نظرة مختلفة حول هجرة العقول من تركيا أردوغان

تناقلت وسائل الإعلام التركية تصريحا لافتا للوزير والمرشح من حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلدية أنقرة في الانتخابات الوشيكة قال فيه: "إن معظم الخونة هم من خريجي الجامعات، في حين أنه ليس لدى شباب ثانويات الأئمة والخطباء مشكلة مع دولتهم".
هذا صحيح...! 
وأبرز مثال وأَحْدَثُه على هذا هو أحمد هاكان، الصحفي المعروف الذي تخرج في ثانويات الأئمة والخطباء، حيث يمثِّل نموذجًا جيدًا على التلون والدوران مع اتجاهات الرياح السياسية، إذ كان معارضًا، فتحول إلى مُوالٍ بعدما تغير المالكون لصحيفته.
إنه يكتب يوميا وبدون انقطاع.. يكتب وكأنه صحفي ذو مصداقية وصريحٌ يأخذ الموازين بعين الاعتبار. 
من الممكن أن يتصرف بعض الأشخاص وكأنه لم يعد للحقيقة والأخلاق وجود على أرض تركيا، ولكن الواقع أنهما لا يزالان موجودين طالما أن البلاد تحتضن مثل هذا الصحفي المخضرم!
صحيح أن الصحفيين في تركيا يتعرضون للتخويف والتهويل، بل ويُضربون على مرأى ومسمع من الناس، ويُطردون من أعمالهم، ويهانون يوما ويُكرمون يوما آخر، ويضطرون لتجاهل الحقائق وإخفائها.. (كما تعرض لكل ذلك فعلاً أحمد هاكان نفسه، فأصبح مطواعًا لأوامر النظام السامية!). ولكن كل ذلك لا يغير من الحقيقة شيئًا. فالحقيقة والأخلاق موجودان على أرض الواقع رغم كل شيء!
إن هذا النظام الذي أسسته الحكومة الحالية وحولتها إلى نمط حياة بطابعها الذي يفصل المجتمع عن العالم الحضاري، ويتحرى الظلم والتمييز والاضطهاد والفساد، ويمجِّد الجهل، سينهار بعد فترة معينة، وسينهار معه أيضًا هذا الكيان الذي يتوهمه البعض على أنه "إعلام". 
وعندما يأتي ذلك اليوم الموعود فسيكون مقال أحمد هاكان في حق المهاجرين من تركيا مثالاً ناجحًا لمن يريد التعرف على طبيعة الإعلام في هذه السنوات العجاف.. المقال الذي سيجعل "أولئك المهاجرين يخجلون جدا، ويقتنعون بمغادرة مُهاجَرهم ليرجعوا من فورهم إلى أرض الوطن، وحتى إن لم يقتنعوا بالرجوع فإنهم عندما يقفون أمام المرآة سيَكرهون أنفسهم!" 
لقد أقرع الصحفي البارز (!) رؤوس "الهاربين" من وطنهم تركيا بستّ ضربات من العيار الثقيل! -بحسب تعبيره-.
ربما يدفعكم الفضول إلى السؤال عن حكمة تعبير "العيار الثقيل"، فأستعجل لأقول: إنه بطبيعته فكاهي يحب هذا النوع من ألاعيب الكلام!
فالرجل يقول: "إذا كنتم تغادرون البلاد دونما أي حرب وعراك، فماذا كنتم ستفعلون لو احتاج الوطن إلى دفاع وكفاح؟!"
هناك فرق كبير بين السفر إلى بلد آخر، والعزمِ على العيش هناك، وبين الهروب والفرار. علما بأنه ينبغي النظر إلى الأسباب التي دفعت بأولئك المهاجرين إلى مغادرة البلاد.
فهؤلاء الذين لم تتضح بعدُ الجرائمُ التي يُتهَمون بها، لا "يهربون" من أوطانهم، بل يحاولون إنقاذ حياتهم وحريتِهم من براثن نظام جائر أَخَذَ على نفسه إبادتهم، وعَقَدَ اليمينَ على محوهم.  
فقد أصبحت الأعمال البريئة التي لم تكن في عداد الجرائم تُعتبر الآن "جنايات". بل إنك تكون من المجرمين بمجرد أن تقول: "لا، هذه ليست جريمة". هولاء إنما يهربون من نظام يحاول تكميم الأفواه، ومن نظام قضائي مشلول، ومحاكمات تعسفية، وعملية اعتقالات لا نزال غير مطلعين على جميع تفاصيلها. فأصبحنا نجد صعوبة بالغة في فهم هذا "الاختبار" الذي يسميه أحمد هاكان  "واجب الدفاع عن الوطن"، والذي لا ينتهي أبدًا.
وبما أنكم تحاولون أن تُصوروا "الهاربين" عن الوطن على أنهم "خونة"، أي أعداء داخليون، فكيف تتوقعون منهم أن يدافعوا عن الوطن؟ فإذا أصبحوا "الطرف الآخر" فهل تنتظرون منهم أن يكافحوا ضد أنفسهم؟ أفلم تكونوا قد اعتبرتموهم "أعداء" وتحاربونهم؟! وأما إذا كانت حربكم ضد العدو الخارجي، فهناك قاعدة مقررة في عرف الدولة تقول: "إذا حاربت العدو الخارجي فلا تعتمد على العدو الداخلي". فقد وقعتم هنا أيضا في خطأ منطقي. 
وعلاوة على ذلك، فإنه ليس من الواضح في مثل هذه الحالة ما هو المطلوب من هؤلاء في كيفية الدفاع عن الوطن إذا لم يغادروا.
إذا كانت محبة البلد تعني أن نسخِّر كل الطاقات لإنشاء سياسته واقتصاده على أسس ديمقراطية، فعلينا أن نعيش من أجله بدلا من أن نموت في سبيله. ولكن يبدو أن البيئة غير ملائمة للخوض في مثل هذه المواضيع العميقة، وتمجيدِ الحياة عوضًا عن الموت من أجل تحقيق هذه الأهداف.
ويَدَّعي هذا الكاتب في مقاله بكل ثقة أنه ليس هناك فرق بين أن يقول الهارب من وطنه: "أوه، لقد نجونا"، وبين أن يقول: "إذا نجوتُ فالباقون في ستين داهية".
وهذا يعني أن كاتبنا لا يدري لماذا يهرب الناس، ومِمَّ ينجُون؟ وبالتالي لا يستطيع أن  يفهم راحة عيش الإنسان في بلد حضاري حتى يفهم مغزى قولهم: "أوه، لقد نجونا!". بل لا يريد أن يفهم ذلك.
عليه أن يعلم أن الناس لا يهربون عن أوطانهم ومواطنيهم، بل يهربون من النظام الجائر. وبالتالي فكل واحد منهم يحمل في رأسه العزم على العودة يوما ما.
ويوبخ الكاتب المغادرين قائلا: "إنكم تهربون عن هذا الوطن بزعم أنه أصبح فاسدا وخرج عن المسار الصحيح، ولكن فاتكم أن أول ميناء تلوذون به هو "بلد ترامب المجنون"، فما هذه المفارقة؟"
انظروا إلى هذا التحليل الرائع (!) حول الموانئ الآمنة. 
ولربما لا نستطيع مغزى ما قاله كاتبنا العبقري، ولكن نريد أن نُذَكِّره بأن هذا البلد الذي تسميه: "بلد ترامب المجنون"، لا يزال فيه الدستور والقوانين سارية المفعول بشكل ممتاز.. بالإضافة إلى أنكم إذا حاولتم أن تقارنوا بين مجنونكم ومجنون الآخرين فستكونون أنتم الخاسرين. فحذار حذار من الوقوع في هذا الخطأ الفادح! فلن يسبق أي مجنون مجنونكم!!
ويواصل كاتبنا: "أيها الهاربون، قولوا لي بصدق: هل هناك بينكم أناس يلومون السوريين على هروبهم عن وطنهم بدلا عن الدفاع عنه".
فهذا الكاتب منذ بداية مقاله يريد أن يقول: "إن المغادرين خونة الوطن"، وبهذا السؤال والمقارنة بين ما فعله السوريون والأتراك يحاول أن يؤيد طرحه هذا. وفي كل هذا يحاول أن يتزلف إلى حزب العدالة والتنمية من خلال تمجيد سياستهم حول سوريا. 
هذه صورة نمطية لفنّ "خلق الأعداء" واستعداء المعارضين، مثل ما كانوا يفعلون مع الأكراد، حيث إنهم عندما كانوا يريدون أن يذموا كرديا، ولم تكفِ كرديته لشيطنته، يذهبون بعيدا ليقولوا: إن هؤلاء كلهم ينحدرون من أصول أرمنية".
ولكن كاتبنا يحاول أن يقف في الحد الوسط (بين-بين)، لاستراتيجيته القديمة، ليسترضي الأتاتوركيين أيضا.
إنه رجل رائع (!)، وقد تظن أنه قد نبا به السهم عن الهدف، وأنه يرمي مرة صوب اليمين ومرة أخرى صوب اليسار، ولكن الواقع أنه في كل مرة يصيب الهدف الذي يريد. إنه كـ"صحفي المرحلةِ" يحاول أن يحافظ على حياته في هذه الظروف الصعبة.. وما يقوم به ليس أمرًا سهلاً يستطيع كلُّ أحدٍ القيامَ به!
فلذلك نراه يولي وجهه شطر الكماليين ليجد لنفسه مكانا عندهم أيضًا، فيقول: "فإذ كنتم تفضِّلون الهروب من الوطن على المكوث به والكفاح، حتى تنقذوا أنفسكم، فأنتم لا تساوون الظّفر الذي كان أتاتورك يقلّمها ويرميها... فهل وصلتْكم الرسالةُ؟".
نستنتج من هذا أن صاحبنا يحب النضال، وفي الوقت نفسه يحب أتاتورك، ولكنه ضد عقلية حزب الشعب الجمهوري (حزب أتاتورك). نعم، إنه يريد أن يرسخ هذا التصور عن نفسه.
بالإضافة إلى أنه يريد أن يَخلق لدى قرائه تصورا عن المغادرين من الكماليين، بأنهم "غادروا لأنهم لا يستطيعون أن يشربوا الخمر بكل راحة".
وبهذه الطريقة يريد أن يعكر الماء حتى يستطيع أن يصف المطالبين بالديمقراطية الحقيقية بأنهم إما إرهابيون أو كماليون. وهكذا يحاول التهوين من حقيقة أن المغادرين كانوا على نهج "الكفاح الديمقراطي" من جانب، ومن جانب آخر يدافع عن أتاتورك. 
أما ما هي الطرق التي يمكن الكفاح والدفاع بها عن حقوقهم المهدورة في تركيا فلا يتطرق الكاتب إليها، لأنه ليس رجلاً خارقًا يقدم حلولا لكل شيء، فليجتهد الهاربون أنفسهم ليجدوا هذه الطرق!
ومن ثم يخاطب للمغادرين: "هل تعتقدون أنكم ستعيشون مثل الملوك في البلدان التي تهربون إليها؟ طبعا لا، بل ستكونون وراءهم بثلاثة صفوف!".
إنني أنصح كاتبنا بأن ينسى قضية الملوكية. 
يا ليت أدرك أن المغادرين لتركيا إنما يبحثون عن المواطنة المتساوية لا الملوكية والسلطنة! 
ويا ليت لاحظ أن السلطنة هي السائدة في تركيا، وأن المتربعين على العروش هم من لا يريدون التضحية بسلطنتهم وليس أولئك الذين يهربون من السلطنة.
ولكن الكاتب هو أيضا على حق، ومن حقه أن يخاف (!)... لأن أمثاله إذا لم يستسلموا للأمر الواقع، وقاموا بالتحدي، وفارقوا البلاد كغيرهم، وبحثوا عن عمل، فسيُسألون: ماذا تُجيدون من الأعمال؟ وماذا تُتقنون من اللغات؟ وأيَّ الصحف الأجنبية تتابعون؟ وما هو الموضوع الذي تخصصتم فيه؟ وما هي المحطات المهنية التي مررتم بها حتى وصلتم إلى ما وصلتم إليه؟
وصدِّقوني، لو رأينا حالهم من الضيق والحرج وهم يواجهون هذا النوع من الأسئلة لتفطرت قلوبنا حزنًا عليهم! في حين أن معظم "الهاربين" يتمتعون بمستوى لا بأس به من المهنية والمهارات والمؤهلاتوالخبرات، وإن لم يكونوا متخصصين في مجال موالاة الآخرين والتزلف إليهم على حساب مبادئهم وضمائرهم!
وكنت أود لو يشرح لنا كاتبنا ماذا يعني أن تكون "وراء الآخرين بثلاثة صفوف"، ولكني أستطيع أن أبين له من خلال القوائم والتقارير الدولية كَم صفّاً تتأخر تركيا عن باقي الدول المتحضرة في مجال الحريات.
أجل، لكل إنسان أن يختار مسار حياته. فلربما يكون من الصعب على البعض أن يفهم، ولكن هناك من يفضل الحرية والحقيقة على المال والمقام.
علاوة على ذلك فإن مضمون مقال هذا الكاتب الذي يحتقر حرية الفكر والخيارات الشخصية إلى هذا الحد يكفي لتفسير أسباب إبحار الناس من تركيا أردوغان إلى بلدان أخرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.