إيسار كاراكاش
مايو 04 2019

نظام أردوغان المذبذب بين المحورين الغربي والروسي

 

أركّز في الأشهر الأخيرة على قضية الضمير الاجتماعي، وأعتقد أنها لعبت دورًا ملحوظًا في نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة التي أسفرت عن خسارة الحزب الحاكم في تركيا كلاًّ من أنقرة وإسطنبول.
لقد شهدت تركيا في الأسبوع الماضي العديد من الأحداث "العادية"، أبرزها تلك اللكمة التي تعرض لها زعيم المعارضة كمال كليجدار أوغلو، وإعادة حبس الكُتّاب والمسؤولين السابقين من جريدة "جمهوريت". ولا شك أن إقدام السلطات على إطلاق سراح الشخص الذي وجّه اللكمة لكليجدار أوغلو بشرط الرقابة القضائية، في الوقت الذي وضعت فيه رسام الكاريكاتير موسى كارت خلف القضبان مرة أخرى، مثال جيد على نزيف الضمير الذي أتحدث عنه.
صحيح أن هاتين المعاملتين المختلفتين تسبِّبان نزيفًا في الضمير التركي، لكن إذا نظرتم إليهما من زاوية مختلفة فإنكم سترون أنهما تتمتّعان بتماسك داخلي للرؤية السياسية التي يتبناها الحزب الحاكم في القضايا الداخلية والخارجية. ففي عصرنا الحالي، سواء أطلقتم عليه "عصر العولمة" أو أيّ اسم آخر، ارتفعت الحواجز بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وأصبحت مجالاتهما متشابكة ومتداخلة بحيث لا يمكن الفصل بينهما بخطوط عريضة. ذلك أن سياستك الداخلية، أو بالأحرى، نوع البلد الذي تريد أن تعيش فيه، تحدِّد سياستك الخارجية أيضًا، وبطبيعة الحال، فإن السياسة الخارجية، التي تتبناها، تحدِّد كذلك سياستك الداخلية أو نوع البلد الذي ترغب بالعيش فيه.
لنفترض أن بلدًا يتبنى في سياسته المحلية حماية الحقوق والحريات الأساسية، في إطار الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مثل حرية التعبير، واقتصاد السوق المفتوح، وقانون المناقصات والمزايدات التنافسي؛ وفي الوقت ذاته، يموقع نفسه في المحور الروسي الصيني. فهذه الصورة تكشف عن تناقض وتنافر بين اختيارات السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، ولا يمكن حدوثها في العادة.
ينطبق الأمر نفسه على نقيض هذه الصورة أيضًا؛ فالبلد الذي يتوجه في سياسته الداخلية إلى وضع الكُتّاب ورسامي الكاريكاتير في السجن، والتحقيقِ مع آلاف الناس بسبب تغريداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدِ معايير محلية لحرية التعبير -بدلاً من العالمية-، وفي الوقت عينه يريد العمل مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومجلس أوروبا، يقع في تناقض فجّ، وهذا أيضًا غير ممكن حدوثه في العادة.
كما نرى أن السياسة الخارجية تتحدّد بالسياسة الداخلية الخاصة بالحقوق والحريات الأساسية ولا بديل عن ذلك أبدًا. ومن هنا، إذا نظرنا إلى ما يحدث في تركيا اليوم، على ضوء هذا الإطار العام، فإننا لن نواجه صعوبة في فهم المشهد الحالي وماهية العناصر المشكلة له. فلا غرو في شجار أردوغان مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي هوسه بشراء صواريخ أس - 400 الروسية التي لا تتطابق مع المنظومة الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، وكذلك إرساله الكُتّاب ورسامي الكاريكاتير القدامى في صحيفة جمهوريت إلى خلف القضبان.. فكل هذه تصرفات متماسكة للغاية.
يسعى أردوغان بخطوات متماسكة وواعية لإخراج تركيا من المحور الغربي الذي يتمتع بتماسك داخلي من النواحي القانونية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. لا يمكن إحصاء جميع تلك الخطوات، لكن أذكر منها -على سبيل المثال- امتناعه عن الإفراج عن زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي السابق صلاح الدين دميرطاش، رغم قرار الإفراج والتعويض الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛ وإصراره على على شراء الصواريخ الروسية غير المنسجمة مع منظومة الدفاع التابعة للناتو على الرغم من كل التحذيرات المنطقية في هذا الصدد.
لبّ القول: إن القضية تتجاوز بكثير حدود رغبة أردوغان بشراء صواريخ روسية لتصبح خيارًا يكشف الستار عن نمط السياسة الداخلية والخارجية الذي يفضّله. وهذا الخيار هو الذي يدفعه إلى تفضيل المحور الروسي على المحور الغربي، إن لم يغيّر موقفه إذا طرأت ظروف جديدة. ومع أن الشعب التركي لا يستوعب الموضوع بكل أبعاده، إلا أن الصحافة الأجنبية على دراية بالأمر، وتنقل الصورة بكاملها إلى متابعيها. لنقرأ مثلاً هذه السطور من صحيفة "موسكو تايمز" الروسية في خبرها بعنوان: "أردوغان رجل بوتين داخل الناتو":
"روسيا على وشك تحقيق انتصار كبير ضد الناتو وواشنطن بفضل أردوغان، فقد بات بإمكانها تدمير وحدة حلف شمال الأطلسي عبر إزالة دولة أساسية من شبكته العسكرية. وتم ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة أو نشر دبابة واحدة أو من دون مضايقة واحدة على الشبكة العنكبوتية. ويضاف إلى ذلك أنّ روسيا ستحصل على 2.5 مليار دولار مقابل جهدها ومن دون مواجهة أي عقوبة".
هل يمكن أن نجد تفسيرًا أوضح من ذلك حول موقف تركيا من صواريخ روسيا؟
تستمر الصحيفة قائلة: "لقد حاولت الولايات المتحدة وقف الاتفاق منذ أن وقعت عليه موسكو وأنقرة سنة 2017، عبر الإشارة إلى أنّ هذا النظام لا يتطابق مع أنظمة الناتو الدفاعية الجوية. لكن تبين في وقت لاحق أن صواريخ إس 400 يمكن مطابقتها مع صواريخ الناتو، وأن مقاتلات أف 35 الأميركية هي التي لا تتطابق مع صواريخ إس 400 الروسية، ما أدى إلى ظهور كارثة في العلاقات بين واشنطن وأنقرة بحيث لم تهدأ حدّتها حتى اللحظة. فقد دخلت تركيا والولايات المتحدة في شراكة ضمن اتحاد دولي ينتج مقاتلة أف 35 التي تطورها شركة "لوكهيد مارتن". من المتوقع أن تحصل أنقرة على أكثر من 100 مقاتلة أف 35 بحلول سنة 2023 كاستبدال لمقاتلات أف 16. كذلك، يتم إنشاء مركز صيانة محرك أف 35 في تركيا لخدمة المنطقة الأوروبية."
ثم تضيف الصحيفة قائلة: "كانت المشاركة في كامل البرنامج مع الولايات المتحدة ستعود على المجمع الصناعي التركي العسكري بـ12 مليار دولار، أي بما يفوق كلفة شراء المقاتلات الجديدة التي ستتراوح بين 9 و10 مليارات دولار. لقد استثمرت تركيا حتى اليوم 1.25 مليار دولار في مشروع أف 35. بالنسبة إلى واشنطن، خلقت مشاركة أنقرة فيه نظاماً قوياً من النفوذ الأميركي على سياسة تركيا. لكنّ شهر العسل قد ينتهي قريباً."
في حين أن النسخة التركية لموقع "سبوتنيك" الروسي نقل عن ألكسندر ميخييف، رئيس شركة "روس أوبورون إكسبورت" (Rosoboronexport) الروسية الحكومية للصناعات الدفاعية، قوله بأن روسيا مستعدة لإجراء محادثات مع تركيا حول الطائرات الحربية البديلة عن مقاتلات أف 35 الأميركية.
وكما يبدو أن رؤية الصحافة الروسية إلى قضية صواريخ أس 400 واضحة للغاية. وإذا نظرنا إلى القضية من حيث التطابق بين السياسة الداخلية والخارجية، فإنه من السهولة بمكان أن نتفهّم مبادرة نظام أردوغان الملحّة على شراء صواريخ روسيا إلى إعادة اعتقال مسؤولي وكتاب جمهوريت والإفراج عن المجرم الذي اعتدى على زعيم المعارضة.
أما "هل وقوف تركيا إلى جانب المحور الروسي بدلاً من المحور الغربي خطوة صائبة أم لا؟" فهذا موضوع آخر،  لكن  حلم شبابنا بالحصول على الجنسية الألمانية يعطي لنا فكرة عن مكانة وموقع تركيا في هذا العالم!
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/s-400-alimi-cumhuriyet-gazetesi-eski-yazarlari-alman-vatandasi-olma-hayalleri
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.