جلدم أتاباي شانلي

هل تعود الثقة بالاقتصاد التركي بعد عام 2018 الكئيب؟

لم يعامل عام 2018 تركيا بشكل جيد. أو ربما لم تعامل تركيا عام 2018 كما كان ينبغي عليها أن تفعل. كان التدهور ملموساً في كل المجالات، من الاقتصاد إلى السياسة ومن حرية التعبير إلى علاقات تركيا مع بقية العالم.

مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.2 في المئة في الربع الأول من عام 2018، ما بدأ كعام "النمو الاقتصادي القوي" والأمل سرعان ما تحول إلى أزمة عملة تاريخية تكشّفت في الفترة من مايو حتى أواخر أغسطس. وبصورة حتمية، بدأ اقتصاد تركيا يقع ضحية "هبوط اضطراري".

بحلول الربع الثالث من العام، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 1.6 في المئة مع حدوث ركود حاد من المتوقع أن يستمر حتى نهاية العام وما بعده. إن لم يكن ذلك "كارثياً"، فإن الانكماش الاقتصادي وأسباب هذا الأداء الاقتصادي الكئيب سيكون له مع الأسف آثار غير مباشرة طويلة الأمد.

من أجل إجراء انتخابات رئاسية "مبكرة" في يونيو 2018 - والتي دعا إليها الرئيس رجب طيب أردوغان لضمان بسط سيطرته الكاملة على البلاد، تجاهلت الهيئات الاقتصادية حقائق بيئة عالمية متغيرة نتيجة قيام مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) برفع أسعار الفائدة.

ومع تعزيز الحكومة للطلب المحلي، تم منع البنك المركزي من القيام بواجبه في إدارة توقعات التضخم والتعامل مع ارتفاع الأسعار. تمّ الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة بينما أبقت البنوك الحكومية القروض مفتوحة لتحفيز الاقتصاد.

وكان صندوق ضمان الائتمان، الذي أنشأه حزب العدالة والتنمية الحاكم قد كفل 129 مليار دولار من الاقتراض منذ بداية عام 2017، مما أدى إلى تحويل الطلب المحلي إلى كامل طاقته.

وكان لهذه الخطوات الطائشة تأثيراً مدمراً على أرصدة الاقتصاد الكلي في تركيا، والتي كانت هشّة بالفعل نظراً لاعتمادها الشديد على التمويل الخارجي من أجل تعزيز النمو. ونتيجةً لذلك، اتّسع عجز الحساب الجاري إلى 6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف الصيف بسبب حدوث طفرة في الواردات.

إن ما أطلق عليه خبراء الاقتصاد الذين يحظون بمصداقية النمو "المحموم" أو التضخمي رفضه فريق الاقتصاد في حزب العدالة والتنمية بشكل مباشر.

أما الأسماء المرموقة المتبقية في فريق الإدارة الاقتصادية التابع للحكومة فقد تم تهميشها بالفعل في الوقت الذي اعتلى فيه أردوغان المنصة في لندن في 15 مايو ليعلن أمام المستثمرين المصدومين أنه يعزز قبضته على السياسة النقدية التركية.

وكرر أردوغان تأكيده الخاطئ بأن ارتفاع أسعار الفائدة تسبّب في ارتفاع التضخم وأعلن أنه سيخفّض أسعار الفائدة في حالة فوزه في الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو.

اختار الرئيس إعلان نواياه التي هي في غير محلها، ربما في أسوأ مكان يمكنه، في العاصمة المالية الأوروبية وفي بلومبيرغ، القناة الإخبارية المالية الرائدة في العالم.

تضاءل تأثير تخفيض التصنيف الائتماني للديون التركية من قبل وكالة موديز للتصنيف الائتماني في شهر مارس، والذي عززه أردوغان كثيراً، مقارنة بتأثير خطبة أردوغان الاقتصادية. وقد أدلى بهذه التصريحات الارتجالية عندما كانت الليرة التركية قد انخفضت بالفعل بنسبة 14 في المئة مقابل الدولار منذ بداية العام، وكان معدل الفائدة الرئيسي للبنك المركزي عند 13.5 في المئة، وبلغ معدل تضخّم أسعار المستهلكين 11 في المئة.

وفي نفس اليوم الذي تحدث فيه أردوغان، كتبت بلومبرغ:"إن سرعة التغييرات في السياسات الاقتصادية والخارجية لتركيا قد هزّت ثقة المستثمرين، وهو أمر بالغ الأهمية لأن عجز الحساب الجاري في تركيا يتطلب تدفقات مالية مستمرة من الخارج".

وهكذا، بدأت دوامة فقدان السيطرة على اقتصاد تركيا.

وفي أعقاب استعراض أردوغان في لندن، لم يتمكن نائب رئيس الوزراء آنذاك محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي من تهدئة الأمور خلال العدّ التنازلي لإجراء الانتخابات.

ومع اشتداد حالة عدِم اليقين في السوق، أقحم الرئيس نفسه بكلماته الحادة، مما يعني أن البنك المركزي مضطر إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس في وقت لاحق في مايو لوقف النزيف. كان هناك حاجة إلى 125 نقطة أساس أخرى في بداية يونيو قبيل الانتخابات الأكثر أهمية في تركيا على مدى عقود.

أثبت التأخير في رفع أسعار الفائدة أنه يكفي لتثبيت الليرة، على الأقل في الوقت الحالي. فاز أردوغان في الانتخابات المبكرة التي جرت في 24 يونيو، ليضع في قبضته السلطات الرئاسية الواسعة التي كان يتوق إليها.

كان لانتصار أردوغان تأثير مهدّئ بصفة مؤقتة على الأسواق المالية التركية وعلى الليرة والاقتصاد بشكل عام.

في شهر يوليو، كان التركيز الأساسي على أعضاء مجلس الوزراء الذين كان سيعينهم والشخصيات السياسية التي كان الهدف منها أن تأخذ اقتصاد تركيا إلى برّ الأمان. لكن أردوغان عيّن صهره بيرات البيرق وزيراً مسؤولاً عن كل من وزارة المالية ووزارة الخزانة، إذ دمج المؤسستين المهمتين. كان من المحتّم أن تكون هذه الخطوة سيئة على الأسواق المالية.

بحلول أواخر يوليو، كانت الأسواق الناشئة بالفعل في حالة اضطراب. كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن صراحة عن حرب تجارية مع الصين، فرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أسعار الفائدة بينما كانت الأرجنتين تواجه أزمة.

وجاء الدافع الثاني لخفض قيمة الليرة بإعلان مجلس الوزراء في ظل النظام الرئاسي الجديد. ومع ذلك، فإن الأسوأ لم يأتِ بعد على الأسواق المالية والاقتصادية الهشة في تركيا.

بدأت موجة تسونامي افتراضية لضعف الليرة في شهر أغسطس عندما فرضت الإدارة الأميركية عقوبات سياسية على أنقرة بسبب سجن القس الأميركي أندرو برانسون.

ما أعقب ذلك هو انخفاض على ما يبدو بلا نهاية في قيمة الليرة، ومعها، تزايدت المخاوف بشأن التزامات الديون الخارجية الضخمة لتركيا. تجمد النشاط الاقتصادي اليومي في البلاد حيث تبع ذلك لعبة الانتظار لمعرفة ما إذا كانت أنقرة ستتخذ الإجراء اللازم لإبعاد تركيا عن الدمار المالي الوشيك.

في نهاية المطاف تدخل البنك المركزي ورفع سعر الفائدة بمقدار 625 نقطة أساس في شهر سبتمبر. ثم أعلنت الحكومة عن "خطة اقتصادية جديدة" مدتها ثلاث سنوات وتعهد بالتقشف المالي في عام 2019 وما بعده.

ومع ذلك، فإن ما كان له تأثير أكبر على معنويات المستثمرين تجاه تركيا، التي تحولت إلى معضلة، كان رد فعل طال انتظاره من القيادة السياسية. وبفضل مباركة أردوغان المترددة، قامت المحاكم التركية في النهاية بإطلاق سراح القس برانسون في شهر أكتوبر. وقد عاد إلى الولايات المتحدة في نفس اليوم ليلقى استقبال المنتصرين في البيت الأبيض.

ومع ذلك، فإن الضرر الذي لحق باقتصاد تركيا قد حدث بالفعل.

فيما يتعلق باستقرار قيمة الليرة، أثبت الربع الأخير من العام استقراراً أكبر. ومع ذلك، كانت الخسائر التي بلغت نحو 30 في المئة خلال عام 2018 لا تزال مؤلمة من جميع النواحي. بدأت مؤشرات الاقتصاد الكلي الرئيسة في تركيا تشير إلى "الركود التضخمي"، وهو حدث إقتصادي نادر في عالم اليوم، حيث بلغت نسبة تضخّم أسعار المستهلكين 25 في المئة، وتسارعت نسبة أسعار المنتجين إلى 45 في المئة، وأظهرت مؤشرات أخرى انهياراً في المعنويات وانكماشاً اقتصادياً كبيراً.

بدأ عجز الحساب الجاري في تركيا في التقلص بسرعة، ليس كمنتج ثانوي لعملية "إعادة التوازن" بسبب سياسات اقتصادية معقولة اتخذتها الحكومة، والتي ادّعت أن المستثمرين الأجانب كانوا يهاجمون تركيا من خلال الليرة، ولكن بالأحرى بسبب الاقتصاد المنكمش بسرعة والذي كان بالتأكيد في حالة "هبوط اضطراري" بسبب أخطاء السياسة.

ما أصاب الاقتصاد التركي في عام 2018 يعني أننا بحاجة إلى التدقيق في الأحداث على الصعيدين السياسي والاقتصادي الكلي خلال عام 2019.

ربما فقط بعد الانتخابات المحلية التي تجرى في 31 مارس، قد نرى الحكومة تتحول عن نهج إدارة الأزمات قصير الأجل الخاص بها لتبني الإجراءات اللازمة لتجنب سنوات طويلة من الأداء الاقتصادي الضعيف في تركيا.

كان هذا النهج الخاطئ قائماً منذ مايو عام 2013، عندما أعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أول مرة تحولاً مهماً في موقفه نحو تشديد السياسة النقدية. مثل هذا النهج القصير المدى من جانب أنقرة لا يخلق سوى حالات طوارئ جديدة في الاقتصاد لأنه يفتقر إلى التماسك والرؤية الكبرى لسياسة الاقتصاد الكلي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/can-hope-return-following-turkeys-dismal-2018
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.