بيهتار أوكوتان

"نعم سئمنا، ارحل!" شعاع أمل جديد للمعارضة في الانتخابات التركية

صناديق الاقتراع هي وحدها التي تحدد نتائج الانتخابات، وليس وسائل التواصل الاجتماعي. لا يخطئ أي شخص في إدراك هذا الأمر منذ الوهلة الأولى. ومع هذا يبقى امتلاك المعلومة موجهاً لخروج نتيجة الاقتراع في اتجاه معين. من أجل هذا، وجدنا حزب العدالة والتنمية يقوم بفرض حالة من التعتيم على جميع وسائل الإعلام في تركيا؛ من أجل إبعاد الحقيقة عن مسارها الطبيعي؛ الأمر الذي يفسر التناقض الحتمي بين تحول الحاكم نحو التسلط، والسماح بوصول المعلومة الحقيقية إلى أبناء الشعب؛ الأمر الذي جعل موقع التغريدات القصيرة "تويتر" يتحول إلى شركة ضخمة، تحظى بالاحترام في جميع أنحاء العالم. 
إن عام 2013 لم يكشف النقاب بعد عن تحقيقات الفساد، التي أجريت في السابع عشر من ديسمبر، ولم يكشف حزب العدالة والتنمية عن الانتهاكات الخطيرة، التي ارتكبها في صراعه من أجل السلطة مع جماعة فتح الله غولن التي تحولت بسببها أماكن كثيرة في تركيا إلى بركة من الدم.
كان التوتر الذي تعمق بسبب علاقة فيدان مع جماعة فتح الله غولن من جهة، وعزل الصحفي المحنك حسن جمال، بعد نشر محضر لقاءات عبد الله أوجلان مع ممثلين عن الحزب الحاكم، وحزب الشعوب الديموقراطي في جريدة "ملييت" في مارس 2013 من جهة أخرى، بمثابة نذير شؤم، خيّم على تركيا بأكملها.
وإذا لم يكن اتصال رئيس مجلس إدارة مجموعة "دميروران القابضة"، السيد دميروران، مرتين في الهاتف؛ من أجل إنهاء خدمة الصحفي جمال من الصحيفة، على خلفية ثنائه على المقال، الذي نشر هذه المحاضر، نذيراً على كابوس مزعج، يقترب من الحدوث كفلق الصبح في تركيا، فماذا عسانا أن نسميه إذا؟.
وجدير بالذكر أن مجموعة "دوغان غروب" قد باعت صحيفتي "ملييت"، و"وطن" إلى مجموعة "دميروران القابضة" في عام 2011، وهو الأمر الذي لم يبشر بخير في مجال الإعلام.
ومع ذلك، فقد كان عزل عدد كبير من الصحفيين من الصحف التي يعملون بها مجرد البداية، في وقت لا يزال يوجد مَن يهمس قائلاً "هذه هي أفضل أيامكم!".
يحل موعد احتجاجات غيزي بعد شهرين.
خرج أردوغان قوياً من استفتاء 2010، الذي منحه الثقة والجرأة؛ كي يخلع عنه "لباس الديموقراطية"، وكأنه بهذا يريد أن يعود إلى حقيقته، ويتصرف دون تكلف. وكان الصحفيون من أكثر الفئات التي فتح الأبواب على مصراعيها لاستهدافهم.
وفي الوقت الذي يعمل فيه أردوغان على عرقلة عمل الصحف، وقنوات التليفزيون الرئيسة، نجد أن موقع "تويتر" قد تحول إلى موقع فريد من نوعه؛ بعرضه المنظم والموثق للحقائق. 
حتى كانت التغريدة التي نشرها أحمد صايمادي هي الإشارة التي طال انتظارها قبل أحداث غيزي.

والباقي معلوم لنا جميعاً.
وعندما اندلعت احتجاجات غيزي في نهاية مايو 2013 ، لم يتأخر رد الحكومة على الصحفيين، الذين شجعوا على "الإنصات لهذا العصيان"، ولاقوا جميعاً نفس مصير جمال.
ولم يكد شهر أغسطس يبدأ، حتى قاموا بعزل جان دوندار عن عمله في صحيفة "ملييت"، بعد منعه من نشر مقالات طيلة ثلاثة أسابيع. 
بدأت صحيفة "ملليت"، تحت إدراة دميروران، في إبعاد كافة الأسماء التي تحاول تبصير المواطنين، ولفت انتباههم إلى حيد حزب العدالة والتنمية الحاكم عن طريق الديموقراطية. 
وفي الوقت الذي أخذت فيه موجات العصيان، التي اتخذت من إسطنبول مركزاً لها، تعلو بشكل كبير، نجد أن قناة مثل "سي. إن. إن. تورك" الإخبارية، التي تملكها مجموعة "دوغان ميديا غروب"، كانت تذيع فيلماً وثائقياً عن البطريق؛ الأمر الذي يوحي بأن سطوة حزب العدالة والتنمية على الإعلام قد فاقت جميع التصورات. 
في تلك الأثناء كان تويتر أكثر القنوات الشابة استقلالية؛ إذ رفض الشباب أن يظلوا رهائن لما تنشره صحف، أو قنوات تليفزيونية، لا تملك من أمرها شيئاً. 
نشرت الكاتبة إليف شفق في تلك الأثناء التغريدة التالية:

من يستطيع الآن أن يقول إن الإعلام لا يزال يعيش "أفضل أيامه"، في وقتٍ فضل أن يلوذ فيه الصمت إزاء فظاعة ما ترتكبه السلطة الحاكمة اليوم!
وعندما نعود بذاكرتنا إلى تاريخ 17 ديسمبر 2013، ندرك أن كافة الأقنعة التي يريد النظام الحاكم التخفي وراءها صارت مكشوفة أمام الجميع.
كما حوَّل فتح المدّعيين المعروفين بقربهم من جماعة فتح الله غولن، تحقيقات مع أفراد من عائلة أردوغان، وشخصيات مقربة من حزب العدالة والتنمية إلى ماكينة تحصد رؤوس كل من يقف في طريقها.
أعتقد أنه ليس لدينا متسع من الوقت هنا للحديث عن الطرق غير المباشر، الذي لجأت إليه الحكومة، وحزب العدالة والتنمية لطرد الصحفيين من أعمالهم!
كانت نازلي إيليجاك أول الصحفيين الذين طردوا من عملهم، بعد أن فصلت من وظيفتها بشكل مفاجئ؛ بسبب مقالة لها في جريدة صباح انتقدت فيها أردوغان.
ثم ما لبثوا أن قاموا باعتقالها بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2015، وزجوا بها في السجن. وفي شهر فبراير صدر بحقها حكم بالسجن المؤبد.
وإلى جانب نازلي، توجد أعداد أخرى لاقت نفس المصير مثل مليحة أوقور، ونور باتور، والأكاديمي دنيز أولكا، وألبر غورموش، وهدايت شفقتلي توكصال، وفكري أقيوز، وعثمان أوزصوي، وغيرهم ممن أُجبروا على الاستقالة أو طُرِدوا من عملهم.
كما اكتسبت الممارسات القمعية التي تمارسها الحكومة ضد العاملين في صحيفتي "زمان"، و"تودايز زمان"، وقناة "بوجون"، و"صمانيولو" التليفزيونيتين المعروفتين بقربها من جماعة فتح الله غولن، بعداً جديداً في مارس 2016؛ بتعيين حارس قضائي على هذه الكيانات الصحفية.
وقبل شهرين فقط من هذا الحدث، قاموا بعزل فهمي قورو من عمله في صحيفة "خبر تورك".
والباقي أيضاً معلوم. 
وبعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، استخدمت السلطة، في مواجهة هذه الأحداث، كامل قوتها من أجل إسكات الصحافة، وكأن الصحافة هي التي قامت بمحاولة الانقلاب.نعم، لقد أصبحت صحافة مشلولة... 
ولم تسلم الصحف المحلية، وعلى رأسها صحيفة "أوزغور غوندام"، من بطش السلطة الحاكمة كذلك. وكانت النتيجة أنهم نجحوا في عزل الأكراد، بحيث صار من الصعب معرفة ما يدور في هذه المناطق؛ بسبب فرض حظر التجوال فيها.
وقد دفعت تصرفات الحكومة تلك بعض الصحفيين إلى نشر بعض التغريدات على تويتر، من قبيل:

"لم يعد لدى المعارضين السياسيين، أو الذين سيصوتون بـ "لا" أية وسيلة، يمكنهم التعبير عن أنفسهم من خلالها".

"لم يعد لدى المعارضين السياسيين، أو الذين سيصوتون ﺒ "لا" أية وسيلة، يمكنهم التعبير عن أنفسهم من خلالها".

"لم نعد نثق في الحكومة في أي شيء؛ لدرجة يمكن أن يؤدي الصراع، الذي تخوضه السلطة الحاكمة من أجل الاحتفاظ بالسلطة، إلى جعلهم يرفضون الإرادة التي ستعكسها الصناديق".
"تعمل الشرطة التركية الآن على غلق هذا الطريق الجديد، الذي يطلق عليه اسم هاشتاج تويتر أمام المتظاهرين".
وجاء عام 2018 ليشهد آخر الضربات التي تلقاها الإعلام وأقواها؛ بإتمام صفقة بيع القنوات المملوكة لمجموعة "دوغان غروب" إلى مجموعة "دميروران القابضة"؛ ليختفي معها مفهوم إعلام المعارضة، أو الإعلام المستقل من الساحة. 
وبذلك لم يجد الإعلام المعارض حيلة أخرى غير اللجوء إلى تويتر؛ حتى يتمكن من الوصول إلى هدفه. وجاءت كلمات أردوغان "إذا قال الشعب انسحب، فسأفعل" بالتزامن مع ميلاد غيزي جديدة على توتير.

بدأ الإعلام الموجه من خلال تويتر يبعث برسائل مفادها "نعم انسحب، لقد سئمنا" قبل انتخابات 24 يونيو .
وفي الإطار نفسه، يجتهد الملايين، الذين وقعوا ﺒ "لا" في غيزي الثانية؛ من أجل تخليص تركيا من هيمنة حزب العدالة والتنمية الحاكم.
اجتمعت هذه الأعداد الغفيرة، هذه المرة، حول هذه الكلمات، في محاولة لرفع العصابة التي وضعتها السلطة الحاكمة على أعينهم.

 

يحاول هؤلاء، بالكتابة على أزرار حاسبهم، إطفاء تلك النيران التي ستلتهم تركيا بأكملها.
هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/secim-kampanyalari/16-nisan-referandumunun-yaktigi-umut-isigi-t-m-m-ya-da-s-i-k-i-l-d-i-k