Ümit Kurt
سبتمبر 20 2018

هانز لوكاس كيزر: التاريخ التركيّ لم ينصف طلعت باشا

يرى المؤرخ هانز لوكاس كيزر المتخصص في الشؤون التركية أن التاريخ التركي لم ينصف الصدر الأعظم الراحل محمد طلعت باشا أو يعطيه المكانة التي يستحقها باعتباره مؤسسا مشاركا لتركيا الحديثة مع مصطفى كمال الذي يشار إليه دائما باعتباره مؤسس الجمهورية التركية المعاصرة وتم إطلاق لقب "أتاتورك" عليه والذي يعني "أبو الأتراك".

وفي مقابلة له مع "أحوال تركية"، استعرض أستاذ التاريخ الحديث المهتم بتوثيق السنوات الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية والسنوات الأولى للجمهورية التركية التي أقيمت على أنقاضها أحدث كتبه (طلعت باشا: والد تركيا الحديثة ومهندس الإبادة الجماعية) الصادر عن دار نشر جامعة برنستون.
ويكشف كيزر، الأستاذ في جامعات نيوكاسل وأستراليا وزيورخ والرئيس السابق لمؤسسة الأبحاث سويسرا-تركيا في مدينة بازل، في كتابه عن تفاصيل مثيرة عن حياة طلعت باشا وكيف ساهم، حتى ولو بشكل غير مباشر، في تشكيل جمهورية ناشئة تمكنت من الصمود في وجه تقلبات الزمن حتى يومنا هذا.

 

سؤال: ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب؟ ماذا كان الحافز بالنسبة لك؟
كان هناك دافعان رئيسيان لكتابة هذه السيرة. الأول هو أن محمد طلعت كان زعيما سياسيا مؤثرا في العقد الثاني من القرن العشرين، حيث قاد في هذه السنوات نظاما إمبراطوريا أحادي الحزب شكل علامة فارقة في التاريخ التركي. وبالتالي، ينبغي على جميع المهتمين بهذه المنطقة في التاريخ الحديث أن يعرفوه جيدا. ومع ذلك، من الغريب أنه لا توجد أي سيرة غير تركية لهذا السياسي النافذ. الأمر الثاني هو أن العقد الأخير من العصر العثماني وحروبه، بما في ذلك حروب البلقان والحرب الكبرى والإبادة الجماعية لعام 1915 والحرب من أجل السيطرة على آسيا الصغرى، كان له من الأثر العميق والمهم في عالم ما بعد العصر العثماني. 
ومع ذلك، فقد ظلت هذه الحقبة لفترة طويلة أشبه بـ"صندوق باندورا" الذي يخشى الجميع فتحه، حتى على الرغم من أن هذه الفترة تحتاج إلى توضيح ووصف نقدي شامل. ومنذ بدايات القرن الحادي والعشرين، وأنا أفكر في كتابة سيرة لطلعت باشا على أن تكون مرتبطة بسياقها السليم والملائم وأن توضح أبرز العوامل التي ساهمت في تشكيل هذا المسار الكارثي للتاريخ التركي، بعيدا عن الأفكار والمفاهيم المجردة.
لكنني كنت مترددا على الصعيد العاطفي بين مشاعري تجاه ضرورة الالتزام بواجبي المهني، أو بعبارة أخرى الشعور بأن هذا ما يجب القيام به في الوقت الحالي، وبين رغبتي في تقديم مواضيع يمكن أن تلقى قبولا أكثر.

 

سؤال: قد يعتقد البعض أنه في نظر العديد من المؤرخين، لا سيما بالنسبة لهؤلاء القادمين من تركيا والمتخصصين في التأريخ بشكله التقليدي، فإن النظرية التي تطرحها في كتابك تؤكد أن طلعت باشا، وليس مصطفى كمال أتاتورك، هو مؤسس تركيا الحديثة. ففي كتابك، أنت تدفع في الأساس (من خلال الإشارة إلى كتاب إرنست ياكخ "الهلال الصاعد") بأن إنجازات مصطفى كمال "قامت على أكتاف طلعت".  وكذلك، لماذا طلعت بالذات؟ لماذا ليس إسماعيل أنور باشا أو أحمد جمال باشا؟ ما الذي كان مميزا بشأنه في هذا الصدد؟ وما هو إرثه الذي مكّن مصطفى كمال من وضع أسس الأمة التركية الحديثة؟
الكتاب لا يقول أبدا إن طلعت، وليس مصطفى كمال، هو مؤسس تركيا الحديثة. أطروحة الكتاب هي أن كلاهما ساهم في ذلك. فتركيا المعاصرة تأسست ما بين 1913 و1938، والكتاب يشير بكل بساطة إلى أنه إذا ما حصرنا هذه العملية المعقدة في دور الشخصيتين الأكثر تأثيرا في هذا السياق، فسيعود الفضل في ذلك بلا شك إلى طلعت ومصطفى كمال. إذ تعاون الثنائي بشكل وثيق بين 1919 و1921. كما أن المؤرخين المهتمين بتوثيق الحقبة الكمالية لم يثيروا أبدا تساؤلات ناقدة أو يشيروا إلى شبهات بشأن طلعت وضياء كوك ألب، على النقيض مثلا من أنور باشا والعديد من قادة لجنة الاتحاد والترقي (الحزب السياسي للحركة الشبابية التركية الذي تولى السلطة في عام 1908). ومن الملائم أن نشير إلى نظام هذه اللجنة باعتبارها سلطة ثلاثية برزت معالمها في عام 1913، عندما استقر المقام بطلعت وأنور وجمال في العاصمة العثمانية وتم إرساء مبدأ حكم الحزب الواحد تحت قيادة لجنة الاتحاد والترقي، ولكن ليس بعد ذلك.
وبخلاف الآخرين، تمتع طلعت بمكانة نافذة في الحكومة وكذلك باعتباره زعيما للحزب في اللجنة المركزية للجنة الاتحاد والترقي، وكان يقيم في معظم الأوقات في العاصمة حيث تتمركز السلطة الناشئة حديثا وقتها. كما أتاحت له مهارته في استغلال نظام الحكم المزدوج أن يصبح أكثر من مجرد ترس في منظومة الحكم، وإنما بات العقل المدبر والقائد الفعلي للإمبراطورية العثمانية، حتى قبل ثلاث سنوات من ترقيته إلى منصب الصدر الأعظم في أوائل عام 1917.

 

سؤال: في هذا الكتاب، تقدم تحليلا أكثر تفصيلا عن لجنة الاتحاد والترقي، وبالأخص اللجنة المركزية. كيف تصف لجنة الاتحاد والترقي؟ أي نوع من التنظيمات السياسية كانت؟ وكيف تحدد مكانة طلعت داخلها؟ وماذا يعني استخدامك لمصلح "السجن الذهني للجنة الاتحاد والترقي" من الناحية التاريخية؟ وكيف يمكنك تصنيف شخص ما باعتباره "اتحاديا" أو بعبارة أخرى عضوا مواليا لهذه اللجنة قلبا وقالبا؟
لم تكن لجنة الاتحاد والترقي أبدا حزبا سياسيا بصورته التقليدية ولم يتسم بالشفافية يوما ما، وإنما ظل، إلى حد ما، تنظيما "ثوريا" بالاسم (وليس في الحقيقة) يعتمد على حياكة المؤامرات للوصول إلى أهدافه مثلما كان الحال قبل عام 1908، وكانت اللجنة المركزية التي تتسم بالسرية تلعب دور القيادة في هذا التنظيم، لكن كان هناك عدد قليل فقط من أعضائها يتمتعون بنفوذ طاغ وحصانة من التغيرات التي كانت تطرأ بين الحين والآخر على تشكيلة اللجنة المركزية. وبزغ طلعت بين هؤلاء الأعضاء كصاحب توجه ديمقراطي نسبيا في أعقاب ثورة تركيا الفتاة. ولكن بدءا من خريف عام 1912، هيمن على أفكار طلعت التطرف وأصبح أحد صقور الحرب داخل اللجنة بالتوازي مع اختياره كأول أعضاء اللجنة المركزية الدائمة. وتمكن بعد ذلك من انتشال الحزب من مستنقع الأزمات الذي وجد نفسه به في أعقاب انقلاب كان قد نجح في الإطاحة بلجنة الاتحاد والترقي بشكل مؤقت في يوليو 1912.
أما أيديولوجية "الاتحاديين" فيمكن تعريفها بأنها مزيج من الإيمان "الدارويني" الاجتماعي بحتمية العنف الذي لا يمكن تجنبه مع الحنين الإمبراطوري لشباب يعرّفون أنفسهم دائما بصفتهم أبناء خلافة أو سلطنة عظيمة تعاني من التدهور ويرغبون في إحيائها مرة أخرى.
وفيما يتعلق بالسجن الذهني، فأنا أعني به أغلال النزعة الانتقامية المسيطرة على هؤلاء الاتحاديين وعجزهم عن التفكير في المستقبل، لا سيما فيما يخص العقود الاجتماعية. ويمكن أن ينطبق مصطلح "الحنين الإمبراطوري" المذكور في الكتاب بشكل عام أيضا على نخب معاصرة غير عثمانية تتشارك مع الاتحاديين في نفس الاعتقاد حول إمبراطورية تركيا العظمى التي يجب أن تنهض مرة أخرى من الرماد.

 

 سؤال: هل ترى أي دور للإبادة الجماعية للأرمن وتدمير الآشوريين والتطهير العرقي لليونانيين العثمانيين في تشكيل وبناء الجمهورية التركية؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكنك أن تشير إلى دور طلعت في هذا الصدد؟ وفي هذا السياق، ما الذي أورثه لمصطفى كمال؟
تحتل الإبادة الجماعية بلا شك مركز الصدارة في سيرة حياة طلعت، وذلك بسبب جسامة أثرها في التاريخ البشري وأيضا على الحياة السياسية لطلعت. فعلى حد تعبير السفير الألماني فولف-مترنيش، كان طلعت هو "القلب والروح والعقل" للإبادة الجماعية للأرمن. فبعد قيادته لمفاوضات ما بعد حرب البلقان في أواخر عام 1913، شرع طلعت الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية آنذاك في تنفيذ سياسة "هندسة ديموغرافية واقتصادية" لتركيا مع التركيز على مناطق الأناضول، ودون التخلي عن هدف استعادة الإمبراطورية.
وبحلول عام 1918، ساهم طرد الروم و"إزالة" الأرمن وغيرهم من المسيحيين، وجميعهم كان يُنظر إليهم باعتبارهم أغرابا مثيرين للمشاكل والاضطرابات، في جعل الأناضول وطنا قوميا مسلما إلى حد كبير (أو ما عرف وقتها بموطن الأتراك). وعلى الرغم من عدم مشاركته في الإبادة الجماعية خلال الحرب العالمية، وصف مصطفى كمال هذه الوقائع بأنها "إنجاز" ينسب الفضل فيه إلى طلعت وقاد حملة للدفاع عنها بعد عام 1918. باختصار، بنى مصطفى كمال الجمهورية التركية على حجر الأساس الذي وضعه سلفه السياسي طلعت وبما يتوافق مع نظام إدارته الذي اعتمد بشكل كبير على ترسيخ حكم استبدادي أحادي الحزب ومركزي يستند إلى أغلبية المسلمين الأتراك في منطقة نجت إلى حد كبير من احتلال الأمم المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

 

 سؤال: في هذا الكتاب، تركز بشكل خاص على تأثير ضياء كوك ألب على طلعت ولجنة الاتحاد والرقي. كيف أثر ضياء كوك ألب على طلعت باشا؟ وما هي طبيعة علاقتهما؟ وهل ترى أي فرق بين تأثير كوك ألب على طلعت وبين تأثيره على مصطفى كمال؟
طلعت وكوك ألب كانا صديقين حميمين. وعلى مدار ما يقرب من عقد من الزمان، جلسا معا في اللجنة المركزية في لجنة الاتحاد، وكثيراً ما كانا يتناقشان بشكل خاص فيما بينهما. فعلى كل حال، كان كوك ألب الموجه الفكري للجنة والمسؤول الأول عن دعايتها الحربية الفعالة (للجهاد) ومنظر القومية التركية الإسلامية لقرن قادم. وعلى عكس حالة طلعت، لم يكن مصطفى كمال على معرفة وثيقة بكوك ألب. وكذلك، بعد هزيمة الدولة العثمانية في عام 1918، فقدت القومية التركية التي كان يروج لها كوك ألب رونقها وجاذبيتها، خاصة فيما يتعلق بالتوسع الاستعماري. وتخلى مصطفى كمال عن الإسلام كأساس للدولة التركية في أواخر عام 1923، ليهدم بذلك أحد أعمدة الفكر الاجتماعي-السياسي لكوك ألب في العقد الثاني من القرن العشرين.
ومع ذلك، حاول كوك ألب التكيف مع التغيرات الجديدة، شأنه شأن الكثير من أتباعه وزملائه، في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية والإحباط الذي أطفأ جذوة الحماسة التوسعية الذي كان يؤججها في النصف الأول من عام 1918، ليتمسح بتلابيب السلطة الجديدة في أنقرة. وفيما يخص الفلسفة السياسية، تشارك مصطفى كمال مع كوك ألب الإيمان بحتمية بناء وطن مترامي الأطراف للأتراك. فبالنسبة للثلاثة، طلعت وكوك ألب ومصطفى كمال، تعد الأمة التركية فكرة سامية ومطلقة لا يمكن الحياد عنها أو التفاوض بشأنها. وقد رفض الثلاثة جميع العقود الاجتماعية القائمة على المساواة التي جرى التفاوض بشأنها بين المجتمعات السكانية المختلفة في الأناضول. وخلال العقد الثاني من القرن الماضي، شدد كوك ألب على الروابط المجتمعية المتأصلة في الإسلام وما يعرف باسم الموطن الأصلي للأتراك باعتبارها الأساس الذي يتضاءل بجانبه أي عقد اجتماعي معاصر خاضع للتفاوض.
واستبدلت الكمالية الإسلام بالعلمانية، وخاصة ما يسمى بأطروحة "التاريخ التركي" لتبرير ملكية الأتراك الحصرية لأراضي الأناضول منذ قديم الزمن. وحولت هذه الأطروحة تركيبة كوك ألب الإسلامية القومية إلى مركزية علمانية مفرطة للأتراك في كل من التاريخ العالمي وتاريخ الأناضول نفسها. وأخيرا وليس آخرا، ساهم تمجيد الذات ذلك في منح تركيا مُسكنا مكنها من نسيان صداع الإبادة الجماعية.
وكانت "أطروحة التاريخ" تلك مؤشرا هاما على وصول المناخ السياسي والفكري في تركيا إلى طريق مسدود.

 

سؤال: ما أنواع المصادر التي استخدمتها لكتابة مثل هذا الكتاب الهام؟ لقد لاحظت أنك استخدمت العديد من مذكرات الاتحاديين مثل مذكرات جاويد بيه ولجأت إلى بناء نظرياتك على تلك المصادر؟ كيف تتعامل مع مسألة موثوقية هذه المصادر؟
استخدمت بالفعل يوميات جاويد بيه لكنني استعنت أيضا بعدد كبير من المذكرات. وما يميز هذه السيرة حقا هو استرشادها بيوميات المسؤولين الأتراك في ذلك الوقت، ولا سيما يوميات ثلاثة مسؤولين بارزين (جاويد ولويس رامبرت وحيري أفندي) حيث لم يجر الاستشهاد بها في السابق سوى في القليل من المرات لأنه لم يكن في الإمكان مطالعتها بالكامل إلا في السنوات القليلة الماضية.
وتقدم هذه اليوميات بشكل عام وصفا أكثر معاصرة ودقة للأحداث والمشاعر وعمليات اتخاذ القرار، حتى بالمقارنة مع المذكرات. علاوة على ذلك، اطلعت لكتابة هذه السيرة على الوثائق الصادرة من وزارة طلعت، وكذلك على الأرشيف الدبلوماسي لألمانيا والنمسا وفرنسا وبريطانيا وأرشيف صحف كانت تصدر وقتها بعدة لغات. كما استفدت من مصادر في الأرشيف الصهيوني في القدس، وبالطبع، طالعت أحدث أدبيات البحوث التي ركزت على أواخر العصر العثماني.
وحرصت بلا شك على تطبيق أساسيات كتابة التاريخ وإعادة النظر في الأحداث التاريخية، فنحن أمام مجموعة متنوعة من وجهات النظر وتشكيلة كبيرة من المصادر ذات المصداقية. لذلك، يجب أن نقرأ هذه المصادر التاريخية من منظور نقدي، إذا كنا نسعى فعلا إلى الخروج بدراسة متعددة الجوانب وذات أسس وتحليلات واضحة.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضا ً:

https://ahvalnews.com/ottoman-empire/talat-pasha-co-founder-modern-turkey-historian-kieser
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.