أحوال تركية
ديسمبر 30 2018

نهاية قاتمة لمنظمة تعنى بفحص الحقائق وملاحقة الأخبار الكاذبة

على مدى السنوات العشرين الأخيرة، ثار حديث يتعلق بالاستقطاب المتزايد في المجتمع التركي المنقسم إلى عدد كبير من الشرائح، بينها الإسلاميون والعلمانيون والأتراك والأكراد.

ومن واقع دراسة أُجريت في الفترة الأخيرة عن طريق اثنين من الأساتذة الجامعيين، فإن تركيا اليوم تعيش حالة من الاستقطاب الحاد، حتى أن عناصر النخبة في البلاد، الموالين منهم للحكومة والمعارضين، يعيشون حالة من الانقسام حول قضية الاستقطاب نفسها.

وتتوقع الورقة البحثية، التي كتبتها إيفرين بالتا وسينيم آيدين دوزجيت، أن تستمر النسب العالية التي تتردد حاليا عن الاستقطاب في تركيا في المستقبل المنظور، وهو أمر يمنع حدوث تغيير حقيقي في النخبة السياسية.

لكن وبينما لا يمكن إنكار حقيقة وجود الاستقطاب في تركيا، فإن الأكثر صعوبة في العادة هو تفسير ما يعنيه أن تعيش في مجتمع يعاني الاستقطاب وتوضيح تبعات الاستقطاب على الحياة اليومية للناس.

ما تعرضت له خلال الشهر الحالي منظمة teyit.org، وهي منظمة تركية مستقلة لفحص الحقائق، لهو أبلغ مثال يساعدنا على فهم الدمار الذي يسببه الاستقطاب في أي مجتمع.

في الواقع، فإن ما تعرضت له هذه المنظمة يدلّل على أن الوضع الحالي لم يترك أي جهة تعمل بنوايا طيبة دون عقاب، بينما شعب هذا البلد قد بدأ يعيش في دائرة غير منطقية.

بدأ مشوار منظمة teyit.org عام 2016، وكانت البداية كمبادرة صغيرة يقودها نشطاء من صغار السن في أغلبهم. كان هذا في وقت تدنّى فيه أداء وسائل الإعلام لمستوى غير مسبوق.

وعملت المنظمة بشكل أساسي على فحص المعلومات المتداولة في وسائل الإعلام التركية ملتزمة في ذلك أقصى درجات الحياد، مع مساعدة الناس على تعلم مهارات على فحص الأخبار الكاذبة.

وخلال فترة وجيزة للغاية، أصبح هذا الموقع الإلكتروني مصدراً ذا مصداقية يلجأ إليه الناس بشكل يومي. وللوقوف على أهمية العمل الذي تقوم به منظمة teyit.org، يمكن الإشارة إلى أنه وفقاً لدراسة أجريت مؤخراً، فإن المحاولات الروسية للتأثير على السياسة التركية قد فشلت لأن المجال الإعلامي في تركيا قد تشبّع بما يكفي بأخبار كاذبة.

في الثالث من ديسمبر، أعلنت المنظمة أنها، وبفضل اتفاق أبرمته مع شركة تتولّى إدارة الشاشات التابعة لبلدية إسطنبول في وسائل النقل البحري وخطوط قطارات الأنفاق، ستبدأ إذاعة مقاطع فيديو من إنتاجها مدة كل منها دقيقة واحدة عبر 7600 شاشة في مختلف أنحاء إسطنبول.

وقالت المنظمة إن منتجها سيصل بذلك إلى نحو أربعة ملايين شخص يوميا.

وأفادت المنظمة بأن مقاطع الفيديو هذه تهدف إلى زيادة وعي الناس بالأخبار الكاذبة.

وفي العادة، تأتي مقاطع الفيديو والأخبار التي تذيعها نفس هذه الشاشات من وسائل إعلام موالية للحكومة.

لكن على الجانب الآخر، فإن كل مقطع فيديو تنتجه المنظمة سيعمل على تحليل محتوى مثير للريبة يتم تداوله على الإنترنت داخل البلاد مع تقديم نصيحة عن كيفية التحقق.

ولو أن الأوضاع طبيعية، كانت منظمة teyit.org لتحظى بقدر هائل من التقدير على هذه الفكرة الرائعة. فلقد عثرت المنظمة على سبيل لملء الشاشات في مختلف أنحاء إسطنبول ومهاجمة الأخبار الكاذبة من مصدرها.

كان واضحاً منذ البداية أن هذه التجربة لن تطول. وعند لحظة ما، سواء بعد أسبوع أو شهر، كانت البلدية ستلاحظ في النهاية ما يجري وستتوقف عن الترويج للفكرة.
لكن عمر التجربة كان أقصر مما كان البعض يعتقد. فلقد ألغي الاتفاق بعد يومين فقط.

في الواقع، جاءت اللطمة الأولى لمنظمة teyit.org من جانب المعارضة. فالصحف والصحفيون المنتمون لليسار شنّوا هجوما على المنظمة من منطلق أنها أبرمت اتفاقاً مع بلدية إسطنبول التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

واختارت بعض الصحف، وبينها صحيفة بيرجون اليومية اليسارية، الخروج بعنوان يقول إن منظمة teyit.org قد أبرمت اتفاقاً مع بلدية إسطنبول، رغم أن الاتفاق قد أُبرم من خلال طرف آخر يتعاون مع البلدية.

ومن خلال موقع تويتر، كتب فاتح ياشلي، وهو كاتب عمود شهير في صحيفة بيرجون يقول "هل سمحت لكم البلدية بالقيام بهذا الشيء دون أي مقابل؟".

وفي وقت لاحق قال ياشلي إنه سيتوقف عن متابعة حساب موقع المنظمة على تويتر وإنه يعتقد أن كثيرين سيحذون حذوه.

وقالت صحيفة ريد اليسارية " Teyit.orgتبحث عن المال"، في اتهام صريح لمؤسس المنظمة، محمد أتاكان فورشا، بموالاة الحكومة.

وبسبب هذا الاتفاق، كال كثيرون عبر منصات التواصل الاجتماعي الاتهامات للمنظمة، وقالوا إنها "ربما" ستحقق أموالاً طائلة.
 

بل إن البعض ذهب إلى حد القول إن تدوينات المنظمة التي تعمل فيها على تصحيح الأخبار الكاذبة الخاصة باللاجئين السوريين إنما تشير إلى أنها قد أصبحت موالية للحكومة.

في الواقع، امتلك البعض حجّة مشروعة وطلبوا من المنظمة معرفة الطريقة التي تخطط بها للحفاظ على حيادها خلال فترة عرض المحتوى الخاص بها على شاشات بلدية إسطنبول التي تُدار من قبل حزب العدالة والتنمية.

لكن حتى هذه المناقشات كانت ترفاً لم تحققه المنظمة حين تعلق الأمر بالطرف الآخر. فأنصار الحكومة بعثوا مئات الشكاوى إلى غرف الاستعلامات التابعة للبلدية، حيث اتهموا منظمة teyit.org بأنها تناصب حزب العدالة والتنمية العداء. كما وجه هؤلاء اتهامات إلى طاقم عمل المنظمة بالمشاركة في احتجاجات ساحة غيزي عام 2013.

وبعدها بيومين فقط، طلبت البلدية من الطرف الآخر، وهو تلفزيون موديو، إلغاء هذا الاتفاق.

وفي ردها على تلك الانتقادات التي طالت الاتفاق، أعلنت المنظمة أنها لم تحصل على أي أموال لا من البلدية ولا من تلفزيون موديو.

وقالت المنظمة "على العكس، وبالتوازي مع بذل الكثير من الجهد في العمل على تطوير المشروع وإنتاج المحتوى من أجله، وافقت منظمة teyit.org على أن تدفع لتلفزيون موديو مقابل إذاعة مقاطع الفيديو هذه بعد التحقق من محتواها."

وقالت المنظمة أيضا إنها أوضحت في الاتفاق بما لا يدع مجالاً للشك بأنها لن تقبل أي تدخل في قراراتها التحريرية، لكنها قالت أيضاً إنها لا تعتزم استخدام محتوى سياسي في مقاطع الفيديو التي يتم بثها عبر الشاشات التابعة للبلدية.

وناقشت الصحفية ميهفيش إيفين ما جرى مع منظمة teyit.org في عمود نشرته في صحيفة أرتي جيرشيك قبل أيام.

وكتبت إيفين في عمودها تقول "الخاسر هنا هم الناس الذي فقدوا جهداً كان يهدف للتصدي للشائعات والمعلومات الزائفة قبل أن يتم التخلص منه. لم تكن المنظمة بحاجة لتغطية الأخبار السياسية (القادمة عبر مصادر موالية للحكومة أو من المعارضة) في وسائل المواصلات العامة، فهذا لا يحدث إلا في الدول الديمقراطية."

وأضافت "لكن هذه كانت فرصة مهمة على طريق الوصول إلى أعداد أكبر من الناس، ولوجود مصدر موثوق عند مناقشة هذه القضايا."

لقد حوّل الاستقطاب الممتد منذ فترة طويلة في تركيا البلد إلى ساحة حرب نفسية، حيث يتصارع طرفان يتقوقعان كل في خندقه وينظر كل منهما للآخر بغضب رافضاً التواصل معه.

إن أي شخص راشد ينظر إلى تلك الصورة سيصل إلى استنتاج بأن مجتمعا كهذا بحاجة إلى حوار، إلى طريق ليصل كل منهما إلى الآخر.

لكن مجرد طرح هذا الاقتراح يمكن أن يلحق بصاحبه تهمة الخيانة من قبل أي من المعسكرين في تركيا اليوم.

لذا، فنحن مجبرون على أن نجلس ونتابع بينما تصمت الأصوات العاقلة في انتظار معجزة.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاُ:

https://ahvalnews.com/polarisation/fate-teyitorg-tells-tale-turkish-polarisation
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.