Nesrin Nas
فبراير 15 2018

نظرة في أحوال الاقتصاد التركي في ظل الازمات الحالية المتفاقمة


منذ فترة كنا نصرخ بكل كلمة نقولها، وفي كل خطوة نقوم بها، بأننا لا نريد أن نكون جزءا من العالم المعاصر ، وأن المعايير العالمية لا تلزمنا.
ولكن تشكيل الروبوت ... وإبعاد الروبوت عن المسرح قائلين لقد قطع كلمة الوزير عندما كان يتم الاحتفال "بيوم الإنترنت الآمن" ... ليس "آمن"، ولكن خضوع البث عبر الإنترنت للرقابة الصارمة بواسطة المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون، لجعل الإنترنت "آمن".
كل ذلك في اليوم الذي أطلق فيه "إلون موسك" أكبر وأقوى صاروخ في العالم من قاعدة كينيدي الفضائية، وعادت ثلاثة من الصواريخ التي تم استخدامها في الإطلاق، بنجاح إلى الارض ...
ماذا يُكْتَب عن "مستقبل" الاقتصاد في مثل هذه البيئة؟ .. من الواضح أنه ليست هناك أهمية أبدا لمستقبلنا المشترك كمجتمع تركي...
وفي الواقع فإن تركيا منذ فترة طويلة، قد سجنت اقتصادها في أمد قصير للغاية، وتركت قدرها لرغبة السوق في المخاطرة.
وتتمثل أولوية الإدارة الاقتصادية في خلق تصور خال من الأزمات، وأولوية الشعب تتمثل أيضا في إمكانية التخلص من هذا الخطر الذي يقذف كل شخص من مكان إلى آخر، من الاقتصاد إلى العدالة، ومن الأمن الداخلي إلى السياسة الخارجية، بأقل خسارة. 
لقد غطت عملية عفرين على جميع المشاكل من الاقتصاد إلى العدالة، بغطاء سميك.
بل إن الشجاعة هي محاولة تحليل آثار هذه العملية على الاقتصاد، في بيئة تكون فيها الحرب مباركة بالفعل، وعلم النفس الجماعي مؤيد تماما للحرب.
هناك الآن ظروف غير عادية، حيث تهيمن معركة مستمرة على البلاد، ورئيس الجمهورية وبهجتلي الشريك في السلطة يعلنان أن أولئك الذين لا يفكرون مثلهم كل يوم يعدون أعداءا، وانقلابيين، وخائنين للوطن.
لا أحد يهتم بخطر كسر خطوط الصدع الاجتماعية لسياسة الحرب الشعبوية في أي لحظة، وحرقة الغضب تسكت صوت العقل، وكما قال عطيل "الغضب في الكلمات التي فهمتها، وليس في كلماته!"
وقد أصبح معدل التضخم يتكون من رقمين في الوقت الحاضر، في الوقت الذي نصارع فيه "مشكلة البقاء"، بفضل الأعداء الخارجيين الذين يحولون أطرافنا الأربعة وفقا للقوة، والأعداء الداخليين الذين يحاولون انتقاد السلطة.
 نحن نستخدم أغلى بنزين العالم، وتنفق نقود كثيرة من الميزانية على الأنفاق والجسور المضمون عبورها.
وانخفضت مبيعات المساكن، والبنوك الآن تتصرف بشكلٍ حذر جدا، ولا تريد أن تعطي قروضا جديدة، ولا أحد يريد استخدام القروض أيضا، وأصبح من الصعب جدا توفير البنوك لمصدر أموال من الخارج أيضا.
ها! وفي الوقت نفسه، تضاعف عجز التجارة الخارجية في شهر يناير ... وقد بلغ رصيد الخزينة النقدية، الذي أعطى فائضا قدره 9,5 مليار ليرة تركية في يناير من العام الماضي، عجزا قدره 1,5 مليار ليرة تركية في نفس الفترة من هذا العام ...
كل ذلك لا يهم أشخاصا كثيرين.
وهناك أيضا أسواق ما شاء الله عليها، هم من ناحية يقولون: "لن يكون من السهل إدارة الأمور المبهمة، وسيكون 2018 عاما صعبا من جميع النواحي، ويجب الانتقال إلى التطبيع في أقرب وقت ممكن".
ولكن من ناحية أخرى يهاجمون كل وسيلة استثمارية يجدونها، وكأنهم يبررون عبارة ماير روتشيلد " اشتري الأسهم إذا كان الدم في الشوارع".
ولكننا ندخل في أزمة هستيريا مع كل خبر يأتي من الخارج، وعلى سبيل المثال من أسواق الولايات المتحدة الامريكية، وينمو الذعر كثيرا لدرجة أنهم يعرفون أنهم سيواجهون حتما ذات يوم الوجه البارد للحقيقة.
وفي الحقيقة فإن مؤشرات التضخم الأساسية في تركيا في أسوأ مستوى، استنادا إلى مؤشر التضخم في عام 2003، والتضخم الأساسي الذي سيؤثر بشكل واضح على الاسعار في المستقبل، با انه الأسوأ في السنوات الخمس عشرة الماضية...
لا أعرف هل ندرك ذلك، ولكن الاقتصاد العالمي قد مر بمرحلة جديدة أيضا، وانتهى الانكماش، واستؤنفت دورة النمو، وصار تسارعها عاليا جدا أيضا، وها هو التضخم يعود لحاله مرة أخرى، ويتعين على أسعار السندات أن تواكب ذلك.
من جانب آخر يتطلب حساب النقد الأجنبي ضغطا لتقليص الميزانية، وسوف يضغط المكابح عاجلا أم آجلا، وسيؤثر ذلك تأثيرا عميقا على سوق السندات.
أما البنك المركزي الأوروبي فهو متردد في الخروج من سياسة الفائدة القديمة، ولكنه لا يمكن أن يتحمل الضغط بشكل أكثر، لإنهاء سياسة التوسع النقدي.
وأخيرا، سينعكس التضخم المتراجع في الاقتصاد العالمي على أسعار سندات الأسهم إلى جانب مخاطر المدة، كما سترتفع الفائدة على القروض بالدولار واليورو، وفي هذه الحالة يبدو من الصعب جدا على البنوك والشركات التركية العثور على مصادر خارجية جديدة، ومع ذلك فإننا كنا قد اعتدنا بشكلٍ سيء على بركات المدخرات الأجنبية في السنوات الخمس عشرة الماضية.
ووفقا لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، فإن زيادة القروض التي حصلت عليها الشركات في تركيا في عشر سنوات، قد استأثرت بالرقم القياسي لجميع البلدان النامية باستثناء الصين.
وقد وصلت ديون القطاع الحقيقي في تركيا في السنوات العشر الأخيرة إلى 33,6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، والمشكلة هي أن هذه الديون هي في الغالب بالعملة الأجنبية، لدرجة أن العجز في العملة الصعبة لدى الشركات قد ارتفع إلى 212 مليار دولار في عام 2017.
وإذا قرأنا الآن هذه الجدول مع التطورات في الاقتصاد العالمي، فإننا سنرى بشكلٍ أفضل، مدى ارتفاع مخاطرنا الممنهجة.
وبطبيعة الحال، فإننا نواصل من حيث نبقى مناقشات تخفيضات أسعار الفائدة، بينما نغلق أعيننا على كل هذا، فضلا عن أن القيام بعملية عبر الحدود تكون مكلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
نفعل ذلك لأننا لا نعرف الضغط الذي سوف تحدثه هذه المناقشات على سعر الصرف، ولا يبدو إننا نهتم كثيرا بالخسائر التي ستتعرض لها الشركات والبنوك مع ارتفاع أسعار الصرف.
وفي الوقت نفسه، فإن الانخفاض في التدفقات الرأسمالية الدولية الصافية لا يمكن تجاهله أيضا، ومما لا شك فيه أن النتيجة الواضحة لتجاوز حدود النظام القانوني العالمي تماما، بواسطة نظام حالة الطوارئ المستمر، هي الانخفاض في الاستثمار الدولي الصافي.
وتشير الأرقام إلى أن صافي تدفقات الاستثمار المباشر الدولي قد انخفض بنسبة 16,9 في المائة خلال الأشهر العشرة من يناير إلى أكتوبر 2017، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وعلى الرغم من أن الدراسات التي أجريت، تثبت أن مطالبة الناس في تركيا بدولة ديمقراطية تحترم القانون والحقوق والحريات الأساسية لم تكن قوية جدا، فإن الناس الذين يعيشون على هذه الأرض سوف يفهمون عاجلا أو آجلا، أن أعمالهم التي يقومون بها، وطعامهم الذي سوف يضعونه على الطاولة، وإبقاء الأطفال على قيد الحياة، من الممكن أن يكون عن طريق العيش في دولة قانون، ديمقراطية. 
وفي الواقع فإن تكلفة الانزلاق إلى ترتيب فرعي في الاهتمام بسيادة القانون تنعكس الآن بوضوح على جميع المؤشرات الاقتصادية.
ووفقا للتقرير الأخير لمشروع العدالة العالمية، فإننا في المرتبة 101 بين 113 بلدا من ناحية الاهتمام بسيادة القانون في 113 بلدا.
لقد كنا في المركز الـــ 99 في العام الماضي، وكلما تراجعنا في الترتيب، تقل الاستثمارات الدولية...
وكانت فئة "القيود المفروضة على السلطات الحكومية" هي أسوأ فئة أشرنا إليها ... وفي هذه الفئة، يمكن أن نجد مكانا في المركز 111 بين 113 بلدا، قبل زيمبابوي وفنزويلا.
وبعبارة أخرى، فإن المستثمرين الدوليين لا يفكرون مثلنا ... فهم لا يرون أن وجود سلطة قوية، وغير خاضعة للمساءلة، آمن لبيئة الاستثمار، وعلى العكس من ذلك فإنهم يجدون أن بيئة الاستثمار محفوفة بالمخاطر.
ومن السذاجة أن نتوقع أن يتحسن الاقتصاد في بلد في أدنى مرتبة من ناحية الاهتمام بسيادة القانون.
إنه من السهل تشكيل الروبوت سانبوت... ولكن تشكيل مجتمع اقتصاده ينهار ... هذا هو الأمر الصعب!

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط