هل سيخرج إسلاميو تركيا من العباءة الأميركية؟

يبدو أن قادة أنقرة الحاليين قد أضفوا صبغة إسلامية على الخلاف الدبلوماسي بين تركيا والولايات المتحدة في مشهد يعكس يقينهم بأن على تركيا – باعتبارها بلدا مسلما – أن تتصدى للغرب، بل ويؤمنون بقدرتها على ذلك.
ووصل الصدع بين الطرفين إلى حد أن القطب العالمي فرض هذا الأسبوع عقوبات على بلد عضو في حلف شمال الأطلسي بسبب استمرار احتجاز القس الأميركي أندرو برانسون.
لقد تحول الكتاب الذي ألفه المصري سيد قطب عن زيارته إلى الولايات المتحدة في أربعينيات القرن العشرين إلى ما يشبه المرجع بالنسبة للإسلاميين.
بالنسبة لقطب، فإن المجتمع الأميركي يعيش حياة "الجاهلية". ولطالما شبه قطب الأميركيين بالحيوانات.
وعلى خطاه، بدأ الإسلاميون يصنفون الولايات المتحدة باعتبارها المسؤول الأول عما يشهدونه من فساد في النظام العالمي.
لنأخذ على سبيل المثال آية الله روح الله الخميني، الذي أصبح زعيما لإيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979. لقد دأب الخميني على إطلاق وصف الشيطان الأكبر على الولايات المتحدة.
وليس الإسلاميون في تركيا عن هذا بغرباء. فهم أيضا يرون واشنطن تهديدا كونيا، غير أن علاقاتهم مع الولايات المتحدة أكثر تعقيدا.
على سبيل المثال، نتذكر كيف أيد سيد نصري، وهو اسم له تأثير في الحركة الإسلامية التركية، انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي عام 1952.
بل إنه، أي نصري، قد أرسل عددا من أتباعه للمشاركة في الحرب الكورية، التي رأى فيها حربا مقدسة بين الإيمان والشيوعية الملحدة.
لا شك أن التصدي للفكر الشيوعي كان حجر الزاوية بالنسبة للجماعات الإسلامية خلال حقبة الحرب الباردة، وأصبحت كلمة "شيوعي" أسوأ إهانة يمكن إطلاقها على شخص ما في العديد من مدن منطقة الأناضول ذات الطبيعة المحافظة.
وبناء على سياسات وضعها الرئيس الأميركي السابق دوايت أيزنهاور، قدمت الولايات المتحدة دعما عسكريا لحلفائها وتبنت الأفكار المناهضة للفكر الشيوعي في الخارج، بما في ذلك الشرق الأوسط.
وسرعان ما ترعرعت في تركيا الكثير من الحركات المناوئة للشيوعية، وبينها "رابطة مكافحة الشيوعية في تركيا"، التي أصبحت تتمتع بشهرة كبيرة.
ولعبت أسماء بارزة في هذه الأفرع العديدة للتيار المحافظ والحركات اليمينية في تركيا دورا نشطا، ومنهم على سبيل المثال بكير بيرق، المحامي عن سيد نصري.
اسم نشط آخر هو فتح الله غولن، الداعية الإسلامي التركي الذي يقيم الآن في الولايات المتحدة، والذي كان على مدى سنوات حليفا للحزب الحاكم في تركيا، لكنه الآن متهم بالتدبير لمحاولة الانقلاب العسكري التي جرت في يوليو عام 2016.
لقد ترك تحالف تركيا مع الغرب في مواجهة الكتلة الشيوعية أثره على السياسات الداخلية، فتمتعت الجماعات الإسلامية بمناخ من التسامح وغرض الطرف بسبب أنشطتها المعادية للشيوعية.
الموقف المعادي للشيوعية الذي اتخذته الجماعات الإسلامية كان أيضا مفيدا للولايات المتحدة في حقبة سابقة، قبل أن تبدأ واشنطن في النظر للإسلاميين المتشددين باعتبارهم تهديدا.
كانت هناك أيضا ديناميكية معقدة بين الإسلاميين الأتراك والولايات المتحدة، لكنها لم تأخذ أبدا شكل نظرية المؤامرة التي تصور الإسلام السياسي بوصفه مشروعا أميركيا.
بل إن الجماعات الإسلامية - بفضل تحالف تركيا مع الولايات المتحدة خلال حقبة الحرب الباردة - حظيت بالعديد والعديد من الفرص السياسية والاقتصادية.
حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أصبح بدوره المستفيد الأكبر من الاستثمارات الغربية في أعقاب وصوله إلى السلطة عام 2002.
ما تغير هو أن السلطة التي يتمتع بها الإسلاميون في تركيا اليوم باتت كافية لإحداث تغيير في النظام، حيث حصل الرئيس رجب طيب أردوغان على سلطات تنفيذية كاسحة وأصبحت المعارضة تحت سيف قمع قضائي متغلغل.
لكن في ظل الدعم السياسي والمالي والاستثمارات القادمة من الغرب، من المستحيل تصور تغيير في النظام بطريقة تتسق مع المبادئ الأساسية للإسلاميين.
أو بصيغة أخرى، لنقل إن "الأسلمة" لا يمكن أن تتم إلا في ظل عقوبات سياسية واقتصادية قاسية كتلك التي تعاني منها إيران منذ عام 1979.
وفي ظل إدراكه المحتمل لتلك الحقيقة، فإن رد فعل أردوغان على التهديد بفرض عقوبات جاء بالإشارة إلى أن إيران ظلت متماسكة ولم تتعرض للانهيار رغم استمرار هذه الإجراءات العقابية لسنوات طوال.
ولعل أردوغان، كغيره من الإسلاميين، يعتقد أن تركيا قادرة على النجاة، رغم المعارضة الغربية الكبيرة لنظامه الجديدة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-usa/turkey-and-usa-islamist-rift-possible
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.