علي يورتاغول
يناير 13 2019

هل تزيد تركيا من تعقيد قضية الأكراد؟

لا شك أن الوجود الأميركي في سوريا كان لهدف حماية مصالح أميركا الخاصة في المقام الأول، وليس، كما يُذاع، من أنها جاءت إلى المنطقة للقضاء على داعش فحسب؛ لأن أميركا إذا أرادت من وراء مجيئها القضاء على داعش فقط،  فربما كان من اليسير عليها حينئذٍ أن تترك أمرهم إلى إيران وروسيا، بوصفهما الحل الأكثر سهولة والأقل تكلفة في آن واحد؛ للقيام بهذا الدور بدلًا منها. ولأن الموضوع برمته لا يتعلق، بقريب أو بعيد، بحقوق الإنسان؛ لذا كان بوتين وإيران والأسد هم أكثر الأطراف التي يمكن الوثوق فيها من أجل القيام بهذه المهمة. 
ولا تكمن المشكلة هنا في أن الأكراد، وهم المتضرر الأكبر من قرار ترامب بانسحاب أميركا من سوريا، لم يديروا الأمر على نحو جيد خلال هذه الأحداث، وإنما، وعلى النقيض من ذلك تمامًا، بسبب أنهم نجحوا بالفعل في قتالهم مع داعش. يقول ترامب "دُحِرت داعش". وسبب المشكلة الحقيقية الآن هو تحقيق هذا النصر على داعش؛ أي أن داعش نفسها لم تعد سبب الأزمة الآن؛ لأن هزيمة داعش جعلت مشكلة الأكراد هي الأكثر إلحاحًا على الساحة الآن.
وعلى الجانب الآخر، كان قاموس أنقرة يخلو تمامًا من أي معانٍ أخرى لمسمى "شرق الفرات" سوى "الأكراد في سوريا"، بوصفهم أحد الجماعات الداعمة للإرهاب حول العالم، على حد زعمها. وفي حين تنظر أنقرة إلى وحدات حماية الشعب باعتبارها جماعة إرهابية، كانت أميركا، وعلى النقيض من ذلك، تنعتهم بقولها "الحلفاء الأكراد". من أجل هذا، ظلت تركيا، التي دفعت فاتورة ثقيلة في قتالها المرير طوال أربعين عامًا مع حزب العمال الكردستاني، تنظر إلى وضع الأكراد في سوريا باعتبارها القضية الأكثر إلحاحًا بالنسبة لها. 
نعلم جميعًا أن الأكراد حققوا في سوريا حلم "منطقة الحكم الذاتي"، التي طالما سعوا لتحقيقه داخل الأراضي التركية. ليس هذا فحسب، بل نجحوا، بالإضافة إلى ذلك، خلال فترة حربهم مع داعش، في الحصول على أحدث الأسلحة الأميركية. من أجل هذا، لن يكون من السهل عليهم أن يتركوا هذه الفرصة التاريخية تضيع مرة أخرى من بين أيديهم.
ومع هذا، لا يمكن الجزم بالخطوات التالية، التي يمكن أن يُقدِموا عليها؛ للحيلولة دون فقد ما اكتسبوه على الأرض، ولكن المؤكد أنهم نزلوا أثناء وجودهم في سوريا من فوق  الجبال، وانخرطوا مع ثقافة الشرق الأوسط، وحافظوا، في الوقت نفسه، على علاقتهم مع الأسد.  
في ذلك الوقت أيضًا كان نظام الأسد يُوفِّر الخدمات التعليمية والصحية، ويتولى دفع رواتب العاملين في المنطقة الواقعة تحت إدارة وحدات حماية الشعب. ليس هذا فحسب، بل كان يبعث بقوات لحفظ الأمن هناك، حتى إن كان هذا على نطاق ضيق. وهذا يعني أن فكرة حدوث اندماج بين الطرفين لبناء سوريا "اتحادية" ليست مستحيلة. 
ولكن حتى خطوة كهذه لا تعني أن الأكراد أصبحوا في مأمن بشكل كامل؛ لأنهم سبق أن وثقوا كثيرا في روسيا خلال أحداث عفرين، ولكنها تخلت عنهم، وتركتهم وحيدين في الميدان. 
ظلت فكرة "الاتحادية، أو الاتحاد الفيدرالي"، التي تسيطر على أذهان الأكراد، هي المشكلة الأصعب، والأكثر غموضًا على الساحة السورية؛ فوجدنا على سبيل المثال أن كلا من الأسد وأنقرة لا ينظران بعين الرضا إلى فكرة "الاتحادية" كما يريدها الأكراد؛ لأنهم يرون أن "وحدة الأرض" هي المعادل لمفهوم دولة مركزية قوية. 
من ناحية أخرى، قد تسمح روسيا بإقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد على الأراضي السورية، ولكن على ألا تكون مستقلة بشكل كامل، ولها قواتها المسلحة؛ لذلك يبقى السؤال هنا عن طبيعة المفاوضات بين واشنطن وموسكو في هذه النقطة.
وفي رأيي، إن المفاوضات الأميركية- التركية كانت أكثر وضوحًا في هذا الجانب؛ فعلى ما يبدو إن واشنطن تريد من أنقرة أن تقضي على "فلول داعش" في سوريا، أو بالأحرى تريد نقلها إلى شرق الفرات. وهي بذلك توجه رسالة سياسية إلى الداخل بأنها لا تزال، على الرغم من انسحابها من هناك، تمسك بتلابيب الأمور، وتساهم في حل المشكلة السورية، بالإضافة إلى رغبتها في قطع الطريق أمام فرض إيران هيمنتها في المنطقة. 
ولكننا نعلم أنه بمجرد سحب الخيط من الكرة، فسوف تتحرك على إثر ذلك جميع الخيوط والعقد الأخرى أيضًا. ويجري الآن إعادة هيكلة للعلاقة بين روسيا وإيران والأكراد والأسد. وليس من الصعوبة بمكان التكهن، في الوقت الراهن، بما يمكن أن تقدم عليه هذه القوى الأربعة الفاعلة في الملف السوري؛ فعلى أقل تقدير لن تنظر هذه القوى بعين الرضا إلى العملية العسكرية التي تنوي تركيا، مدعومة من الولايات المتحدة، القيام بها داخل الأراضي السورية. 
وليس من المستبعد أيضًا أن يخرج الأكراد عن سيطرة الولايات المتحدة، ويتحركون باتجاه روسيا والأسد وإيران، وأن تستغل هذه القوى هذا التحرك من جانب الأكراد بشكل جيد، وهذا يعني أن ما حدث في عفرين قد لا يتكرر مرة أخرى.
من ناحية أخرى، نقرأ من تصريحات المتحدث باسم رئيس الجمهورية إبراهيم قالن، تعليقًا على المحادثات مع مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، أن تركيا لم تصل بعد إلى أرضية مشتركة بشأن الأكراد؛ لأن انقرة تطلب، إلى جانب الحصول على دعم لوجيستي في تحركها هناك، أن تقوم واشنطن بسحب الأسلحة الحديثة التي بحوزة وحدات حماية الشعب. وهذا أمر ليس من السهولة بمكان تحقيقه.
والواقع أن هناك نوعًا من التضارب بين مفهوم كلمة "أكراد" من الأساس لدى كل من تركيا وأميركا؛ ففي حين تعتبر أميركا أن الأكراد هم وحدات حماية الشعب، فإن تركيا تقصد من هذه الكلمة "المدنيين الأكراد"، ولما لا وكل دول العالم اختلفت، هي الأخرى، في تفسير الفارق بين كلمتي "مدني" و"إرهابي" خلال العمليات العسكرية هناك. وهذا يعني أن مشكلة ترامب مع تركيا هي "مشكلة ثقة" في الأساس؛ فكل منهما يرى أن الآخر يتحدث بلغة مختلفة تمامًا. 
إلى جانب هذا، تعاني أنقرة من خطر آخر لا وجود له لدى كل من الولايات المتحدة أو روسيا؛ فنجد أن بوتين، وحتى ترامب، يتخذان قراراتهما حيال إيران على سبيل المثال وفق ثقافة دولة مُنَظمة وهيكل مُؤسسي راسخ. وعلى العكس من ذلك، عمد أردوغان إلى تخريب كافة مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة، ولم يقبل أن تمارس أي دور رقابي أو حتى استشاري عليه؛ لذلك لا نستطيع أن نتلمس أو نتنبأ بسياسة خارجية واضحة المعالم باتجاه سوريا وغيرها من القضايا الأخرى.  
من ناحية أخرى، كانت مشكلة الثقة تجاه تركيا أكثر عُمقًا لدى الأكراد؛ فالحكومة التركية لم تتردد عن هدم مفاوضات دولمه بهجة وأوسلو من أجل حسابات أردوغان الانتخابية الضيقة، كما أن الأكراد لا يثقون بأي سياسي قدر ثقتهم في دميرطاش، الذي يقبع الآن في السجون التركية؛ لذلك ليس من المتوقع أن تبدأ جولة مفاوضات ثالثة مع أردوغان في غياب هذا الرجل.
وفي حين يُجري الأكراد، وهم حلفاء واشنطن، اتصالات وثيقة في الوقت الراهن مع دمشق وموسكو، وجدنا أن أنقرة هي العاصمة الوحيدة التي لم يدر بخلدهم فتح حوار أو التفاوض معها، على الرغم من أنها البلد الذي تعيش فيه الغالبية العظمى من الأكراد ...
لقد تشابكت الخيوط في المشكلة السورية حتى صار من الصعوبة بمكان تكوين قناعة عن طرف معين، أو الوثوق فيه على حساب الطرف الآخر؛ حتى صار الذين ينظرون بتفاؤل إلى هذه القضية يتهربون أيضًا من مناقشة تفاصيلها.
أعتقد أن الحل الوحيد يكمن في أن يُعطى السوريون أنفسهم المقص ليقطعوا به موضع العقدة، ويتخلصوا منها حتى يمكن لجميع الطوائف، الكردية والعربية والسنية والشيعية والعلوية والمسيحية واليهودية، أن تتعايش مع بعضها من جديد. أوافقكم الرأي في أن هذا الحل قد يبدو ساذجًا طفوليًّا، أو حتى غير واقعي، ولكن يبقى أنه مجرد افتراض للحل.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/suriye/suriye-kordugumu-ve-kurtler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.