يحيى مدرا
مارس 07 2018

نظرة في مشاريع أردوغان للقطاعات العسكرية والصناعية والطاقة

يوجد في قلب الاقتصاد السياسي التركي تحالف متجانس ومتعارض بين الدولة والمال. تنظم هاتان المؤسستان وبدرجات متفاوتة للنفوذ والمشاركة تحالفا حول الصناعات الثلاث الرئيسية وهي التشييد والطاقة والتسليح.
ويجدر البحث عن سبب محورية هذه الصناعات بالذات دون غيرها، وما هي المتناقضات الجديدة التي تستحدثها لصالح التحالف بين الدولة والمال.
التشييد مجال للاستثمار وتوفير الوظائف وقناة لتجميع الأموال. ويعتمد الرئيس رجب طيب أردوغان على المال في استنساخ النمو في قطاع الانشاءات. وفي الجزء المرتبط بالإسكان داخل القطاع تخدم الأموال كلا من شركات التشييد والأسر الساعية إلى شراء منازل عبر الرهون العقارية.
في البنية التحتية، يصبح التحالف بين المال والدولة أكثر وضوحا. وهنا، ليست الدولة مجرد الوكالة التي تستحدث المشروعات مثل الجسور والمطارات والأنفاق والطرق السريعة والاستادات والمستشفيات الرئيسية وغيرها- بل هي أيضا المؤسسة التي تقدم ضمانات خزانة لاتحادات الشركات ومنها بعض الضمانات لمشروعات ضخمة لا تبشر بنجاح مقابل إيرادات مضمونة عن الحد الأدنى لعدد من السنوات.
اعتماد النمو على استمرار تدفق رأس المال يجعل الاقتصاد التركي أكثر عرضة للتأثر بمخاطر تقلبات العملة. ومع تزايد المخاطر السياسية، لم تتوقف الأموال عن التدفق لكنها تدخل من أجل أدوات قصيرة الأجل ومن أجل علاوة مخاطرة أكبر. وهنا يتدهور التحالف بين الدولة والمال.
ويمكن تحديد آلية مختلفة في قطاع الطاقة. وهنا المشكلة هي أن العجز التجاري وواردات الطاقة هما المحرك الرئيسي. تدفع الدولة باتجاه سياسة عدائية وغير منطقية في بعض الأحيان لاستخراج واستغلال الموارد المحلية للوقود الحفري والطاقة الكهرومائية.
في الواقع، في بعض مشروعات إقامة محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية يبدو الهدف هو خلق منفذ لشركات المقاولات للقيام باستثمارات أكثر منه حل للعجز في الطاقة.

إذا فكر المرء في حقيقة أنه يوجد نفط وغاز في أذربيجان وإيران والعراق وسوريا والآن قبالة سواحل قبرص، فإن العجز في قطاع الطاقة التركي يعاني من التحالف "التحرري" الذي شكله أردوغان من قاعدته السنية المحافظة والقوميين المتطرفين.
لكن حتى إن لم يكن لدى تركيا نفطها وغازها الخاص، لا يزال يوجد مال سيجري ضخه عبر أنابيب  النفط والموانئ والمصافي. وبالنظر إلى موقعها الاستراتيجي بين أوروبا وهي ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم ومنطقة القوقاز وحوض الطاقة الغربي الآسيوي لا يزال توجد فرص استثمارية جذابة في هذا القطاع.
لكن هذه الفرص بسبب انغراسها الكامل في المنشأ الجيوسياسي العالمي لحروب الموارد، فإنه لا يمكن ادراكها إلا بواسطة فاعلين أشبه بدول كاملة يقدرون على تعبئة آلية الحرب وبسط سيادتهم إلى ما وراء أراضيهم وتوفير ضمانات للأموال كي يتمكنون من تمويل مثل هذه المشروعات الضخمة. أو بمعنى آخر، هذا النوع من مشروعات الطاقة يحتاج قدرات تفوق بكثير حدود الشركات الرأسمالية (حتى إن كانت شركات عملاقة متعددة الجنسيات)
معرفة مثل هذه التطلعات شبه الامبريالية في الرؤية السيادية الاستثمارية لأردوغان قد تساعدنا أيضا في معرفة صندوق الثروة السياسي التركي الغامض كآلية تجميع إضافية تعمل خارج نطاق سلطة الوكالات التنظيمية وميزانية الخزانة.
ومن الملاحظ أن هذا الجانب من قطاع الطاقة مرتبط بشدة بالحرب في سوريا على كل المراحل. ومؤخرا، وقبيل بدء تركيا هجومها العسكري على منطقة عفرين التركية، وقعت أنقرة اتفاقية مع شركة جازبروم الروسية بشأن خط أنابيب الغاز "تيركيش ستريم".
لكن القارئ اليقظ قد يتذكر أنه وقبل عامين فقط، وبالتحديد في ديسمبر 2015، كانت روسيا تعرض ما زعمت أنه دليل عن دور تركيا في تجارة النفط لدى تنظيم الدولة الإسلامية. ومن الواضح أنه وبعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي تعمل مع قوات التحالف على شرق الفرات وعلى حقول النفط الواقعة جنوبي الرقة، فإن قدرة تركيا على تنظيم تدفق النفط السوري عبر خطوطها لأنابيب النفط وموانئها ومصافيها قد قلت بشكل جذري.
بالتأكيد، الحرب في عفرين ليست ببساطة "حرب على الموارد"، بل هي حرب تبرر تركيا من خلالها وتعرض متناقضاتها الداخلية الخاصة بها في منطقة يهيمن عليها الأكراد ونجحت في النأي بنفسها عن الحرب الأهلية المدمرة في سوريا ولذلك السبب أصبحت ملاذا آمنا لنحو 300 ألف سوري فروا من الحرب.
لكنها ومع ذلك حرب على الموارد أو على الأقل فهي السبيل الوحيد الذي تقدر تركيا من خلاله على إدخال نفسها في الحرب العالمية على الموارد.
ظهر مجمع أردوغان للقطاعات العسكرية والصناعية والطاقة ردا على  هذا السياق الجيوسياسي. إنه حقا "مجمع أردوغان للقطاعات العسكرية والصناعية والطاقة".
صهر أردوغان بيرات البيرق هو وزير الطاقة والموارد الطبيعية، وصهره الآخر وهو سيلجوك بيرقطار مدير شركة للطائرات بدون طيار وعميله الرئيسي هو القوات المسلحة التركية. وهناك رجل أعمال آخر وهو  عصام سانساك الذي اشتهر بإعلانه عن حبه لأردوغان ويتخصص في تصنيع حاملات جند مدرعة.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: