يناير 14 2018

هل ان تركيا هي بطل الصحافة بحق كما يزعم اردوغان؟

دفعة واحدة ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان امام وسائل الاعلام معلنا أن تركيا هي بطل حرية الصحافة ، وذلك في بيان صدر بمناسبة يوم الصحفيين.
وقال أردوغان في بيان رسمي" اليوم، تركيا هي إحدى الدول الرائدة عالميا فيما يتعلق بحرية الصحافة وفي أحدث تقنيات التواصل وفي وسائل التواصل الاجتماعي وفي صحافة الإنترنت".
وجاء في بيان اردوغان أن الشعب له الحق في تلقي" أنباء سريعة ودقيقة وحيادية" ويجب على المنظمات الإعلامية أن تكون قادرة على نشر تقاريرها " من دون التعرض لأي قيود".
تأتي تصريحات اردوغان لتناقض تماما ما هو قائم على الأرض من حقائق مؤكدة فبموجب حالة الطوارئ المفروضة بعد انقلاب عام 2016 ، تم سجن أكثر من 165 صحفيا ،من بينهم العديد من المراسلين والصحفيين الأجانب.
ولم يتحدث اردوغان في معرض نشوته العارمة بصحافة يتخيلها لماذا اغلق هو العشرات من المنافذ الإعلامية ولماذا تم  سجن 50 ألف شخص وأقيل 150 ألف شخص من وظائفهم.
ولم يناقش اردوغان لماذا جرى إدراج تركيا في المرتبة الـ155 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمية لعام، 2017 الذي تعده منظمة مراسلين بلا حدود.

يتجاهل اردوغان الحقائق على الارض حيث غصت السجون التركية بسجناء الرأي وفي مقدمتهم الصحفيون
يتجاهل اردوغان الحقائق على الارض حيث غصت السجون التركية بسجناء الرأي وفي مقدمتهم الصحفيون

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من جانبها وفي تصريحات سابقة أعلنت حرية الصحافة في تركيا بشكل خاص مهددة على نحو غير مسبوق.
وقال مفوض شؤون حرية الصحافة لدى المنظمة، هارليم ديزي، إن هناك محاولات لإسكات الكثير من الأصوات الناقدة في تركيا بقدر الإمكان تتم تحت ستار مصالح مزعومة للأمن القومي.
وبحسب بيانات المنظمة، فإن عدد الصحفيين الذي يقبعون في السجن داخل الدول الأعضاء في المنظمة يزيد عن 170 صحفيا، معظمهم في تركيا، مثل مراسل صحيفة "فيلت" الألمانية دينيز يوجيل.
تجدر الإشارة إلى أن المنظمة تضم 57 دولة.
وأضاف ديزير أنه لا يوجد أساس للدعوى ضد يوجيل، موضحا أنه على اتصال بالسلطات التركية وطلب الإفراج عن يوجيل، وقال" لا أريد أن يُتخذ صحفي كرهينة للمفاوضات بين الدول. الصحفيون ليسوا ممثلين لدولهم".
يقول الباحث محمد زيدان" يحرّم على الصحفيّ التركيّ انتقاد حكومته أو محاولة كشف الستر عمّا يحصل في بلاده من انتهاكات لحقوق الإنسان أو فساد أو تضييق على الحريّات أو مخالفات لأحكام الدستور أو تجاوز للصلاحيات".
ويضيف"  يحرّم عليه أن يستقصي عن أمور هي في نظر الدولة خطّ أحمر لا يمكن تجاوزه تحت مسوّغات عديدة لا يصعب على القارئ العربيّ تسميتها: مكافحة الإرهاب، والأمن القوميّ، والسيادة الوطنية، وإطالة اللسان، وغير ذلك مما تتقن الدولة الحديثة استخدامه من ذرائع".

جان كلود يونكر وجه انتقادات حادة لتركيا بسبب سجلها الحافل باضطهاد الصحافة
جان كلود يونكر وجه انتقادات حادة لتركيا بسبب سجلها الحافل باضطهاد الصحافة


إن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لن تشهد تقدما ما دامت تركيا تسجن صحفيين.


رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر
 

ويذهب المرصد الدولي للحريات الصحفية  إلى أنّ ممارسات الرئيس التركيّ الحاليّ، خاصّة منذ التسريبات المتعلقة بتهم فساد تطال أفراد من حكومته ومقربين إليه، لا يمكن وصفها سوى بأنّها معادية لكشف الحقائق، والذريعة الأكثر شيوعًا بيد الرئيس وأجهزة الدولة هي: الإرهاب، التجسس، إهانة الدولة، التشهير وهلمّ جرًّا.
 ويخلص الباحث محمد زيدان" انه لم يعد الأمر متعلقًا بتلك الحساسية المفرطة تجاه أيّ نقد إعلاميّ، بل صارت سياسة أردوغان شخصيًا، هي إعادة تشكيل المشهد الإعلاميّ في تركيا بحيث يكون الحديث عن الرئيس وتحركاته مغلّفًا دومًا بالخوف والحذر من قبل الصحفيين، الأتراك والأجانب على حدّ سواء".
من قصص القمع تجاه الصحفيين والحريات الصحفية تأتي قصة الصحفي جان دندار رئيس تحرير صحيفة جمهورييت المعارضة الذي كان قد اعتقل هو وزميله أردم غول، مدير مكتب الصحيفة في أنقرة، في نوفمبر 2015 بعد أن نشرت الصحيفة على موقعها الإلكتروني مقطع فيديو تظهر فيه شاحنات محملة بالأسلحة تابعة لجهاز الاستخبارات التركي يزعم أنها كانت متوجّهة لارهابيين  في سوريا، في الوقت الذي كان فيه أردوغان يحاول دفع هذا الاتّهام عن حكومته أمام الانتقادات المتزايدة من الغرب.
جاءت الاعتقالات بعد أن توعّد أردوغان الرجلين شخصيًا، قائلًا إنّهما" لن يفلتا من العقاب" وأن جزاءهما سيكون عسيرًا. 

جان دوندار وصحيفة جمهورييت احد ضحايا حملات اسكات الصحافة وسجن الصحفيين
جان دوندار وصحيفة جمهورييت احد ضحايا حملات اسكات الصحافة وسجن الصحفيين

وبالفعل، رفع أردوغان، شخصيًا، دعوى قضائية ضدّ الرجلين بتهمة التجسّس. وبطبيعة الحال أثار هذا التصرف حفيظة الأوروبيين وأثار ضجة كبيرة في المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان، فقررت مجموعة من الدبلوماسيين الأوروبيين حضور جلسة المحكمة، وهو أمر تقرّه القوانين والأعراف الرسميّة. لكنّ أردوغان لم يتوان عن توجيه انتقاد لاذع لأولئك الدبلوماسيين ممثلي سفارات 15 دولة أوروبية. وكانت نتيجة هذه الحملة من الرئيس التركيّ أن قام القاضي بتحويل المحاكمة إلى جلسة مغلقة، مانعًا تغطيتها إعلاميًا أو حضورها من قبل أفراد من المجتمع المدنيّ، لأسباب تتعلق بالأمن الوطنيَّ.
أما من يتناول القضيّة الكرديّة ويسلّط الضوء على انتهاكات الدولة ضد المدنيين في المناطق الكرديّة فقد يتعرّض للاعتقال الفوريّ والمساءلة القانونية، كما حدث مع الصحفية الهولندية فردريكا غيردنك، حيث داهمت الشرطة منزلها واعتقلتها بتهم من قبيل الإطراء على الإرهابيين وتشويه صورة الدولة التركية على تويتر.
 وهنالك العشرات من القصص المشابهة لصحفيين أجانب تعرضوا للمضايقات والتهديدات من دون أي تدخّل جادّ من قبل السلطات المختصّة لإيقافها، فيما يبدو أنّها حملة ممنهجة لإسكات كلّ صوت ينتقد الدولة التركيّة ورأس الدولة فيها.

حملات الاستنكار العالمية لم تفلح في ثني اردوغان عن ملاحقة الصحفيين
حملات الاستنكار العالمية لم تفلح في ثني اردوغان عن ملاحقة الصحفيين

تكتظ السجون  التركية اليوم بالصحافيين، في هذا البلد الذي يحتل المرتبة 155 من أصل 180 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة مع عشرات الصحافيين الموقوفين واغلاق أكثر من 150 وسيلة إعلام

 كريستوف ديلوار

امين عام منظمة مراسلون بلا حدود

ليس غريبًا بعد كل ما ذكرنا أن تكون تركيا في المرتبة 149 من بين 180 دولة في مؤشر حريات الصحافة الصادر عن مؤسسة مراسلون بلا حدود. كما كان العام 2017 كما الأعوام التي سبقته ووفق تعبير مركز شورنشتاين للإعلام والسياسة والسياسات العامة التابع لجامعة هارفارد عامًا مريعًا للصحافة التركية.
 أما مراسلون بلا حدود فلا تتوانى عن وصف أردوغان بالمستبدّ في حملتها للدفاع عن الصحفيين الأتراك المعتقلين، وعلى رأسهم دندار وغول. أما مؤسسة فريدم هاوس فقد وضعت تركيا في قائمة الدول غير الحرّة فيما يتعلّق بحريّات الصحافة، واحتلّت وفق مؤشر المؤسسة المرتبة 65 من مقياس تصاعدي يبدأ بصفر (الأفضل) وينتهي بمائة (الأسوأ)، حيث يوضّح المؤشر تراجع تركيا في حريات الإعلام على مدار السنوات الخمس الماضية.