دوا أولاش أرالب
نوفمبر 17 2017

نظرة في احتمالات تحقيق السلام الكردي في تركيا

يجب أن تخضع جميع عمليات السلام إلى تقييمات دورية بين الحين والآخر حتى لو بدا من الخارج أنها مستقرة ولايعكر صفو العلاقات أي شئ.  
حيث استمرت محاولات تركيا الأخيرة، لإيجاد حل للصراع الكردي القديم الذى استمر لعقود، قرابة العامين ونصف العام. وتوقفت المفاوضات السرية بين زعيم حزب العمال الكردستاني المُعتقل عبد الله أوغلان والوكالة الأمنية الوطنية التركية فجأة عندما قرر الرئيس رجب طيب أردوغان وقفها بعد أن خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم الأغلبية المطلقة في البرلمان في الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2015.

وبحلول منتصف يوليو، شنت القوات المسلحة التركية عمليات عسكرية ضد أهداف حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا، التي قوبلت بالمثل من قبل الطرف الأخير.

وقد أدى زهق أرواح المئات من المدنيين في هجمات القنابل التي استهدفت المراكز الحضرية المزدحمة في تركيا وكذلك اغتيالات ضباط الشرطة والعسكريين إلى تعكير صفو المزاج العام.

وكنتيجة لذلك صوتت الأغلبية لتشكيل ائتلاف وطني جديد من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات نوفمبر 2015. وفي الوقت نفسه عملت الانتهاكات الجسيمة، والتي أقرتها جمعيات حقوق الإنسان، التي مارستها قوات الأمن في عدد من المدن الكردية ضد المدنيين من عزل الشباب الأكراد المتطرفين عن بقية المجتمع التركي.
فضلا عن ذلك، أدت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 وما أعقب ذلك من فرض حالة الطوارئ إلى تلاشي الحكم الديمقراطي في تركيا بشكل تدريجي. وخير مثال على ذلك حملة الاعتقالات الواسعة التي احتجزت فيها الحكومة التركية عدداً من السياسيين الأكراد، والصحافيين والأكاديميين المؤيدين للسلام في سجون تركيا بتهمة الخيانة.

ومع ذلك بدا أن تركيا تشهد استقراراً ولو بنسبة ضئيلة ولا سيما بعد أن عزز أردوغان سلطته السياسية في استفتاء أبريل الماضي. ومع ذلك، حالة التوجس ما زالت مستمرة لدى النظام السياسي في تركيا الذي سلط الضوء على المنحى الاستبدادي الذي يتجه إليه الرئيس التركي منذ استفتاء التعديل الدستوري، والذي  نقل البلاد من نظام حكم برلماني إلى نظام رئاسي، متجاهلاً البرلمان مع الاعتراف فقط بالدور الشرفي للسلطة القضائية، الذين اختار أردوغان معظم قضاتها.  

ولكن عاجلا أو آجلا ستضطر تركيا إلى إعادة النظر في عملية السلام الكردية التركية، ولا سيما أن هناك ثلاث عناصر في هذه العملية تستحق المراجعة وإعادة التدقيق وهم؛ التوقيت، والأطراف الوسيطة وشفافية العملية نفسها.
فحالة الطوارئ المفروضة في تركيا لن تدوم طويلاً. وفي ضوء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجرائها في 2019، يسعى أردوغان إلى تنفيذ خطته وهي مواصلة التحالف مع القوميين ورفع حالة الطوارئ في نهاية المطاف بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية.

وحتى ذلك الحين، لن تهتم حكومة أردوغان بإحياء عملية السلام. ويدرك أعضاء البرلمان من الأكراد في حزب العدالة والتنمية الحاكم جيداً أن تحالف أردوغان مع القوميين سيبقى كما هو في أحسن أحواله إلى أن يتم إدخال التعديلات الدستورية بشكل كامل ويبدأ نظام جديد بحلول نهاية عام 2019.

ويحافظ أردوغان ومستشاريه في المجمع الرئاسي على اتصالاتهم ببعض الشخصيات السياسية الكردية البارزة. حيث من الواضح أن أردوغان يأمل في التفاوض على اتفاق سلام بشروطه الخاصة في عام 2020. ومع ذلك، قد لا يكون هذا هو الحال وفقاً لنسبة 13 بالمئة في استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها "حزب الشعوب الديمقراطي" المؤيد للأكراد على الرغم من الضغوط السياسية التي يتعرض لها. كما أن التفاوض مع "حزب الشعوب الديمقراطي" ستكون تجربة فريدة من نوعها بدلاً من إجراء المفاوضات السرية مع أوغلان المُعتقل.
وستحتاج المفاوضات من أجل اتفاق سلام جديد إلى تدخل بعض الأطراف الثالثة التي ستعمل كوسيط، ولاسيما أن هناك شائعات يتم تداولها بأن بعض الحكومات الأوروبية عرضت التدخل إذا طلبت الأطراف المعنية الوساطة.

وقد تحدث مسؤولو حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي سابقاً عن مدى أهمية وساطة طرف ثالث قوي في إعادة حقن الثقة في العملية مرة أخرى، لكن الحكومة التركية تنفي رسمياً أي تواصل من جهتها.

وبالنظر إلى الفوضى التي تشوب السياسة التركية الخارجية في الوقت الحالي، نرى أن الولايات المتحدة أو روسيا قد تلعبان دوراً بناءاً في بناء الثقة بين الحزبين. وقد تبدو الوساطة الأميركية غير واقعية هنا بالنظر إلى علاقات تركيا المتوترة حالياً مع واشنطن. لكن الكثيرين في واشنطن يرون أن الولايات المتحدة وحدها هي التي ستستطيع إقناع حزب العمال الكردستاني بوقف النزاع ونزع السلاح في تركيا مقابل ضمان تأمين الحكم الذاتي المستقل لهم في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد بشمال سوريا.
قد تبدو هذه صفقة معقدة بعض الشئ، ولكن الولايات المتحدة لديها مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تساعد في عقد هذه الصفقة.

أما الوسيط المقترح الآخر فهي روسيا، وخاصة بعد أن أعادت تركيا توجيه سياستها الخارجية في سوريا بما يتفق مع الوجود الروسي في المنطقة وأيضاً بعد أن سعت إلى التعاون مع روسيا في القطاعات الاستراتيجية مثل صناعات الطاقة والدفاع. ولكن من الناحية الأخرى، ترتبط روسيا تاريخياً بعلاقات وثيقة مع قيادة حزب العمال الكردستاني والقوات الكردية السورية. إذن فلن يكون من المفاجئ أن نسمع قريبا باقتراح بوتين للعب دور الوسيط بمجرد أن تسمح له الفرصة بذلك.

الافتقار إلى الشفافية وعدم القدرة على اتباع جدول زمني بأهداف محددة هما من أهم أوجه القصور التي أدت إلى فشل عملية السلام السابقة. أما بالنسبة لعملية السلام الجديدة، فإنه سيتعين على الأطراف المعنية إخضاعها للرقابة البرلمانية واتباع الشفافية بين الحزبين من أجل مناقشة تفاصيل كيفية نزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة الإدماج، فضلاً عن اتباع قوانين المصالحة من أجل منح العفو الكامل لمن يقرون علناً بجرائمهم ضد المدنيين. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تساعد في إعادة بناء الثقة بين الضحايا والجناة.
وتشير هذه التنبؤات إلى أن أنقرة ستنظر في إعادة إطلاق محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني بعد فوز أردوغان المحتمل بانتخابات عام 2019. ومع ذلك، إذا استمر أردوغان في التمسك بلهجته الحادة وردود أفعاله القاتلة، فإن عواقب ذلك ستكون وخيمة حتماً على تركيا أثناء مفاوضات عملية السلام الجديدة.  

يمكن قراءة هذا المقال بالانكليزي ايضا: