تانير أكشم
نوفمبر 24 2017

هل أزمة تركيا مع الناتو أم في تحالفها الغربي؟

هل كانت مصادفة أن يوصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ومؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك بالعداء لحلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال مناورات الحلف في النرويج؟ أم أن ذلك كان في إطار عملية لطرد تركيا من التحالف الغربي؟

الإجابة لا نعلمها بشكل دقيق حتى الآن.

لكن ما نعلمه هو أن الإعلام الغربي رسم لإردوغان صورة "ديكتاتور كاره للقيم الغربية" خاصة منذ أحداث الربيع العربي.

لا يخفى على متابعي الصحافة الغربية الأجواء الأيدولوجية الثقافية التي يقف فيها دعاة الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان في جانب مقابل نظام إردوغان بتوجهاته السلطوية بل الاستبدادية.

ويجدر القول كذلك إن حكومة إردوغان مسؤولة جزئيا عن مثل هذه الأجواء.

فالبادي الآن هو أننا على أعتاب المرحلة النهائية لهذا التضاد حيث تميل الرسالة الغربية أكثر فأكثر باتجاه اعتبار الحكم في تركيا "نظاما تتعرض فيه القيم الديمقراطية لاعتداءات ولا مكان له في العالم الغربي".

قد يحتج أحدهم بالقول إن هذا التوصيف من قبل الدول الغربية ليس مرجعه احترامها للديمقراطية وحقوق الإنسان بل تطلعاتها الاستعمارية. في رأيي أنا فإن السبب الرئيسي وراء هذا التوجه الغربي، الذي أعرفه بمصطلح "الاستعمار الليبرالي" هو الصراع الاستعماري القائم على النفوذ في الشرق الأوسط.

إنها حروب قوة ونفوذ وسيطرة على موارد الطاقة في الشرق الأوسط و"القضايا الأمنية" المرتبطة بها. ومن الواضح تماما أن الحرب هنا لا تدور بين "أطراف راغبة في الديمقراطية وحقوق الإنسان وآخرين يفضلون ديكتاتورية الشر".

وفي المحاور التي تتشكل اليوم أبلغ دليل على ذلك: السعودية وإسرائيل ومعهما دعم علني من الولايات المتحدة (وعلى الأرجح مصر أيضا شيئا فشيئا) مقابل روسيا ومعها إيران وتركيا على الطرف الآخر.

مواجهة تذكر بوضوح بتكتل القوى عام 1918.

لهذا السبب فإن تبني الحكومة التركية لقيم الأتاتوركية والكمالية ليس مصادفة. فللموقف الذي اتخذه مصطفى كمال في أعقاب الحقبة الاستعمارية في 1918 دلالة رمزية مهمة في تركيا اليوم وهي دلالة لا تقتصر على إردوغان وحزبه الحاكم، العدالة والتنمية، بل تمتد لتشمل الشعب التركي بأكمله.

تكاد تكون معاداة الاستعمار موقفا أصيلا للشعب التركي. والاعتقاد بأننا انتزعنا وجودنا الوطني عبر حرب "أكون أو لا أكون" ضد الغرب هو شيء أشبه "بدماء نبيلة تسري في عروقنا". هذا أمر واقع عن الشعب التركي باختلاف المواقف السياسية، لليمين أو لليسار، للتيار الإسلامي أو العلمانية.

ومن السهل تخمين كيف سيصور إردوغان وحزبه الأزمة الأخيرة مع الناتو في هذا السياق. والأهم أن المعارضة لا تملك تصورا مغايرا لتقديمه في هذا الإطار الأيدولوجي الثقافي.

أتحدث هنا عن إطار أيدولوجي ثقافي كبير ينخرط فيه قطاع غير هين من المجتمع التركي. ومن الصعب رفض مفهوم أن "تركيا تحارب الأهداف الاستعمارية للغرب" في تركيا.

فحين خاض حزب العدالة والتنمية وإردوغان مواجهة ضد الجيش لجأ المدافعون عن وصاية الجيش لاستخدام عبارات من قبيل "حرب التحرير الوطنية الثانية" و"الثوار الأتراك".

من وجهة نظر هؤلاء، الذين تكتلوا حول حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي، فإن تركيا كانت تحت حصار، خارجي وداخلي بينما اعتبر حزب العدالة والتنمية امتدادا للاستعمار الأمريكي والغربي بالنظر لمساعيه للإطاحة بالجمهورية العلمانية التي أسسها أتاتورك من خلال استدعاء حكم الشريعة الإسلامية.

دُعي الشعب التركي للمشاركة في "حرب التحرير الثانية" تحت شعار نصر "الثوار الأتراك" في مواجهة مخاطر الشريعة.

ومع قيام انتفاضات الربيع العربي تبنى حزب العدالة والتنمية الشعار ذاته: "تركيا تحت الحصار".

يجدر هنا التذكير بتسريبات لمحادثات سرية بين قادة حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، وباحتجاجات ساحة غيزي عام 2013 وبتحقيقات الفساد في ديسمبر من نفس العام باعتبارها كلها أحداثا مهمة للتدليل على هذا الحصار داخل تركيا.

في الوقت ذاته فإن احتجاجات 2014 ضد حصار تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة عين العرب/كوباني السورية التي تسيطر عليها تركيا وإعلان حزب العمال الكردستاني عن مناطق محررة في تركيا في 2015 والدعم الأمريكي للقوات الكردية السورية باعتبارها كلها أحداثا مهمة للتدليل على هذا "الحصار الدولي".  أما محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو 2016 فكانت نقطة التقاء لوجهي الحصار هذين: محليا ودوليا ضد تركيا.

مرة أخرى تواجه تركيا حرب "أكون أو لا أكون". ولهذا السبب من الضروري تنظيم "حرب استقلال ثانية" نخوضها تحت شعار "الروح الثورية". وأقترح هنا تفسير تبني حزب العدالة والتنمية للقيم الأتاتوركية والكمالية في ضوء هذه الأجواء الأيدولوجية الثقافية.

هذه الصورة بالذات هي العقبة الرئيسية والمعضلة التي تقف أمامها تركيا اليوم. فالحكومة والمعارضة كلاهما يغذي نفس المسار الأيدولوجي الثقافي ليغيب لذلك أي كيان سياسي مدافع عن استمرار تركيا في التحالف الغربي وعضوية الناتو.

هذه معضلة رئيسية أمام الحركات اليسارية التركية التي أسست وجودها على معارضة الناتو.

من بوسعه الدعوة لتأييد البقاء في الناتو وفي التحالف الغربي؟ هذا سؤال صعب يستحق التدبر.

والقضية الأساسية هنا هي تلك (الحروب الثقافية) في تركيا حيث يبدو أن أحد الأطراف يقف أعزل بلا مؤيدين.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: