هل سيدعم برنامج "بوشبار" الألماني سوق الإسكان التركي؟

بعد تسجيل نمو اقتصادي مثير للإعجاب نسبته سبعة في المئة خلال 2017، أعلنت الحكومة التركية أنها تحتاج إلى الحفاظ على النمو عند خمسة في المئة أو أكثر خلال 2018 لإرضاء الناخبين.
لكن المناخ الاقتصادي العام وإلغاء عدة تخفيضات ضريبية مؤقتة قد يؤديان إلى تباطؤ في مساعي الوصول إلى نمو بمعدل 3.5 أو 4 بالمئة هذا العام وما يليه. 
وفي ظل حديث الناس حاليا عن انتخابات مبكرة فإن هذه أخبار سيئة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
لذلك، وقبل نهاية الربع الأول من العام الجاري، يتوقع أن تعلن الحكومة عن برنامج متعدد الجوانب يشمل مجموعة من القطاعات في مسعى لمواجهة تحول غير متوقع في الأسواق العالمية قد يقلص التدفقات المالية على الأسواق الناشئة. 
تمديد مشروع صندوق ضمان الائتمان الحكومي الذي طرحته الحكومة وحقق نجاحا كبيرا في تعزيز النمو العام الماضي هو فقط جزء من برنامج أكبر لإعادة شحن النمو في 2018.
ويظل دوما قطاع الإنشاءات دافعا مهما للنمو في تركيا خاصة في ظل الحكومة الحالية التي تستخدمه كمؤشر على نجاحها الاقتصادي. 
لكن الأمور لا تسير جيدا في هذا القطاع.

مخطط
مخطط

ينشر البنك المركزي التركي بيانات شهرية عن مبيعات المنازل. وتظهر البيانات تباطؤا في سوق الإسكان خلال الربع الرابع إذ تراجعت المبيعات الإجمالية للمنازل بنسبة سبعة في المئة بالمقارنة بنفس الفترة من عام 2016.
رغم كل الإعلانات والحملات التي تعرض شروطا جذابة في شراء المنازل، إلا أن التباطؤ يبدو واسع النطاق سواء في مبيعات المنازل القائمة أو الجديدة. 
والمنازل المعروضة بالرهن العقاري التي تستحوذ على 30 في المئة من المبيعات كانت أكثر المتضررين بتراجع نسبته 25 في المئة مقارنة بالعام السابق.
وتراجع كبير كهذا هو بالطبع نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة حيث قفزت الفائدة على القروض بضمان الرهن العقاري إلى 13.8 في المتوسط مقابل 12.9 في المئة خلال الربع الرابع، وزادت مرة أخرى إلى 14.3 بحلول منتصف يناير.
وكانت زيادات الأسعار في الربع الأخير متواضعة شأنها شأن المبيعات. 
وأظهرت مؤشرات (ريدن) لأسعار العقارات السكنية تراجع نمو الأسعار السنوي بواقع النصف خلال العام من 20 بالمئة في بداية 2017، في حين تسارع تضخم أسعار المستهلك إلى 12 في المئة. وأثر المخزون المتزايد من المنازل غير المباعة على الإيجارات الذي زاد ما بين ثمانية وتسعة في المئة خلال 2017 ليبطئ التضخم مجددا.

مخطط
مخطط

هذه الأرقام أخبار سيئة لحكومة حزب العدالة والتنمية التي اهتمت بشدة بصناعة الإنشاءات منذ عام 2008 حين انتهى أجل البرنامج الاقتصادي الذي كان يحظى بدعم صندوق النقد الدولي.
لذلك قررت الحكومة الإعلان عن شكل جديد من الدعم المالي لمقاولي بناء المنازل يهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي ليتجاوز هدف الخمسة في المئة لهذا العام. وبالطبع هذه ليست الخطة الوحيدة، لكن في ظل تأثيرها الإيجابي في توفير الوظائف، ستستفيد أيضا صناعات الاسمنت والحديد والصلب والخشب والزجاج التي تحظى باهتمام خاص لدى الرئيس رجب طيب أردوغان.
إلى جانب ذلك، يأتي برنامج "بوشبار سيستم" الذي صدرته ألمانيا إلى العالم. وتتوقع الحكومة أن يوفر "برنامج الادخار التعاقدي" هذا طلبا طويل الأجل على الإسكان في تركيا.
البرنامج الذي ظهر في ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر مستخدم حاليا في أنحاء أوروبا وفي الولايات المتحدة والهند والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل واستراليا ونيوزيلندا ودول أخرى عديدة. ولا يغطي شراء المنازل الجديدة وحسب بل تكاليف التجديد أيضا.
ويعرف نظام "بوشبار" على انه برنامج يربط المدخرات بالحق في الحصول على قرض بضمان رهن عقاري. ويعتمد نظام بوشبار على صندوق دعم ذاتي يتكون من ودائع وعمليات سداد.
يحصل المدخرون في بوشبار على فائدة على ودائعهم أقل من سعر السوق لكن يحصلون على قروض بمعدلات فائدة أقل أيضا، ويكون فيه معدل الفائدة على القرض ثابتا طوال فترة العقد مما يجعل قروض بوشبار جذابة للغاية في كثير من البلدان. ومعدل الفائدة على القرض يكون في الغالب أعلى من الفائدة على الودائع.
وبالنظر إلى التطبيقات العديدة للبرنامج، فإن عقد بوشبار يتألف من أربع مراحل. في البداية يتم صياغة العقد ذاته، وفي عقد بوشبار يتفق المقرض والمقترض على مبلغ يُنص عليه في العقد، وعلى سعر الفائدة، والسداد، وفترة القرض.
في المرحلة الثانية، التي تستمر نحو خمسة إلى ستة أعوام ويطلق عليها اسم "فترة الادخار"، يضع المودع جانبا ما بين 40 و 50 في المئة من المبلغ الإجمالي المنصوص عليه في العقد. وبمجرد انتهاء فترة الادخار في المرحلة الثالثة، يذهب المقترض إلى البنك للحصول على القرض الذي يتألف من الفرق بين رأس المال المدخر ومبلغ العقد. والمرحلة الأخيرة تبدأ بالطبع عندما يبدأ المقترض في السداد.

مخطط

ميزة هذا النظام هو أن معدل الفائدة يظل منخفضا نسبيا وثابتا لفترة طويلة وهو ما يتيح لعملاء البرنامج تسديد أقساط في غير مواعيدها دون دفع غرامات.
في البلدان التي تطبقه، يساهم البرنامج في الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في النظام المالي ويعالج مشكلات الإسكان في البلدان النامية ذات الدخول المنخفضة كما يحمي العملاء من معدلات الفائدة المتقلبة في السوق.
في نظام بوشبار، يؤسس العملاء أهليتهم الائتمانية من خلال الادخار بانتظام وهو ما يثبت للبنك قدرتهم على توفير بعض الأموال من أجل الحصول على قرض.  
مثل هذا البرنامج يخفف مشكلة أسعار الفائدة المنخفضة على الودائع في دول مثل تركيا، وفيه تكون القروض الصغيرة فعالة في تسريع عملية إيداع أموال لتجديد عدد كبير من المساكن.
لكن يضع برنامج بوشبار بعض الشروط المسبقة كي ينجح تنفيذه. فهو يشترط استقرارا في الاقتصاد الكلي ومعدلات تضخم في خانة الآحاد وتأخذ اتجاها نزوليا أيضا.
بالطبع، معدلات التضخم المرتفعة تعقد عملية تثبيت سعر الفائدة، ولا يجد سكان البلاد التي تسجل نسبا مرتفعة في التضخم حافزا للادخار بانتظام. وفي الدول التي ينجح بها البرنامج، لا ترتفع أسعار المنازل بدرجة كبيرة بخلاف تركيا.
أيضا لا بد من توفر إمكانية توقع أسعار المنازل في المستقبل حتى يجذب البرنامج الزبائن. وفيما يخص الخلفية القانونية، حكم القانون أمر أساسي ومعه حقوق قوية للتملك.
كل الدول التي نجحت في تطبيق برنامج بوشبار نفذت أيضا قانون بوشبار؛ حيث أقامت كثير من الدول "صناديق احتياطية خاصة" للودائع ساعدت في بناء الثقة في سلامة البرنامج.
وفي ظل "برنامج ادخار تعاقدي" سيطلق حزب العدالة والتنمية على نظام بوشبار اسم "صندوق بناء الادخارات". ويستهدف في تركيا المجموعات الأقل دخلا.
وكما هو شائع في كثير من الدول الأوروبية الناشئة التي تطبق بوشبار، ستقدم الدولة التركية إسهاما لمدخرات المتعاقدين بالبرنامج يتراوح بين 20 و30 في المئة من المبلغ الإجمالي للعقد.
لقد تم اختبار نظام بوشبار جيدا في العديد من الدول وبالتأكيد سيساعد قطاع الإنشاءات التركي والمجموعات السكانية ذات الدخول المنخفضة. لكن البرنامج ليس له تأثير سريع للتباطؤ في قطاع الإنشاءات كما تريد حكومة حزب العدالة والتنمية.
ورغم أن الحكومة تعمل على هذا البرنامج منذ سنوات، إلا أن تنفيذه في هذا العام لن يسهم في معدلات النمو خلال 2018-2019 نظرا لأن فترة الادخار في البرنامج تحتاج من خمس إلى عشر سنوات قبل أن تحقق طلبا كبيرا على المساكن.
لكن، شأنه شأن برنامج المعاشات الخاص، فإن إسهام الحكومة بنسبة 20 إلى 30 في المئة يبدو عامل جذب مهما للأتراك من أجل الادخار لسنوات قبل شراء منزل.
ومع ذلك، فإن معدل التضخم المرتفع وتقلب أسعار المنازل سيكونان حاجزين مهمين أمام عمل برنامج بوشبار بشكل فعال وناجح.
وربما يحفز هذا البرنامج الجديد الحكومة على علاج التضخم المرتفع بطريقة جادة ولكن ثمار هذا البرنامج لن تنضج قريبا كما تأمل الحكومة.
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/konut/yavaslayan-konut-sektoru-icin-bauspar-sistemi-ise-yarar-mi