نوفمبر 14 2017

هل سيعود احمد داود اوغلو الى السلطة مجددا؟

ليست هنالك كثير من الشخصيات السياسية التركية مرت بما مر به احمد داود اوغلو الذي شغل منصب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وصار الرجل الثاني في الدولة التركية.
القرب من اردوغان وإعادة ترميم اطروحاته السياسية كانت اقصى مهمات داوود اوغلو.
نجح الرجل بشكل استثنائي في تسويق رئيسه وجعله مقبولا عالميا وقبل ذلك اوربيا.
لم يكن ذلك النجاح منفصلا عن طبيعة شخصية داود اوغلو ذاتها فهو رجل طموح ومثابر ووطني وفوق ذلك هو رجل علم وابحاث.
اختارته مجلة "فورين بوليسي" في العام 2010 ضمن أهم مائة مفكر في العالم، باعتباره أحد أهم العقول التي تقف وراء نهضة تركيا الحديثة.
هذه المواصفات الكارزمية لم تكن متوافقة مع مواصفات الشخصية التي يريدها اردوغان الى جانبه في قيادة الحزب فالرجل المفكر يعني انه قابل للاختلاف وربما الجدل وعدم الطاعة وتاليا احتمالات المنافسة.
من جهة أخرى تجسمت بشكل جليّ فاصلة شاسعة بين الطرفين ما انفكت تتسع تمثلت في الوعي والرؤية للمجتمع وللاقليم ولاوربا.
احمد داوود اوغلو صاحب مقولة تصفير المشاكل مع الإقليم المحيط بتركيا  أسهمت في  صعود اردوغان نجما عريبا واسلاميا لان الكل أمن جانب تركيا وانها لن تعود كما كانت بجذورها العثمانية الاستبدادية.
القدرات العلمية الواضحة ومؤلفات داود اوغلو وقدراته الدبلوماسية البارعة وتمكنه من اللغة الإنجليزية وتناغمه مع نظرائه الاوربيين لم تكن مريحة لاردوغان بل ربما ولدت غيرة لديه لكنها من جانب اخر صارت فرصة فريدة للوشاة ولمخابرات اردوغان ان تحذر من داوود اوغلو.

اردوغان - اوغلو : صراعات القوة والنفوذ
لم يكن تفوّق داود اوغلو دبلوماسيا ولا فشله في تكريس دكتاتورية الرئيس مريحا لأردوغان

مؤخرا عاد داود اوغلو الى الأضواء واختار توقيتا مناسبا ليوجه سهام نقد لاذعة لملف الديمقراطية والحقوق والسياسات الخارجية لتركيا.
اذ نقل عن اوغلو قوله" أنه من غير الممكن التعليق على الأحداث والتطورات الداخلية في تركيا بشكل مستقل دون النظر  لمجمل التطورات الخارجية".
ليضيف" إن تركيا في الفترة التي كانت فيها تمثل نموذجًا للحقوق والحريات، كانت قوية في سياساتها الخارجية".
جاء ذلك في تصريحات على هامش لقائه مع عدد من ممثلي وسائل الإعلام، خلال زيارته لمعرض الكتاب الدولي في إسطنبول، لتوقيع كتابه الجديد الذي حمل عنوان"المواجهة وجهًا لوجه مع الشباب".
دعا اوغلوا الى ما اسماه ثورة ذهنية وفكرية  قائلا" أنني أثق أنه من الضروري عمل ثورة ذهنية وفكرية. فالتغييرات السياسية والاجتماعية يسبقها تغيير لنظرة الإنسان للوقت والمكان والأخلاق والمعلومات والتواصل".
وعلَّق داود أوغلو على تصريحات الرئيس السابق عبد الله جول التي قال فيها: "إن السياسة الخارجية تبدأ من داخل البيت نفسه. لذلك يجب أن يكون داخل المنزل مرتبًا، حتى نحقق النجاح في السياسة الخارجية".
وأضاف اوغلو في نبرة حنين" لقد بذلنا الكثير من الجهد في سبيل تمثيل تركيا جيدًا أمام الرأي العام العالمي، وكذلك حل المشكلات بطريقة سلمية". 
وبخصوص السياسات قال اوغلو" نحن نمر بمرحلة ضبابية في السياسات الخارجية والداخلية. لا توجد دولة في العالم لا ترتبط مشاكلها الداخلية بسياساتها الخارجية. وكذلك على المستوى الخارجي، تنعكس المشكلات الداخلية على السياسات الخارجية".
أمَّا على المستوى الداخلي، أكد داود أوغلو" أن تركيا في الفترة التي كانت فيها تمثل نموذجًا للحقوق والحريات، كانت قوية في سياساتها الخارجية أيضًا"
 وقال" المفكرون والأكاديميون ورجال الدولة وجميع طوائف المجتمع، علينا أن نجتمع ونتكاتف حول مصير أمتنا، والعمل على استفادة الإنسان من المبادئ العالمية للحقوق والحريات".

نجح داود اوغلو في تكوين قاعدة شعبية
نجح داود اوغلو في تكوين قاعدة شعبية

داود اوغلو..مختصر سيرة ذاتية
ولد داود أوغلو في 26 فبراير 1959 في قونيا في وسط تركيا. أكمل دراسته الثانوية في المدرسة الألمانية الدولية في إسطنبول، ثم تخرج سنة 1983 من كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية من جامعة البوسفور في تخصصي الاقتصاد والعلوم السياسية.
نال شهادة الماجستير في الإدارة العامة والدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الجامعة ذاتها.
عمل بداية من العام 1990، أستاذاً مساعداً في الجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا، التي أسس فيها وترأس قسم العلوم السياسية الى العام 1993، وعمل من بعدها أستاذا مشاركا.
وبين العام 1995 والعام 1999، عمل استاذا في معهد دراسات الشرق الأوسط، ومعهد البنوك والتأمينات وبرنامج الدكتوراه في قسم الإدارة المحلية والعلوم السياسية في معاهد ومؤسسات تابعة لجامعة مرمرة.
بعد انتخابات 2002، عُيّن كبير مستشاري رئيس الوزراء آنذاك والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ثم أسند إليه منصب سفير متجول في العام 2003 وتولّى في الأول مايو 2009 منصب وزير الخارجية.
أصبح رئيس الوزراء خلفاً لأردوغان في 28 أغسطس 2014.
دعى داوود أوغلو إلى مؤتمر استثنائي لحزب العدالة والتنمية في 5 مايو 2016 على خلفية توتر بينه وبين أردوغان وأجبر بعدها على الاستقالة.
نشر داود أوغلوالعديد من الكتب والمقالات في السياسة الخارجية باللغتين التركية والإنكليزية، وترجمت مؤلفاته إلى العديد من اللغات كالعربية واليابانية والبرتغالية والروسية والفارسية والألبانية.

لا شك ان الإشكالية الكبرى التي لم تخف عن الشعب التركي فيما يتعلق بالصلة بين داود اوغلو واردوغان تكمن في ثلاثة أمور جوهرية هي:
الأول: انتهاج اردوغان طريقا ينم عن تفرد كامل في السلطة وذلك من خلال افتعال مزيد من الازمات والايقاع بمزيد من الخصوم والمعارضين فضلا عن توسيع سلطات الرئيس بموجب التعديلات الدستورية وهو ما لم يجد له صدى كافيا لدى اوغلو.
الثاني: عدم نجاح اوغلو خلال ترؤسه لحزب العدالة والتنمية في تكريس شخصية اردوغان وتاليا صعود الحزب لكن ما جرى هو تقهقر نتائج الحزب في انتخابات العام 2014.
الثالث: محاولة اوغلو انتهاج نهجا مخالفا الى حد ما مع توجهات اردوغان وكان من علاماتها سعيه للدفع بحقان فيدان رئيس جهاز المخابرات التركي للترشح للانتخابات وترك منصبه الحالي وقيل انه أراد اسناد منصب وزارة الخارجية له وهي توجهات اثارت غضبا شديدا لدى اردوغان .
ابان صعود نجم اوغلو وافوله كتبت صحيفة الجارديان البريطانية ان الانطباع العام هو افتقار اوغلو"للهمة والحماس" التي يريدها اردوغان والتي يفترض ان تتوفر فيه لكي يضمن للرئيس بقاءا طويلا في السلطة من دون منافسة.
كان سيناريو اطاحة داود اوغلو مكررا من تجارب أنظمة وأحزاب شمولية ودكتاتوريات سابقة وخلاصته الإحالة الى الحزب لكي يقرر مصير اوغلو.

سيناريو اطاحة اوغلو
سيناريو اطاحة اوغلو كان معدّا سلفا من خلال عقد مؤتمر عام للحزب

أوغلو وقبيل يوم واحد من اطاحته  قال في كلمتة أمام اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية لحزب العدالة والتنمية" لا أريد أن أذهب إلى مؤتمر الحزب في ظل أجواء تنافسية"، وأضاف أيضا "أنا لست مع مؤتمر ذي رأسين".
كانت تلك التصريحات كافية للدلالة على ما آلت اليه الأمور وان اوغلو لم يعد هو صاحب القرار في الحزب ثم ليفاجأ ببدء جمع تواقيع بشكل سري لاقالته وبالطبع بتدبير من اردوغان نفسه.
بحسب مقال نشره الصحفي التركي عبد القادر سلفي الذي كان احد الإعلاميين البارزين في حزب العدالة والتنمية فأن أوغلو اتصل اثر ذلك بأردوغان متسائلا" يقال إنكم طلبتم جمع التواقيع من الأعضاء"، فأجاب أردوغان" نعم، هذا طبيعي لأنني قائدهم". فرد داود أوغلو" أنت أيضا قائدي"، “لنؤجّل اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية أو آتي إليك لنتحدث سويا" فأجاب أردوغان" و كانت آخر كلمات أردوغان لأوغلو "أدعوا إلى مؤتمر استئنائي وانهي الموضوع".

اوغلو يقدم استقالته لاردوغان مجبرا
اوغلو يقدم استقالته لاردوغان مجبرا

تسعون دقيقة استغرق الاجتماع بين الرجلين وضع اوغلو خطاب استقالته صاغرا امام اردوغان.
داوود اوغلو ما زال في ذروة عطائه وقدرته على القيادة وكانت نكسة طرده بتلك الطريقة المهينة باجباره على الاستقالة جرحا غائرا في نفسه رغم تقبله تلك الإهانة بصمت.
أسلوب الابعاد والتشكيك ليس جديدا على اردوغان فهو يراكم الشخصيات الكارزمية التي تشكل تحديا لشخصه ابتداءا من الداعية عبد الله غولن ومرورا برفيق دربه وسنده السابق عبد الله غل وانتهاءا بداود اوغلو.

تسعون دقيقة اجتماعا مع اردوغان حسمت مصير داود اوغلو السياسي
تسعون دقيقة اجتماعا مع اردوغان خرج بعدها اوغلو مطرودا من المنصب

المراقبون للساحة السياسية التركية يشيرون الى ثقل داود اوغلو خاصة في اوساط الطبقة المثقفة واوساط طلبة الجامعات وان انتسابه لحزب اردوغان لم يزده شيئا لصفاته الاكاديمية ومهاراته الدبلوماسية.
وتشير توقعات الانتخابات المقبلة ان يعود داود اوغلو الى الواجهة وهو ما يقلق اردوغان الذي فرض شبه منع لخصومه من مزاولة السياسة لكن واقع تركيا الحالي لم يعد يحتمل تلك النزعة الدكتاتورية وان عودة دواد اوغلو محتملة الى حد كبير ترفده طبقة من المثقفين والاكاديميين والطبقة الوسطى وهي طبقة لاحظّ لاردوغان في كسبها لصالحه.