جان تيومان
يونيو 09 2018

هروب 2 مليار دولار في 5 أيام من تركيا وسط تهافت على سحب الودائع

 

"Bank Run" هو مصطلح من بين 1500 مصطلح آخر هي الأكثر انتشارًا في القطاع المصرفي في أوروبا، ويقصد به "السحب غير الاعتيادي للودائع". يتكون هذا المصطلح الإنجليزي، كما هو واضح، من كلمتين؛ الأولى بمعنى مصرف، والأخرى بمعنى الركض، أو الهروب، ويقول الخبراء أن هذا المصطلح هو أبلغ تعبير عن الانهيار في النظام التمويلي في بلد ما.
يُعبر هذا المصطلح كذلك عن حالة تكالب المودعين على البنوك من أجل سحب ودائعهم وما يترتب على ذلك من حالة من الفوضى في هذه البنوك تؤدي بدورها إلى خلل في النظام المصرفي بأكمله، بل قد يتطور الأمر وتتعثر بعض من هذه البنوك في سداد هذه الودائع.  وقد رأينا مثالا واضحا لذلك في أميركا عام 1929 عندما انتظر المواطنون في طوابير طويلة أمام البنوك في شوارع نيويورك لسحب ودائعهم من تلك البنوك... 
وفي الإطار نفسه كشفت البيانات التي أعلنها البنك المركزي التركي يوم الخميس الماضي عن حجم الأزمة التي يعانيها الاقتصاد التركي خلال هذه الفترة، وما عكسته من ضعف الثقة في أدائه.
ووفقا لهذه البيانات، فقد أحدث الخطاب الذي وجهه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المستثمرين الدوليين في لندن هزة عنيفة انعكست سلبا على قيمة الليرة التركية التي ارتفعت إلى 4.92 مقابل الدولار الواحد، كما شهد النظام المصرفي زلزالًا عنيفا في الميزانية العمومية. ونجم عن هذه الصدمة تسارع عدد كبير من المودعين بالليرة التركية إلى سحب نسب كبيرة من ودائعهم، وتحويلها إلى عملات أخرى غير الليرة التركية، وبالتالي فقد القطاع المصرفي التركي هذا القدر الهائل من النقد.
وتشير الأرقام الواردة في البيان الأسبوعي للبنك المركزي التركي إلى تناقص حجم الودائع بالليرة التركية في القطاع المصرفي إجمالاً خلال خمسة أيام عمل لتصل إلى 20 مليار ليرة تركية، بما فيها الودائع الحسنة "المعفية من الفوائد".
لقد فقد القطاع المصرفي بهذا الانسحاب ما يقرب من 2 بالمائة من إجمالي الودائع بالليرة في المصارف التركية؛ حيث انخفضت الودائع في 25 مارس إلى 992 مليار ليرة تركية بعد أن كانت 1 تريليون و12 مليار ليرة في 18 مارس. وكان لتحمل المودعين جزاء الحرمان من الفائدة بالنسبة للحسابات محدودة الأجل (الودائع المحددة بأجل) أهمية أخرى حملها تقرير البنك المركزي.
فسَّر لنا هذه الأرقام أحد مديري الخزانة في بنك من البنوك التركية بقوله "أقبل العملاء على شراء العملات الأجنبية بشكل لافت للغاية في الوقت الذي ارتفعت فيه عمليات السحب من الأرصدة سواء أكانت بالليرة التركية، أو بأي من العملات الأجنبية الأخرى وهو ما يسمى في لغة القطاع المصرفي بالطلب، أو الخروج الفعّال. أردنا تهدئة العملاء في فرع مصرفنا بقدر الإمكان لحثهم على تأجيل عمليات السحب لفترة أخرى".
يعبر مفهوم "الخروج الفعّال" الذي استخدمه هذا المصرفي عن الأموال المنقولة خارج فرع من الفروع المصرفية بشكل نقدي مع صعوبة تحديد موعد لعودتها مرة أخرى، أو على حدّ تعبير العامة أموال "تحت الوسادة" الذي يعبر هو الآخر عن خروج الأموال من النظام المصرفي الخاص، أو التابع للدولة.
وتؤكد بيانات البنك المركزي صحة زعم صديقنا المصرفي؛ حيث ارتفعت قيمة الودائع بالدولار الأميركي بقيمة 2.5 مليار دولار بما يعادل 11.5 مليار ليرة تركية وهي جزء فقط من مبلغ 20 مليار ليرة تركية الذي جرى سحبه من الودائع بالليرة التركية.  أما مبلغ 8.5 مليار ليرة المتبقية فلم يعد لها وجود في النظام المصرفي بصفة عامة. ويقترب المبلغ المذكور من ملياري دولار حسب متوسط سعر صرف الليرة الذي بلغ 4.63 مقابل الدولار في ذلك الأسبوع.
تحدثنا في هذا الموضوع كذلك مع مسئول سابق في هيئة سوق رأس المال الذي لفت الانتباه إلى المحاولات التي قامت بها الدولة طيلة 35 عاما الماضية لتعزيز الاقتصاد بما يعرف بأموال "تحت الوسادة"، وأضاف بقوله:
"أود في البداية أن أؤكد أن الودائع الموجودة في تركيا أقل من القروض الائتمانية التي تمنحها البنوك؛ لهذا السبب نلجأ إلى الاستدانة من الخارج. رأينا خلال فترة التسعينيات هروبا مماثلا للنقد من البنوك التركية. ولكن كان الأمر مختلفا تماما حينها من ناحية المستوى التكنولوجي في الفترتين؛ كان المواطن التركي يسحب وديعته من بنك، ويقوم بإيداعه في البنك المجاور له؛ أي أن الأموال لم تكن تغادر القطاع المصرفي، وسواء أكان هناك أموال في النظام المصرفي، أو كان هناك هروب للودائع، فالأمر لن يختلف إذ يمكنك أن تقوم بنشاط مثل الاقتراض من البنوك الأخرى، ولست مضطرا كذلك إلى أن تغلق قروضك. لكن هذا ليس هو الحال الآن؛ حيث صار في إمكان الجميع أن يقوموا بإيداع أموالهم عن طريق الإنترنت. وبعبارة أخرى، لم يعد هناك ما يسمح بتحويل الودائع بين البنوك بالشكل الماضي. وهذا خطير جدا!''
تمنح البنوك التركية ما قيمته 145 ليرة تركية قروضا عن كل 100 ليرة تركية يتم إيداعها في شكل "ودائع مصرفية"، وقد أعطت التطورات الأخيرة التي يشهدها الاقتصاد التركي إنذارا باحتمال تعرُّض ادخارات المودعين لخطر كبير. وأدى التناقص الكبير في حجم الودائع والذي بلغ 20 مليار ليرة تركية إلى التفكير جديا في إغلاق قروض ائتمانية بقيمة 29 مليار ليرة، أو البحث في إيجاد وسيلة أخرى لتمويل هذا النقص الذي يعادل 1.95 بالمائة من إجمالي القروض في تركيا.
من ناحية أخرى، تلعب القروض، بالليرة التركية، الدور الرئيس في تمويل المستهلك، والتجارة اليومية. وفي الوقت الذي حظرت فيه تركيا، منذ عشر سنوات، على المستهلكين الاقتراض بالعملات الأجنبية، نجد أن نطاق هذا الحظر قد اتسع في العام الجاري ليشمل قطاع الشركات في محاولة من الدولة للحد من الاقتراض من الخارج بالعملة الصعبة. 
جاء في المادة الرابعة من تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر الشهر الماضي بعد جولة من المحادثات؛ تخطط الدولة التركية، بعد انتهاء الانتخابات، إلى الحد من اقتراض البنوك، والشركات بالعملات الأجنبية. لهذا السبب، تحمل الودائع بالليرة التركية أهمية كبيرة بالنسبة للقطاع المصرفي في تركيا؛ لأنها تعد المصدر الأساسي للقروض بالعملة المحلية عندها.  
تحاول البنوك جذب المودعين بدفع الفائدة على نسبتها في سندات الخزينة طويلة الأجل من أجل الحفاظ على هذا المورد المهم في هيكلها الخاص. ووفقا لبيانات البنك المركزي، فقد بلغ متوسط الفائدة السنوية المدفوعة من قبل البنوك على الودائع، بالليرة التركية، في نهاية شهر مارس نسبة 14.1٪، في حين حققت أذون الخزانة المحدودة بمدة سنة واحدة، عن نفس الفترة، نسبة 13.1 ٪ بما يعادل نقطة واحدة.
وفي الوقت الذي يتسع فيه الفارق بشكل أكبر، نجد أن معدلات الفائدة على القروض السنوية قد تخطت نسبة 25 بالمائة بالنسبة للشركات التي لم تقترض من البنوك، وتتمتع بمصداقية كبيرة في السوق التركي بسبب الزيادة المفرطة في التكلفة على الودائع بالليرة التركية. ووصل قطاع تحصيل الديون، الذي يحتل حجمًا كبيرًا في التجارة اليومية، نسبة 30٪.
حسنا، ولكن ما السبب وراء خروج هذه الودائع من القطاع المصرفي بهذا الشكل الكثيف؟ كان تعليق وكالة فيتش، الصادر مساء الجمعة الماضية، بشأن خفض التصنيف الائتماني ﻟ 25 بنكا تركيا، واحدًا من أهم التعليقات، وأكثرها لفتا للانتباه حول هذا الموضوع؛ حيث كشف التقرير المبدئي للوكالة أن تطبيق عنصر تحكم رأس المال في تركيا كان من بين الأسباب التي أدت إلى هذه الأزمة. أو بعبارة أخرى أن المخاطر هنا تكمن في عدم تمكن المودعين من سحب أموالهم من البنوك في أي وقت.
جاء تصريح وكالة فيتش ليثبت أن الحديث عن التحكم في رأس المال في تركيا الذي أثار ردود أفعال متباينة عقب تصريح للرئيس التركي أردوغان في ديسمبر من العام الماضي حين قال "الخائن، هو الذي يقوم بتهريب أمواله خارج الوطن" قد صار للمرة الأولى أمرا خطيرا يجري الحديث عنه على المستوى العالمي. وخَلُصَت الوكالة في تقريرها إلى النتائج التالية:
قال المسؤولون الأتراك، بما في ذلك نائب رئيس الوزراء محمد شِيمشَك، إنه لا يمكن الوفاء بمثل هذه الضوابط. ومع ذلك، لم يعد هناك احتمال لأي نوع من التدخل قد يعرقل فرص البنوك في الوفاء بالتزاماتها من القروض الخارجية في حالة وجود خلل ملموس في التمويل الخارجي.
وعلى الرغم من أن تدخلا كهذا قد ينطوي على مخاطرة كبيرة، إلا أننا في وكالة فيتش سندرس مجددا ما إذا كان التصنيف أقل من مجرد احتمال حدوث عجز سيادي عن سداد الدين أم لا. 
خلاصة القول، تخبرنا وكالة فيتش أن الشكوك لا تزال موجودة على الرغم من تصريحات الرئيس التركي أردوغان في لندن، وتصريحات الحكومة عن زيادة نسبة الفائدة. وتؤكد أن تصرفات المستثمرين الأتراك هي أبلغ دليل على استمرار وجود مثل هذه الشكوك في أداء الاقتصاد التركي.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/sicak-para/bank-run-5-gunde-2-milyar-dolar-bankalardan-kacti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.