اومت اوزكرملو
ديسمبر 23 2017

نهاية حزينة لعثمان كافالا وبوديم والمجتمع المنفتح في تركيا

هناك بعض الكتابات المشهورة التي ساهمت في تكوين فكر لدى الجميع ومنها مقال "خيانة المثقفين" للمفكر الفرنسي جوليان بيندا عام 1927م.

ليس معروف بالضبط كم شخصا قرأ هذا المقال الذي تتبع فيه الكاتب مفهموم المثقف من الفلسفة اليونانية القديمة وحتى العادات المنيرة، ولكن ليس من قبيل المبالغة أن نفترض أن هذا العدد صغير بما يكفي للدفاع عن موقف سياسي معين باستخدام عبارة "خيانة المثقفين".
إنّ مقال بيندا أساسا هو نوع من محاسبة المثقفين. المثقف في رأي بيندا هو الذي يقدم إنتاجا فنيا أو علميا أو فلسفيا دون السعي من وراء هذا النتاج إلى غرض مادي أو منفعة حياتية. ويرى أن طبقة المثقفين قد ابتعدت عن دورها الاجتماعي المستقل منذ بداية القرن العشرين، بل وأداروا ظهرهم للقيم العالمية.
لقد أصبح العصر الذي نعيش فيه هو عصر تسييس الاختلافات وتحكم الأهواء القائمة على أساس قومي أو عرقي أو طبقي في توجيه الآراء، وبدأت السياسة توجه الأخلاق وليس العكس. والمسؤولية الكبرى هنا تقع على عاتق المثقفين الذين يصيغون هذه التوجهات بصيغة شرعية. 
ولذا فإن بندا لا يتصور وجود المثقف خارج مربع السياسة بطبيعة الحال.
إن المقصود بالخيانة عنده هي تورط السياسة في الفن والعلوم والفلسفة أو بمعنى آخر تلوثهم. حيث لم يعد المثقفون ـ المنجرفين وراء سحر السياسة ـ يضعون حدًا بين وظائفهم الاجتماعية وسعيهم خلف مصالحهم النفعية، بل وبدؤوا السعي وراء القوة.
وكان بندا يرى أن الجميع سيدفع ثمن هذه الخيانة والذي سيكون غاليا، وسيعيش الجميع في فترة قريبة كارثة من أكبر كوارث التاريخ البشري. والتاريخ سيُظهر أنه على حق (أي بندا). وقبل أن تمر 10 سنوات على نشر كتابه تقع أوروبا في براثن الفاشية والحروب الدموية. 
إن عثمان كافالا المعتقل أكثر من 44 يوما هو من ذكرني ببندا في هذه الأيام التي تحولت فيها تركيا من شبه ديمقراطية إلى الأتوقراطية الكاملة. ففي الواقع أردت أن أكتب من قبل عن كافالا، وأصدقائه القدامى الذين تركوه.
ولكني انتظرت لبعض الوقت حينما رأيت مقالا بعنوان "حول عثمان كافالا" لديلاك قربان منشور بموقع تي 24 الإخباري بتاريخ 3 نوفمبر 2017م. على أي حال فقد أوشك عثمان كافالا أن يُنسى حاله حال الآخرين، ول يتذكره أحد أو يُذكٍر به باستثناء حفنة من أصدقائه الحقيقيين.
ولكن هذا لم يحدث، واستمرت الأصوات التي تطلب الحرية لعثمان كافالا من داخل وخارج البلاد وإن لم تكن في كثافة اليوم الأول. وكان هذا الدعم مهما من ناحية ضحايا النظام مجهولي الاسم الذين بلغوا الآلاف. لأن الكفاح من أجل الحرية مع الأسف كان من خلال شخصيات رمزية، وكان كافالا واحدا من أطهر هذه الرموز. مثل أحمد شيق ونورية جولمان وسميح أوزاكتشا.
ولهذا فإن صمت بعض أصدقاء كافالا القدامى اللاهثين خلف سحر السلطة فضلا عن وضعهم لمسافة بينهم وبينه، يحكي حال تركيا اليوم.
وهذا هو "نص الإصلاح" الذي نشرته جريدة يني شفق على موقعها الإلكتروني بخصوص الربط بين كافالا وبين (بوديم) المركز الجماهيري للدراسات السياسية والديموقراطية الذي تم إنشائه عام 2015م على يد مجموعة منفصلة عن مؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية التي كان كافالا عضوا بمجلس إدارتها:
 
كتب الصحفي يلماز بيلجن في صحيفة "يني شفق" بالعدد اليومي الصادر بتاريخ ٢٥/١٠/2017م عن عثمان كافالا على غلافها وبالصفحة الخامسة عشر مقالة بعنوان "ملفه المتضخم". وقد ذكر عن قصد في هذه المقالة اسم المركز الجماهيري للدراسات السياسية والديموقراطية مع المنظمات غير القانونية والمؤسسات الأخرى. وتم العمل على تشويه المركز وثقته ومكانته في عين الرأي العام. يُعد (بوديم) المركز الجماهيري للدراسات السياسية والديموقراطية مؤسسة بدأت نشاطها في فبراير 2015م كمؤسسة مجتمع مدني، وسيرت جميع أبحاثها وعلاقتها المؤسساتية بشكل حر وشفاف. ثم إنها ومنذ تاريخ تأسيسها لم يكن لها أي علاقة بعثمان كافالا ولا بأنشطته.
يعد الخبر الذي وصل للرأي العام ودفع المركز ـ الذي يتكون مجلس إدارته من أسماء كثيرة مثل جان باكر، سليمان سيفي اويون، أورال تشاليشير، رونا يارجالي ـ لإدلاء تصريح واحد من عشرات الأخبار التافهة التي نصادفها في إعلام النظام كل يوم.
بالإضافة لذلك ذكر ذلك الخبر أيضا اسم سردار أرنر عضو مجلس إدارة المركز وزعم الخبر أن أرنر أحد أفراد الفريق الذي يقوده كافالا قد وقّع على شعارات تهدف إلى "الإثارة والتوجيه". لا نعرف لماذا بقى أرنر الذي لا يعتبر فقط عضو مجلس إدارة المركز ـ الذي ليس له علاقة بأي شكل بكافالا - وإنما مؤيد فردي له أيضًا، خارج نص الإصلاح. لابد أن السبب هو أنه لم يتم القبض عليه حتى الآن.
لإنه يجب عدم إزعاج قائد الأوتوقراط في تركيا الجديدة، وإبعاده عن النقد. وخاصة إن توليت لفترة رئاسة مجلس إدارة مؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية التي لم ينتفع بها القوميون ولا الجماعات التركية الإسلامية، أو توليت رئاسة مجلس المستشارين لمعهد المجتمع المنفتح فرع تركيا.
إذ كنت ستضطر حينها أن تتنقل من صحيفة لصحيفة، ومن قناة لقناة. ستضطر لقول إنه تم استبعادك عن وظيفتك من أجل أن تظل قريبا من حزب العدالة والتنمية بشكل أكبر.

وهذا أيضًا لا يكفي، فسرعان ما تنسى أنك قد عرّفت نفسك لفترة على أنك "رجل أعمال ماركسي"، وتتولى الدفاع عن النظام. وتدعي أن "الأتراك البيض" في نظام الرئاسة، والتكتلات التي سحقت من قبل الوصائيين –يمكنك أن تطلق عليهم "الشعب" أيضا ـ هي نتيجة طبيعية لثمانين عامًا من النضال.

حتى وإن قال البيض -الذين لم يلاحظوا الذكاء الكامن وراءه- على الشعب أنه جاهل، فستقول أن هذا في الحقيقة ليس جهلًا، إنما هو نضال تصنيفي. كما أن السيد أردوغان الذي يعرفونه منذ عشرين سنة ليس استبداديًا، ولكنه فقط "يخاطب توجهات الشعب". وهو بجانب حزب العدالة والتنمية الذي يناضل السيادة الوطنية، واستغلال الشعب. أما التعليق بشكل مختلف على نظام الرئاسة من خلال الاستفادة من "عدم المعرفة"، فهو شئ لا تسعه أخلاق المفكرين.
تدور في رأس القارئ تساؤلات حول هذا التحليل العميق، ومعنى أخلاق المفكرين. وفي حين أن صاحب التحليل هو مدير مؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية، ومعهد المجتمع المنفتح فرع تركيا، فإن التذكير بتجهيز التقارير المقدمة للصحفيين والأكاديميين الذين يوجد الكثير منهم في المنفى خارج الوطن أو في السجن وعلى رأسهم عثمان كافالا، يعتبر تضييعًا للوقت لأنهم ذكروا فيها الأنشطة التي نظموها حتى ولو كانت سطرًا واحدًا.
عثمان كفالا

ولذا فهل يمكن اعتبار مؤسسي وموظفي المركز مثقفين؟ لا نعرف. فمن الصعب الإجابة على هذا السؤال بشكل إيجابي إذا نظرنا إلى ما أنتجوه من علم. ولكن هذا ليس موضوعنا. موضوعنا هو فهم فترة تحول تركيا من شبه الديمقراطية إلى الأوتوقراطية الكاملة، والديناميكيات الكامنة وراء هذا التحول، والآليات التي تجعل هذه الفترة دائمة.

وفي هذه الحالة أكرر نقطة أكدتها في كتاباتي السابقة. وهي إن الأزمة التي تعيشها تركيا اليوم ليست أزمة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية فقط بل هي أعظم من ذلك، إنها أزمة انهيار أخلاقي. وحزب العدالة والتنمية يعتبر سببا رئيسا في هذا الانهيار بل نتيجة أكثر.
ليس عدد الصحفيين والأكاديميين والناشطين الذين بالسجون هم السبب في هذا الانهيار الذي نعيشه؛ بل سكوت شريحة كبيرة من المجتمع على هذا، والموافقة عليه والاستمتاع به، وسعي بعض الأسماء المعروفة كرجال الفكر جاهدين لإضفاء الشرعية على هذا النظام الفاشي، وعدم الاكتراث  بالبرجوازية في تركيا التي لا تريد أن تُنبذ في المناقصات.
سأنهي الموضوع بملاحظة شخصية. أعددت تقارير لمؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية وحضرت اجتماعاتها. كنت فخورا بكوني زميلا لطلابي القدامى بها ولكن افترقنا بعد أحداث حديقة غيزي. لم أهتم كثيرا. في النهاية لم نكن مضطرين إلى توحيد نظرتنا للحياة.
كان الخيار بالنسبة لي هو قطع الاتصال والتجاهل. ولكن تجاهل نص الإصلاح المكتوب بخصوص عثمان كافالا... أمر آخر. اختار طلابي القدامى أن يكونوا آيخمان. ربما لتأثير الكبار مثل جان باكر وأيتين ماهوتشوبيان وعلي بيرام أوغلو أو بسبب إرادتهم الحرة. لقد خجلت بالنيابة عنهم وحزنت للجهد الذي بذلت من أجلهم.
أما الأكثر إيلاما فتذكر استمرار الأجيال التي ستسحقها السلطة عنما يأتي دورهاـ في تحمل الحطام المتبقية من آيخمان.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/osman-kavala/osman-kavala-podem-ve-turkiyede-acik-toplumun-hazin-sonu