هوارد ايسينستات
فبراير 06 2018

هل ارتفاع عدد الضحايا سيُضعف أردوغان؟ لا وهذه هي الأسباب

توجد أسباب وجيهة تشكك في جدوى الحملة التركية في عفرين السورية: فهي تعرض العلاقات مع الولايات المتحدة للخطر، وتضع الجنود الأتراك تحت رحمة الحسابات السياسية قصيرة الأجل لدمشق وطهران وموسكو، وتقوي الحركات السلفية-الجهادية التي تتعارض أهدافها وطموحاتها على المدى الطويل مع أهداف وطموحات حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وتزيد الحملة أيضا من المرارة التي يشعر بها نحو نصف الأكراد الأتراك الذين تمثل لهم الهوية الكردية أهمية كبيرة كما تمنح الجماعات المسلحة بعض التعاطف على الأقل.
والمخاطر الإستراتيجية للحملة كبيرة على المدى الطويل، لكن على المدى القصير فقد حققت بعض النجاح خاصة في إجبار الولايات المتحدة على أخذ المخاوف التركية المتعلقة بوحدات حماية الشعب الكردية في عفرين على محمل الجد، ودفع واشنطن إلى التحكم بدرجة أفضل بعملية اتخاذ القرار لديها فيما يخص سوريا.
أما على الساحة السياسية، فإن الحملة حققت بالطبع نجاحا مدهشا، فقد منحت قوة جديدة لحملة التطهير التي يشنها الرئيس رجب طيب أردوغان على معارضيه، كما عززت أسلوبه السياسي. 
القوة في مواجهة حزب العمال الكردستاني، والوقوف في وجه الولايات المتحدة ربما يكونان أكبر عملين شعبيين يمكن لأي زعيم سياسي تركي القيام بهما، فقد أمسك أردوغان بالراية القومية وأحكم قبضته عليها. ولا مجال أمام خصومه المفترضين للقيام بشيء يذكر.
ميرال أكشينار، التي تحدت أردوغان، لم يسعها سوى دعوة الرئيس إلى المزيد من التهور؛ إذ طالبته بإغلاق القواعد الأميركية في تركيا ومهاجمة منبج على الفور. فهي تبدو الآن مثل كتاب الأعمدة المتطرفين في صحافة حزب العدالة والتنمية.
حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي يدعم الحملة أيضا. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تبجيل الجنود وخاصة الذين قتلوا "شهداء" في العمليات يتخطى حدودا سياسية في معجم لغة حزب الشعب (حيث أصبحت الحركة الصغيرة المعارضة للحرب صامتة بالقوة سواء بسبب نقص الحريات الصحفية أو بسبب موجة جديدة من الاعتقالات التي أسفرت عن مثول أكثر من ثلاثمائة شخص أمام القضاء).
وتساءل البعض، هل العدد المتزايد للقتلى في عفرين يمكن أن يغير هذه الحسابات ويجعل العملية خسارة سياسية لأردوغان. والإجابة بشكل شبه مؤكد "لا".
والسبب أولا هو أن تركيا لم يعد بلدا يمكن فيه مناقشة القضايا القومية المهمة بشكل علني. إن سيطرة أردوغان على الإعلام وخاصة الإعلام المرئي والمسموع تعني أن الحكومة ستكون متحكمة في كيفية رؤية الناس لأي زيادة في عدد الضحايا.
إن سرعة الحكومة في التحول إلى تنفيذ حملة تطهير بحق معارضي الحرب خلال الأسبوعين الماضيين تذكير محزن بمدى استعدادها وقدرتها على استهداف المعارضين.
وبالنظر إلى حالة الطوارئ وسجل الحكومة الذي يحتوي على حملات تطهير متعاقبة، يجد المرء صعوبة في تصور موقف لا يخلو من سحق معارضي أي عملية عسكرية.
الأمر الثاني، وربما يكون الأهم، هو أن التجربة أثبتت أن الضحايا في عملية عسكرية لم يتسببوا في تكاليف سياسية بل ربما منحوا الحكومات التركية مكاسب سياسية متراكمة.
في التسعينيات، عندما عشت لأول مرة في تركيا، اندهشت من انفصال معظم الناس في المدن الكبيرة عن الحرب التي كانت تستعر في الشرق. وحتى في ذلك الوقت كان أي نقاش عن "حل عبر التفاوض" من بين "الموضوعات المحرمة".
أما العائلات التي تأثرت مباشرة من الصراع فكانت تلزم الحداد في صمت، وباقي أفراد المجتمع كانوا يركزون على أمور أخرى.
ربما يشير المرء هنا، بدرجة أكبر جزما، إلى التجاوب العام الواسع بعد عودة الصراع مع حزب العمال الكردستاني عام 2015. ففي هذه المدة القصيرة أحصت مجموعة الأزمات الدولية وفاة أكثر من ثلاثة آلاف شخص في الصراع داخل تركيا منهم 437 مدنيا وأكثر من ألف فرد من قوات الأمن.
في معظم الحالات، تقبل أفراد الشعب التركي هذا العدد الرهيب وهم يتألمون في صمت.
ذكر مشروع مهم قائم حاليا للباحث السياسي ريسول أوميت أن الحكومة جمعت مكاسب سياسية من دفن أفراد قوات الأمن "الشهداء" رغم توضيحه أن الفوائد تقل كلما ازداد عدد الضحايا.
بالطبع ساعدت حملة التطهير ضد حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وضد معارضي الحرب حاليا في إسكات المعارضة. لكن الحقيقة الصعبة هي أن قبول باقي المعارضة لهذا التطهير تشير إلى حقيقة أكبر وأشد كآبة وهي أن "الإجماع الوطني" المؤيد لاستمرار العمل العسكري لا يزال قويا وذلك رغم عقود من الفشل وعشرات الآلاف من الوفيات.
ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن حملة عفرين ستكون استثناء من هذه الحقيقة الأساسية. ومهما كانت الأسباب التي دفعت تركيا إلى توغلها الأخير، فلا شك أنه (العمل العسكري) كان مكسبا سياسيا خالصا للرئيس أردوغان. وتزايد عدد الضحايا لن يغير ذلك.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/syria-turkey/will-mounting-casualties-weaken-erdogan-politically-no-and-heres-why