ilhan Tanir
نوفمبر 28 2017

هدم أركان الدولة التركية

الاحتجازات التعسفية في تركيا اليوم متكررة لدرجة أن قليل منها يلفت الانتباه العام.

وقع اثنتان من الحالات الملفتة للانتباه وهما احتجاز عثمان كافالا رجل الأعمال والنشط الحقوقي الذي يحظى باحترام وشعبان كارداش رئيس مركز أبحاث يسمى "أورسام" المعروف بدعمه التام لأسلوب حكم الرئيس رجب طيب إردوغان.

تنتشر تكهنات بأن حالتي الاحتجاز هما أولى خطوات يعتزم النظام تنفيذها في حملة صارمة ضد المجتمع المدني.

وقد يكون هذا التوقع تفاؤلا مفرطا.

الواقع أن الاحتجازات تشير إلى نظام لم يعد يرضى بمجرد شن حرب على من يرفعون أصواتهم بالاعتراض ومن تختلف تفضيلاتهم في نمط الحياة عنه لكن تشير إلى نظام يجرب بنادقه الآن في الفكر المنطقي نفسه حتى عندما يستخدم هذا الفكر في خدمة النظام.

هل يوجد تفسير لاحتجاز كارداش غير ذلك؟ ذلك الرجل الذي كرس طاقته لمهمة تلميع صورة النظام ليجد مقابل مجهوده جحودا.

هذه الاحتجازات تدل على نظام ترك "التسلط" وبدأ ينزل بنفسه إلى قاع "الشمولية".

 فالحكم السلطوي يمدح على الأقل الأفكار المنطقية لكنه لم يعد منزلا قابلا للاستمرار. المياه الجديدة ربما تبدو باردة وغير مقبولة. القواعد متزعزعة أيضا وربما لا يوجد مجال للعودة.

عندما يتنازل المرء عن التفكير المنطقي، فإنه سيتنازل أيضا عن الغايات التي يخدمها هذا الفكر. المناهج الدراسية تشعر بالفعل بهذا البرد. دروس العلوم تستبعد بشكل مطرد وتحل محلها دروس دينية. أيضا التاريخ يعاد تقديمه ليعرض نسخة من الأحداث تعتمد على الحاضر أكثر من الماضي. الحاضر الذي يلعب فيه إردوغان الدور القيادي.

القدرة على التفكير لم تعد مطلوبة. وغير مرحب بها بعد الآن لأن الفكر قد يؤدي إلى مناطق خطيرة.

لذلك المسألة لم تعد حاجة حالات إلقاء القبض والاحتجازات إلى أسباب. الاتهامات مجرد قطع من الورق مكتوب عليها بعض الكلمات.

الكلمات تملك الآن قيمة شكلية فقط، فهي تربط الاتهامات بفترة ماضية كان للكلمات خلالها غرضا عمليا.

حتى إن قدمت الكلمات معنى مبهما ثم رسم الاتهام بشكل غير ملائم: المعنى يكون دليلا على التفكير النقدي والتفكير النقدي يمكن تطبيقه على موضوعات مثل مراعاة استحقاقات النظام.

المتهمون الذين يتقدمون بأي رفض منطقي للتهم هم ببساطة يعلنون عن ذنوبهم. أما الدفاع فهو عبارة عن تمتمات وغمغمات تجذب على الأرجح إشفاق القاضي.

ربما يعاني النظام من جنون العظمة لكنه يائس أيضا. يبدو أنه مفلس من النواحي الروحية والأخلاقية والفكرية والمالية.

لا مجال للنقاش، والتفكير غير مستحسن والنقاش حتى المؤيد أصبح الآن هدفا.

حقيقة، النظام لم يعد لديه ثقة تذكر في دعائمه لدرجة أنه ترك التفتيش عنها. وبالتالي فقد قرر تحويل حتى أنصاره إلى أجهزة آلية تصفق وتومئ وتلوح بالأعلام.

يمكن ملاحظة ذلك عندما تحدث  إردوغان، الذي أصبح التزلف إليه وسيلة لإخفاء المشكلات، إلى أنصار حزبه المخلصين. فكلما أصبحت خطبه أشد تطرفا وتفككا كلما زاد مستوى السمع مما يعزز الدائرة.

الإرادة الوطنية، التي يعتمد عليها إردوغان كثيرا، والتي يفترض أنه يجسدها، أصبحت في وضع لا يقبل طرفين.

إن كانك إردوغان يجسدها بالكامل فلا يمكن لغيره أن يجسدها معه. لذلك فإن أي فكر تهديد لتجسيده لهذه الإرادة . وما على الناس إلا التأييد دون أي تفصيل أو تبرير.

هذا هو المستوى الذي تتجه إليه تركيا التي يحكمها نظام لم يعد يخفي طبيعته التي تخدم أغراضه فقط وطمعه وفساده ولذلك أعلن الحرب على الملكات الفكرية التي تسمح للناس بإصدار مثل هذه الأحكام.

يفتقر إردوغان والموالون له إلى المهارة. إنهم يتبعون مسارا يؤدي إلى مكان ما مثل كوريا الشمالية وهي بلد شديد التنظيم لكنه يضعف شعبه ويرأسها نظام شديد القسوة والحمق.

حتى تصل إلى ذلك المستوى، يبنغي لأي بلد أن تستنفد نفسها بالكامل تقريبا حتى تكبح إمكاناتها. لكن أمنحوا النظام التركي وقتا كافيا، سجون كافية وإهمال كاف وربما ينجح.

إن وصلت تركيا إلى هذا الوضع، فلن تكون مجرد دولة فاشلة، لكنها ستكون "دولة زومبي" شبه دولة يعيش عليها شبه مجتمع: محارة صلبة تحتوي وترعى وتحفظ داخلها "لا شيء".

في المقابل، مسارعة النظام نحو "الشمولية" ربما تشير إلى أنه يخرج عن مساره. مزيد من الإجراءات القاسية بدلا من ضبط الأجندة ربما تكون ردود فعل لتعثر لم يتم السيطرة عليه ومحاولات لتجاوزه.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: