم يسبق لها مثيل.

غير أن الأرقام الاقتصادية تخبرنا بشيء مغاير تماما.

فتركيا لا تختلف عن بلدان أخرى سياسة اقتصادية سيئة تحملها ما يفوق طاقتها.

والآن حان الوقت لتدفع تركيا ثمن ما فعلته على مدى السنوات العشر الماضية.

بانتصاره في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، حصل الرئيس رجب طيب أردوغان على سلطات لا سابق لها من شأنها طبع تركيا بصورته هو.

كما حصل أردوغان بفوزه الكبير على حق تعيين الحكومة التي تضم الكثير من الوزراء المنتمين لقطاع الأعمال لكنهم لا يحملون أي خبرات في مجال العمل الحكومي.

ولعل أكثر من عينهم الرئيس في الحكومة إثارة للجدل هو صهره بيرات البيرق، الذي عُهد إليه بقيادة الاقتصاد التركي في وقت تسعى فيه البلاد لعبور عنق زجاجة.

يرى كثيرون في تعيين البيرق سعيا من أردوغان لتعزيز سيطرته على الاقتصاد، وهو أمر أشار إليه بنفسه في مايو الماضي خلال مقابلة أجريت معه في لندن.

وحينها أثار تعهده بخفض أسعار الفائدة في البلاد، رغم ارتفاع التضخم ليصل إلى 15 بالمئة، الكثير من المخاوف والقلق في أسواق المال.

وللحد من أثر تعليقات أردوغان، اضطر محمد شيمشيك نائب رئيس الوزراء والمسؤول الاقتصادي السابق في مؤسسة ميريل لينش الائتمانية للسفر إلى لندن للقاء مستثمرين.

وبالإضافة إلى مساعي تحسين الصورة، تقرر رفع أسعار الفائدة بواقع 425 نقطة أساس.

ووعد شيمشيك المستثمرين بالعودة للثوابت الاقتصادية فور انتهاء الانتخابات، وقبِل المستثمرون ما قاله الوزير. لكن ما حصلوا عليه في مقابل ثقتهم في شيمشيك كان تنحيته من أجل تصعيد البيرق، ورؤية أردوغان يعود لرؤيته الأصلية للإدارة الاقتصادية.

وصفت صحيفة فاينانشيال تايمز البيرق البالغ من العمر 40 عاما بأنه "شخص صعب المِراس، ومتجبر، ولديه الكثير من الإعجاب بقدراته.. ويقدم نفسه بوصفه الشخص الذي يجري إعداده كولي للعهد."

غير أن متفائلين الآن يقولون إنه ما أن يلتقي مجتمع الاستثمار ويمسك بتلابيب الاقتصاد التركي، فسيتمكن من إقناع أردوغان بالتحول إلى تطبيق سياسات متشددة لأن ثقة الرئيس فيه تفوق بكثير ثقته في أي من أفراد دائرة المقربين منه.

إلّا أن هذا الافتراض قد يحمل الكثير من المخاطر، والأخطاء.

فبالنظر إلى ما سبق للبيرق قوله عن الأزمة الاقتصادية في تركيا، سنجده اكتفى بتبني وجهة نظر أردوغان بوجود "قوى خارجية تسعى للهجوم على الرئيس وإسقاط الدولة التركية."
ومن تعليقاته الأخرى أيضا:

"التحالف الساعي لرفع أسعار الفائدة يعمل من أجل زعزعة الاستقرار في البلاد. المطالب برفع أسعار الفائدة من أجل السيطرة على الليرة ليست سوى عملية تحاك من الخارج ضد تركيا."

وهناك من التعليقات غيرها الكثير.

خلال سنواته الثلاث في منصب وزير الطاقة، انشغل البيرق بمهام عمله ورفض الإدلاء بأي تعليقات عن مسار الاقتصاد التركي.

ورغم اصطفاف البيرق دائما في خانة أردوغان، بما يعني أنه ليس سوى وزير في الحكومة، فإن البعض في الأسواق تكهن منذ فترة طويلة بأنه في طريقه لشغل المنصب الاقتصادي الهام.

لكن مع اهتزاز الاقتصاد التركي بسبب هشاشة وضعه، لا يتوقع كثيرون للبيرق أن ينجح سريعا في إدارة شؤون وزارة الخزانة والمالية.

ويأتي هذا على حساب شيمشيك، الذي نجح في تهدئة المستثمرين وإدخال بعض الثوابت إلى السياسات المطبقة في كل مرة أظهر فيها الرئيس حقيقة نواياه حيال الاقتصاد.

لقد تغيرت الأحوال بانتصار أردوغان الانتخابي. وأظهرت تعييناته الوزارية يوم الاثنين الماضي أنه لن يضيع وقتا في فرض طريقته الخاصة على إدارة الاقتصاد التركي.

وهكذا لم يخشَ أردوغان هذا الأسبوع القول "في الفترة المقبلة، أعتقد أننا سنرى انخفاضا في أسعار الفائدة"، وإن صهره "سيقوم بالطبع بكل ما هو ضروري."

وفي سعيه لخفض أسعار الفائدة، طلب أردوغان كذلك من البنوك الخاصة في تركيا مساعدته في خفض تكاليف الفائدة.

وفي الوقت نفسه، لم يقدم أي إشارة إلى المبدأ المالي أو النقدي أو إلى إصلاحات تحتاجها تركيا بشدة.

لقد فضل الرئيس بالطبع الحديث عن المؤامرات بالقول "البعض يسعى لمحاولة تأليب الناس في تركيا."

وهذه كلمات يراها المستثمرون ابتعادا عن الواقع. والآن، ومن خلال صهره، يسيطر أردوغان بمفرده على الاقتصاد التركي.

ليس هناك أيّ تحرك من أردوغان إذاً، فهو يتحدث فقط. لكن الليرة لا تزال تهوي إلى مستويات غير مسبوقة، بوصولها إلى 4.98 أمام الدولار مقابل 4.5 قبل إعلان التعيينات الحكومية.

وكانت بيانات عجز الموازنة الصادرة في مايو الماضي أسوأ من المتوقع حيث أضافت المزيد إلى خسائر الليرة.

وقفزت كذلك عائدات أذون الخزانة أجل عشر سنوات وأجل سنتين، التي أصدرتها الحكومة، لمستويات قياسية لتصل إلى 18 و20 بالمئة على الترتيب.

على البيرق أن يثبت سريعا أنه سيتخذ ما يلزم من إجراءات لتحسين الأداء الاقتصادي. وإن لم يفعل فسيفقد مصداقيته إذ سيعاقبه المستثمرون بسرعة على كونه مجرد ظل لسياسات أردوغان.

إن المنهج الذي يطبقه البيرق سيكون عاملا حاسما في الفترة التي ستحتاجها تركيا قبل التوجه إلى صندوق النقد الدولي طلبا لمساعدة مالية جديدة. ولقد مرت عشر سنوات كاملة منذ نفذت تركيا آخر 19 برنامجا للإصلاح.

وبالإضافة إلى نقاط الضعف في الاقتصاد التركي، فإن الشركات التركية في طريقها بلا شك لإعادة هيكلة ديونها التي تتجاوز الآن 24 مليار دولار.

وبالتالي، فإن البنوك الحكومية تمتنع حاليا عن منح قروض جديدة مع تعرضها لضغوط هائلة.

يضاف إلى هذا أن احتياطي النقد الأجنبي المتوفر في البنك المركزي التركي لا يتجاوز 25 مليار دولار يفترض أن تحمي الاقتصاد في حال ساءت الأمور.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: