عيسى سيران
يونيو 01 2018

نوري بلجي جيلان.. مُخرج أم مُدرّس تمثيل؟

قد يكون نوري بلجي جيلان، أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما التركية الحديث، عاد إلى بلاده خالي الوفاض من مهرجان كان السينمائي. فهو لم يحصد أية جائزة عن أحدث أفلامه "شجرة الكمثرى البرية".
لكن هذا لا يعني أنه خسر كل شيء، إذ أنه حصد كل جائزة ممكنة من مهرجان كان عن كل فيلم أخرجه تقريبا. كما أن اسمه يُذكر جنبا إلى جنب مع جهابذة صناعة السينما من أمثال ياسوجيرو أوزو وأندري تاركوفسكي وإنغمار برغمان وعباس كيارستمي، وتُقارن أعماله الفنية بأعمالهم. دعك من البدايات والنهايات والنصوص والموسيقى، أو إخراج فيلم فيه قصة أو شخصيات؛ فنوري بلجي حتى إذا أقدم على تصوير رحلة لأسرته، هب نقاد أفذاذ من أمثال مانوهلا دارغيس وأنتوني لين وبيلجيه عبيري وكتبوا مقالات مطولة عن اختياره لزوايا التصوير وفحوى عمله. ويجب عليهم أن يفعلوا هكذا.
بداية هناك ملاحظة، وهي أنه بينما كان يُنظر إلى نوري بلجي في أعماله الأولى على أنه "هادئ" – إذ كانت أفلامه بالكاد تحتوي على أي حوار – فإنه يُخرج الآن أفلاما بها الكثير من "الثرثرة". ونجد شخصياته تجلس وتناقش موضوعات عميقة تدور حول الحياة والفن مستشهدة بنصوص مقدسة وأعمال أدبية بارزة. ويعد تطور حياة نوري بلجي السينمائية – التي بدأها كمصور فوتوغرافي مثل ستانلي كوبريك – مناقضا تماما للاتجاه العام لمخرجي الأفلام السينمائية. فالمخرجون الجدد عادة ما يفضلون في أعمالهم الأولى أن تشتمل تلك الأعمال على تكثيف في الحوار، وأن تكون الشخصيات معبرة عن مشاعرها وأفكارها، بدلا من استعراض ذلك من خلال السرد. وكلما نضج مخرج الفيلم السينمائي أكثر واكتسب المزيد من الخبرة، زاد الصمت وقلت الكلمات في أعماله. 

نوري بلجي جيلان.
نوري بلجي جيلان.

يقول نوري بلجي إنه لا يحب عملية الكتابة، وإنه يجد صعوبة أثناء الكتابة ولا يطيق الانتظار حتى الانتهاء من كتابة النص ليبدأ التصوير. فكتابة نص جامد كجمود الصخر لابد وأن تكون ضربا من ضروب العذاب بالنسبة له، ولابد من أن هذا أيضا هو السبب الذي يبقيه شديد الالتزام بكل كلمة في النص. ولقد رأينا في كواليس مشاهد "حدث ذات مرة في الأناضول" كيف كان نوري بلجي يعنّف تانر بیرسل – الفنان الذي لعب دور ممثل الادعاء – لأنه قال "هل يمكنه أن يقتُل" بدلا من أن يقول "هل يمكنه أن يتخلص من شخص ما"، ولأنه قال "فعلا؟" بدلا من "هل من الممكن ذلك؟". لا يرى تانر بیرسل اختلافا في المعنى، ونحن أيضا لا نرى هذا الاختلاف. لكن بالنسبة لصانع هذا العالم، فإن هذا خطأ لا يغتفر.

"حدث ذات مرة في الأناضول".
"حدث ذات مرة في الأناضول".

وفي الوقت الذي أصبحت فيه نصوصه تميل أكثر إلى أن تكون مثل الكتب، يمكننا أن نرى أن نوري بلجي صار يعمل أكثر فأكثر مع ممثلين محترفين، وربما يكون ذلك نابعا من الضرورة. وقد أسند أدوارا في "حدث ذات مرة في الأناضول" (عام 2001) و"بيات شتوي" (عام 2014) لممثلي مسرح مخضرمين يمكنهم أن يحفظوا نصوصا مكتوبة في ما لا يقل عن مئة صفحة ليلعبوا أدوارا درامية مثل أدوار الملوك والملكات والحمقى.
لكن للأسف كان نتاج هذا التعاون مخيبا للآمال كثيرا، خاصة "بيات شتوي". فبالنظر إلى فريق الممثلين الرائع الذي شارك في "بيات شتوي"، كان من المفترض أن يَخرج عمل درامي مثل ماغنوليا لتوماس أندرسون، يشبه ذلك النوع من الأوبرا التي تصعد بأرواحنا كأرجوحة تصل بها إلى عنان السماء تارة وتنزل بها لتلامس الأرض تارة أخرى فتمس كل عاطفة إنسانية بداخلنا. لكنه بدلا من ذلك خرج مثل موسيقى الحجرة. فقد كُبتت تماما وخُنقت كل المواهب القوية والقدرة على التصور والتخيل والطاقة التي يتمتع بها ممثلو الفيلم – هالوك بيلغينر و ديميت أكباغ ونادر ساريباجاك ونجات إسلر وتامر ليفنت وأيبيرك بيكجان و سرحات مصطفى كيليتش.

بيات شتوي.
بيات شتوي.

تكشف كواليس العمل على قناة نوري بلجي على موقع يوتيوب السبب في هذا، إذ كان يوجه ممثلي العمل كيف ينظرون، وكيف يلتفتون وكيف يقولون الكلام. وكان في معظم الأحيان يريهم بنفسه كيف تكون النبرة، ومتى يكون التشديد، وأين تكون السكنات في الكلام.
ونوري بلجي من نوع المخرج "المؤلف" من أمثال مايكل هاينيكي وبول توماس أندرسون وويس أندرسون، وكوبريك بالطبع. والمُخرج المؤلف يكون مدققا جدا ومبالغا في التأكد من أن كل ثانية تمر من زمن الفيلم متناغمة تماما مع العالم الذي نسجه في خياله ومتطابقة معه. هؤلاء المخرجون يتسمون بالخشونة في التعامل وسرعة الغضب والإلحاح والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، وهم ينشدون الكمال إلى درجة تجعل كل من حولهم يُفقد عقله.

ستانلي كوبريك.
ستانلي كوبريك.

يعلم جميع من يعملون مع ديفيد فينشر أنه يجعل الممثل يعيد المشهد الواحد 80 مرة إذا لزم الأمر حتى يحقق التصور الذي في مخيلته. لكنك أبدا لن تجده يقرأ نصا ما لممثل ويريه كيف يقوله بشكل دقيق. في المقابل نجد أن نوري بلجي مؤمن بفكرة النتيجة المباشرة؛ فهو إذا كان يريد من شخص ما أن ترتسم على وجهه ملامح الشعور بالمرارة، يتحقق هذا ببساطة من وجهة نظره بأن يصيح قائلا "هذا مرير!"، وهو في الحقيقة يفعل هذا. ففي منتصف أحد مشاهد "حدث ذات مرة في الأناضول" نجده يصيح بأعلى صوته في وجه محمد أوزونير – الذي مثل دور الدكتور جمال – قائلا "مرير"، فما كان من أوزونير إلا أن ارتسمت على وجه ملامح كالتي ترتسم على وجه طفل وهو يمص ليمونة.
إن فيلم "حدث ذات مرة في الأناضول" عمل فني متميز. وهو فيلم أراه جميلا ومختلفا، حيث يروى قصصا وقعت في الجبال والمنخفضات ذات الطبيعة الجغرافية التي نشأت وترعرعت فيها. ومن دون ازدراء لوجدان صانع الفيلم وفكره، يجب هنا أن أشير إلى أن العلاقة بين المخرج والممثل – خصوصا في الولايات المتحدة – قد تطورت، إذ إن الممثلين باتوا الآن جزءا لا يتجزأ من العملية الإبداعية من بدايتها. والممثلون الذين يأخذون أدوارهم بجدية يحددون بأنفسهم تفاصيل الشخصية التي سيمثلونها، بما في ذلك طريقة المشي والكلام والوزن والشَعر، فضلا عن متى يخرج منهم الكلام وكيف. أنا أتحدث هنا عن قدر أكبر من الشراكة بين المخرج والممثل في إنتاج العمل.
وصار الممثلون الآن في الولايات المتحدة "أعوانا". فهم يطلبون إشراكهم في العملية الإبداعية برمتها من لحظة الكتابة إلى المونتاج كشركاء في مشروع واحد. وبدلا من أن يصبحوا دمى في يد شخص مؤله، هم يسهمون بما لديهم من موهبة وتصور وفكر.
وبعيدا عن تمثيله لتركيا التي يحبها كثيرا في محفل دولي مثل مهرجان كان السينمائي الدولي بفيلمه، فإن نوري بلجي أحد المخرجين القلائل الذين تمكنوا من تقديم الممثلين الأتراك إلى العالم. وهو أستاذ يحظى بالكثير من الحب والاحترام، ونأمل في أن يظل يقص علينا حكايات كتلك التي نشأنا على سماعها في قرية صغيرة بالأناضول. وقد يكون نوري بلجي بحاجة أيضا إلى أن يثق أكثر بممثليه ويعطيهم حرية أكبر تسمح لهم بتقديم أداء استثنائي بصورة أفضل. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: