دوا أولاش أرالب
نوفمبر 27 2017

نوريا وسميح .. الجوع من أجل الحرية في تركيا

أقيل ما يربو على 150 ألف شخص من وظائفهم فى تركيا بأوامر تنفيذية منذ العام الماضي. وبعد محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو تموز 2016  والتي أودت بحياة حوالي 250 شخصا وأسفرت عن إصابة أكثر من ألفي شخص، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد.

يلقي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان باللوم على أتباع رجل الدين عبد الله غولن الذي يدير من منزله الريفي في ولاية بنسلفانيا الأمريكية جماعة إسلامية لا تتسم بالشفافية لكنها تشارك منذ زمن طويل في مشاريع دولية معنية بالتعليم وتقديم المعونات.

ولذلك زعمت الحكومة أن حملة التطهير تستهدف الموظفين في القطاع الحكومي الذين شاركوا في شبكة غولن، فيما شكلت صلاحيات الطوارئ الأساس القانوني لحملة التطهير ومكنت الحكومة من إصدار الأوامر التنفيذية ونشر قوائم بأسماء الأشخاص الذين سيتم طردهم من وظائفهم بأثر فوري مع عدم وجود مجال لحق الاستئناف.

ووفقا للمنظر القانوني والسياسي الألماني كارل شميت، يمكن للحكومات ذات السيادة أن تتجاوز سيادة القانون وتنتهكها وتلغيها باسم المصلحة العامة أو الأمن القومي، وهي الجهة الوحيدة التي لها سلطة تحديد "حالة الاستثناء" التي بموجبها  يتم تعطيل مبدأ سيادة القانون لأمد غير محدد دون إلغاؤه.

بهذه الطريقة، تحتفظ العديد من الديمقراطيات والأنظمة الديمقراطية المختلطة بالسيطرة على مواطنيها من خلال حالة الاستثناء حيث يقول الفيلسوف السياسي الإيطالي جورجيو أغامبين إن أفضل وصف يمكن إسباغه على الأشخاص المتضررين من هذه الحالات من الاستثناءات القمعية هو "هومو ساكر" وهو مصطلح قانوني روماني يطلق على الشخص الذي يتعرض للتطهير من المجتمع الأوسع ويُحرم من حقوقه وواجباته.

واتساقا مع هذا المبدأ، فقد أسفرت الأوامر التنفيذية التي أصدرتها السلطات التركية حتى الآن عن إيجاد نحو 150 ألف "هومو ساكر" في تركيا أي أشخاص منبوذين سياسيا حٌكم عليهم أن يعيشوا ما تبقى من حياتهم كأفراد بلا كيان لا يتمتعون بالحق في الحصول على أي مساعدة قانونية أو حتى بالأمل في الحصول على فرصة عمل في المستقبل.

وعلى الرغم من أن بعضا ممن تم تطهيرهم من القطاع العام مثل العاملين في السلك القضائي والشرطة والجيش استخدموا بالفعل مناصبهم لفرض نفوذهم وممارسة التمييز ضد الآخرين باسم شبكة غولن، وقع العديد من الأبرياء ضحايا لهذه الحملة حيث فقد أكثر من 8600 أكاديمي وظائفهم، ولم يكن لكثير منهم أي علاقة بحركة غولن. وفي جميع هذه الحالات تقريبا، لم تكن هناك أدلة ملموسة على تورطهم في أي انشطة إجرامية.

نوريا غولمان وسميح أوزاكشا اثنان من هؤلاء الأكاديميين.

وللتعبير عن اعتراضهم على هذه المعاملة، نظمت غولمان وهي أستاذة في الأدب المقارن مع أوزاكشا، الذي يعمل مدرسا، احتجاجا سلميا في نوفمبر 2016 من خلال الجلوس ببساطة أمام نصب حقوق الإنسان في العاصمة أنقرة للمطالبة بإعادتهم إلى وظائفهم.

نوريا وسميح

غير أن دوائر الحكومة ووسائل الاعلام المؤيدة للحكومة زعمت باستمرار أن غولمان وأوزاكشا على صلة بجماعة يسارية محظورة وهى جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري.

وفي مارس آذار، وبعد أربعة أشهر من الاحتجاجات دون أن تنجح هذه التحركات في إعادتهم إلى وظائفهم، بدأ غولمان وأوزاكشا إضرابا عن الطعام مع الاعتماد فقط على الماء والسكر والملح والشاي العشبي وفيتامين ب. ومع اكتساب احتجاجهم لتغطية إعلامية متزايدة شيئا فشيئا على المستويين المحلي والعالمي، ألقي القبض عليهما في يونيو بتهمة الانتماء الى منظمة يسارية متطرفة محظورة.

لكن هذا لم يفت في عضد الثنائي حيث واصلا احتجاجهما في السجن قبل أن يطلق سراح أوزاكشا في أكتوبر ويتم وضعه قيد الإقامة الجبرية، في حين نقلت غولمان إلى منشأة صحية تحت الحراسة بسبب مخاوف بشأن صحتها.

يأتي هذا فيما لم يعد بمقدور أولئك الذين استهدفتهم حملة التطهير العثور على عمل في القطاع العام، كما أن الكثير من الشركات الخاصة باتت تتردد في توظيفهم خوفا من العواقب.

وهناك حالات كذلك حدث فيها اقتياد أمهات إلى السجن رغم أنه لم تمض سوى ساعات على وضعهن لأطفالهن، وحالات أخرى تم فيها القبض على كلا الوالدين، مما ترك رعاية أطفالهما للخدمات الاجتماعية في حين انتحر بعض المعتقلين في السجن.

أما المشتبه بهم الآخرون، وهم المتهمون في المقام الأول بالانتماء إلى شبكة غولن، فقد بحثوا عن طرق غير قانونية للهروب من البلاد، ولعل مأساة أسرة مادن التي غرق قاربها قبالة ساحل جزيرة ليسبوس اليونانية تمثل تذكرة مفجعة للتكلفة البشرية لهذه الحملة من القمع.

كان حسين مادن الذي يعمل مدرسا للفيزياء فى بلدة إقليمية فى منطقة البحر الاسود قد اتُهم بالانضمام الى شبكة غولن مع زوجته ودعم محاولة الانقلاب، وهو ما دفعه للاختباء هو وزوجته وأطفالهما الثلاثة ثم محاولة عبور بحر إيجه إلى اليونان في وقت لاحق على متن قارب مستأجر. لكن القارب غرق على بعد بضعة أميال من الشاطئ وجرفت الأمواج جثث أفراد العائلة إلى شواطئ ليسبوس.

تسلط هذه الحوادث وغيرها الضوء على سلطوية الأنظمة الاستبدادية التي يتحدد مدى قوتها بمقدار سيطرتها على أجساد مواطنيها، وحملة التطهير التي يشنها إردوغان تتبع مبدأ مشابها لتأديب العامة ومعاقبتهم مما أدى إلى نبذ الآلاف من الأشخاص اجتماعيا دون أدنى أمل في حياة أفضل لهم في المستقبل.

وبالتالي، فإن إضراب غولمان وأوزاكشا عن الطعام يشكل فعلا مضادا يسعى إلى رفض سيطرة الدولة على جسديهما وهدم سياسة إردوغان الساعية إلى التحكم في مصائر الأفراد عن طريق التحكم في أجسادهم.

ومطالبهم واضحة: العودة إلى التدريس ووضع حد لحملة التطهير التي تستهدف الأكاديميين غير المرتبطين بمحاولة الانقلاب.

ومع ذلك، تصر السلطات التركية على وصم الثنائي باعتبارهما محرضين يساريين متطرفين ورفضت سماع مطالبهم.

ويقول الأطباء إنه لم يبق سوى القليل من الوقت قبل أن يتحول الثنائي إلى كومة من الجلد والعظم وحتى لو أنهيا إضرابهما الآن فإنهما سيعانيان من مشاكل صحية لا رجعة فيها.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: