اومت كرداش
أبريل 27 2019

نظام التنكيل والتدمير والقتل

إن الأزمةَ الديمقراطيةَ والقانونيةَ التي خلقها نظام شكلته الدولة وأجهزتها الأيديولوجية وامتداداتها المدينة عبر ثقافة التنكيل والتدمير والقتل أساسُ تعذر حل جميع مشكلات تركيا. وأحد أجهزة هذا النظام وسائل الإعلام المبررة للعنف والمحرضة عليه.

ورث النظام الجمهوري الشاب سياسات فرض التجانس العرقي والديني أواخر الإمبراطورية العثمانية (1913-1915)، فأسس نظامًا استبداديًا فرديًا، عجز عن احتضان المجتمع متعدد الأعرق واللغات والثقافات والأديان والمذاهب. فمنع التَّزمت الأيديولوجي الفردي التحول إلى الديمقراطية.

تشتت الإمبراطورية مع بناء الدولة القومية عبر الهوية الإثنية والدينية فحاول مغتصبو السلطة بناء الدولة الشعب على هوية عرقية- دينية واحدة.

استخدم مفهوم الدولة-الشعب حيث تمت هذه العملية عبر خلق شعب بالاستيعاب والتطهير العرقي لصالح هوية واحدة.

أوائل القرن العشرين، حيث نهاية الإمبراطورية، رُسمت الحدود العرقية بتطبيق الهندسة العرقية لجمعية الاتحاد والترقي.

مُورست سياسة التنكيل والتدمير والقتل، وتطهير السواحل من اليونانيين والأناضول من الأرمن. بدأت مرحلة فارقة بالنسبة للدولة باستيلاء جمعية الاتحاد والترقي المقدونية الأصل على السلطة بانقلاب 1913.

بعد العمليات العرقية ضد غير المسلمين أصبح الاستيعاب مشروع الاتحاديين بالنسبة للأكراد. وعزز فكرة الاستيعاب كون الأكراد مسلمين. فخطط الاتحاديون لسياسات التتريك بتدمير غير المسلمين وتهجيرهم، واستيعاب الأكراد.

ونفذ هذا المشروع السياسي الاتحادي حتى اليوم كمشروع للجمهورية. وفكرته وممارسته الأساسية جمع كل العناصر المسلمة أيًّا كانت هويتها تحت هوية تركية واحدة، والسيطرة على الإسلام السني الذي يشكل الأغلبية، وجعلها عنصرًا مكملًا للهوية التركية.

ونتيجة لهذه السياسة قُضي على البنية التحتية للعلويين، واستُهدف جعلهم داعمين لهذه الهوية الواحدة عبر استيعابهم.

واعتبر غير المسلمين المُصرِّحين بهوياتهم، والمؤثرين في الحياة الاقتصادية بدرجة مهمة عناصرَ أجنبية يجب تجريدها من أموالها وتهميشها، وتطورت الممارسات بتتريك السوق الاقتصادي.

فلم يطبق قانون الإسكان(1934) على الأكراد فحسب، بل هُجِّر الأرمن من وسط الأناضول، واليهود من "تراقيه" قسرًا. وكان الهدف الاستيعاب كما يُفهم من مادته الحادية عشرة.

وبينما استمر سحق غير المسلمين وإجبارهم على الانصهار بحملات "أيها المواطن تحدث التركية" طبقت المنظمات المحلية لحزب الشعب الجمهوري المذابح بشأن يهود تراقيه عام 1934؛ فقتلت الجماهيرُ المُحرضة الناسَ، واغتصبتهم، وحرقت الكنائس والحوانيت.

واضطر بعض غير المسلمين لإخفاء هوياتهم لأسباب معيشية صعبة، فعاشوا حياة مأساوية.

وبقانون ضريبة الثروة المطبق في 1 نوفمبر 1942 صُودرت ثروات التجار الأرمن واليونانيين واليهود، واتُّجِهَ للقضاء عليهم اقتصاديًا. وأُرسل العاجزون عن دفع الضرائب إلى معسكر الاعتقال ب"عشكالة". وطبقت سياسة تدمير الأقليات اقتصاديًا كتقنية حربية خاصة تزامنًا مع حملة عنصرية، وسهلها العلاقات الوثيقة مع الحكومة الألمانية النازية.

وفي مؤتمر مغلق لمجموعة الشعب الجمهوري الحزبية قال "سراج أوغلو" رئيس الوزراء ما يكشف العقلية السائدة حتى اليوم "هذا قانون ثورة. أمامنا فرصة تمنحنا استقلالنا الاقتصادي. نسلم السوق التركي للأتراك بالقضاء على الأجانب المسيطرين عليه."

وبإعلان صحيفة "إكسبريس" تفجير منزل ميلاد أتاتورك بـ"سلانيك" بأسلوب تحريضي ارتكب المُستَفَزون في 6-7 سبتمبر 1955 أعمال قتل واغتصاب وتدمير ونهب ضد أحياء يعيش بها اليونانيون خاصة، بينما اتضح لاحقًا أن ذلك التفجير كان من تدبير الدولة.

وتم تخريب ونهب حوراء، وكنيس، و73 كنيسةً، وآلاف منازل وحوانيت الأقليات. وبنهاية الأحداث غادر البلاد 70 ألف مواطن يوناني. وهكذا بدأ تتريك السوق الاقتصادي بتحريره من غير المسلمين.

وصادرت البرجوازية التجارية المسؤولة أخلاقيًا عن هذا عقارات هؤلاء.

ومعاملة بالمثل ألغت حكومة "إينونو" من جانبها اتفاقية الإقامة والتجارة وسيريسيفان المؤرخة 1930 إثر تزايد التوتر بين الأتراك القبارصة واليونانيين عام 1964 فطردت اليونانيين من البلاد.

صُودرت عقارات ومدخرات اليونانيين بالبنوك التركية وسمح للمنفييِّن بأخذ حقيبة و200 ليرة فقط.

ونفي المُسنون والمعاقون والمرضى، واضطر القبارصة الأتراك ممن لهم قرابة بالمنفيين إلى مغادرة البلاد.

سُلبت ممتلكات أوقاف الأقليات غير المسلمة بتفسير غير قانوني بموجب حيثيات قرار الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف العليا بتاريخ 1974.5.8.

وباعتبار محكمة الاستئناف مواطني الجمهورية التركية غير المسلمين أجانبَ خلقت تمييزًا أساسه العرق، فأخضعتهم للتنكيل رمزيًا.

بالنسبة للأكراد استمرت العملية البادئة في "كوجغيري" عام 1921 مع ثورة الشيخ سعيد 1925، وثورة "آغري" 1930، وتفاقمت مع مذبحة "درسيم" 1937-1938. ومورست سياسات الاستيعاب القائمة على العنف والقمع ضد كلٍّ من السُّنة والعلويين. وتفاقمت اعتبارًا من 1980، ومن أمثلتها التعذيب في مراكز الاحتجاز وسجون ديار بكر، والإعدامات غير القانونية، وإجلاء القرى وحرقها.

وحاليًا اعتٌقل السياسيون الأكراد ومُنعوا ممارسة السياسة وخاصة "دميرطاش" و"يوكسك طاغ" الرئيسين المشاركين السابقين للشعوب الديمقراطي. وراح سكان المنطقة ضحية بين قوات حزب العمال الكردستاني والدولة، وقُمعت الأمهات الكرديات الباحثات عن حقوقهن.

ودُفع العلويون للاندماج بالشكل نفسه إزاء الأيديولوجية الفردية الاستيعابية ذات الدين والمذهب الواحد. وبموجب القانون الصادر في 30 نوفمبر 1925 أُغلقت التكايا والزوايا والأضرحة وحُظرت الألقاب الدينية فصار العلويون الأكثر تضررًا وكانوا الأسعد بإعلان الجمهورية وبإلغاء الخلافة.

وأُغلقت تكية "حاجي بكتاش ولي" أقدم تكايا العلويين، وافتتحت كمتحف عام 1964 دون أن تُمنح لهم.

وتأسست رئاسة الشؤون الدينية لإضفاء الطابع الرسمي على العقيدة الإسلامية السُّنية. فحُددت مناطق ممارسة العلويين لمعتقداتهم محاولة لدمجهم في السُّنة؛ فعانى العلويون الأكراد استيعابًا ثنائيًا.

وكانت أماكن عبادة الغالبية السُّنية تخضع لرقابة وسيطرة الدولة. وقدر السنة هذا التمييز دون اهتمام بأضراره؛ فلم يعترضوا على سياسة تحويل العلويين إلى سنة.

واصل النظام أيديولوجيته الفردية بتقسيم السُّنة والعلويين وتسليطهم على بعض، وباسم العلمانية فرضت الدولة في الجمهورية أيضًا سيطرتها على الدين. ولا ريب أن نظامًا هكذا ستكون له سياسات قائمة على العنف والشدة مثلما فعل الاتحاديون تمامًا.

انتقل إلى الجمهورية تقليدُ الاتحاديين "التشكيلاتُ الخاصة" الذي مارس عبر عصابات سرية العنف وتصفية الأقليات التي يعتبرها خطرًا.

فكان من المحتم أن يتكون نموذج فاشي هكذا. ويستحيل أن يمهد لبنية سياسية قانونية تعددية، وديمقراطية حقيقية ودولة قانون.

مارس النظام العنف السياسي ضد كتابه ومثقفيه أيضًا مثل: صباح الدين علي، وناظم حكمت، وأورخان كمال، وموسى عنتر، وهرانت دينك...

وحدثت مذابح كثيرة قبل الانقلاب العسكري 1980 وخاصة فترة حكومات الجبهة القومية، مثل: إطلاق النار على المجتمعين بـ"تقسيم" (1 مايو 1977)، والقتل بوحشية لـ7طلاب أعضاء بحزب العمال التركي (9 أكتوبر 1978)، ومذابح "مرعش" 1978 و"جوروم" 1980 للقضاء على العلويين. والتحريض على إحراق فندق "ماديماك" بسيواس 2 يوليو 1993؛ حيث قتل 33 كاتبًا ومفكرًا وشاعرًا معظمهم علويون، وهذا ممارسة ملموسة لثقافة النظام في القتل والتنكيل.

أحمد كايا لتصريحه في حفل بتاريخ 10 فبراير 1999 رغبته في استخدام الكردية عانى الإيذاء فاضطر إلى مغادرة البلاد ليموت بباريس بأزمة قلبية 16 نوفمبر 2000. وعُوقب بالسجن المؤبد محمد وأحمد ألطان ونازلي إيليجاك بسبب كتاباتهم.

وما حدث للشباب اليساري بطرابزون، والمدافعين عن حقوق المرأة في شارع الاستقلال، وأمهات السبت، ومباني الشعب الجمهوري، وحقوق المثليين...

وما حدث لـ"كليجدار أوغلو" مؤخرًا مثال نموذجي على ثقافة النظام في سحق المعارضين، ومدى سوء الوضع كشف عنه كلام خلوصي أكار وزير الدفاع الوطني وتصريح دولت بهجلي في محاولة لتهدئة الأحداث.

وبحسب فرويد بنية القائد أهم العناصر الموحدة للجموع، لذلك ينبغي للقادة السياسيين التنبه لخطاباتهم والامتناع عن التصريحات التحريضية لأنصارهم ضد معارضيهم؛ فلا مفر من استقطاب حاد في الثقافات والمجتمعات القائمة سياسيًا على التمييز بين الصديق والعدو؛ حيث المناصرون للسلطة يقدسونها ويمارسون العنف لأجلها فيستحيل السلام.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/toplum/linc-imha-ve-tenkil-rejimi&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.