عمر ياديكاردش
نوفمبر 18 2017

هل فقط ما نريد سماعه هو حقيقة قانونية؟

يُشبّه الشاعر الفرنسي ريمى دى جورمونت الحقيقة بعصا يستند عليها الإنسان خلال رحلة حياته. ويسعى "مركز الذاكرة" بتركيا خلف الحقيقة منذ عام 2011م.
فقد نشر المركز تقريرًا بعنوان "متابعة القضية: الدولة والمواطن في قاعة المحاكمة". يكشف التقرير النقاب عن الساعين خلف الحقيقة، وقصة أولئك المهيمنين الذين يشوهون الحقيقة تارة ويحرفونها تارة أخرى.
إن الدراسات التي تناولت أنشطة متابعة القضايا  القليلة التي تم فيها محاكمة موظفي الدولة الذين قاموا بخرق حقوق الإنسان في التسعينات، تُطلِعنا على النماذج التاريخية على دور الإجراءات الجنائية في كشف الحقيقة، ونتائج متابعة المجتمع المدني لهذه العملية في تركيا.
ويتكون تقرير "متابعة القضية: الدولة والمواطن في قاعة المحاكمة" من سبعة أجزاء؛ يتضمن الجزء الأخير منه معلومات موجزة عن القضايا التي يتم متابعتها. من بينها قضايا مثل: قضية قوات الدرك بأنقرة،  وقضية موسى عنتر، وقضية مركز ليز.
أما الجزء الأول من التقرير فيشمل إجراءات المحكمة الجنائية الدولية، ومكافحة الهروب من العقاب وصدق الحقيقة.
وتُحمّل الأستاذة الدكتورة (جوكتشان ألبكايا )العديد من المحاكم الدولية مسؤولية فرض العقوبات التي تضمن عدم تكرار مذابح الماضي مرة أخرى.
وتؤكد أيضا على العملية المُؤدية إلى المحكمة الجنائية الدولية التي بدأ العمل بها عام 2002م، بدءاً من محكمة (نورنبيرج )التي أُنشئت نتيجة الهولوكوست.
والآن، يخطرعلى الأذهان سؤال هام وهو: "هل العدالة الجنائية الدولية هي أفضل وسيلة للوصول إلى الحقيقة؟"
تُعد مكافحة الإفلات من العقاب بداية جيدة ولكن العقوبات المفروضة لا تضمن عدم تكرار نفس الأحداث . وعلى الرغم من ذلك، فكما أوضحت جوكتشان ألبكايا "فإن الإنجاز الحقيقي لهذه المحاكم هو الوصول عن الحقيقة".
وتعدالوثائق والمحفوظات والمحاضر جزءا من الذاكرة الاجتماعية. فمحاضر قضية (نورنبرج )التي نُشرت في 43 مجلدًا تعد تذكيرًا مهمًا للمستقبل.
إن العلاقة بين الحقيقة ومحاكم السيادة بها مشاكل بعض الشيء؛ فقد أخفت محاكم يوغوسلافيا ورواندا بعض السجلات لمدة تصل إلى 50 عاما.
وباختصار، فإن المحاكم وحدها ليست كافية للكشف عن الحقيقة .وفي هذه النقطة،نجد أن (ألبكايا) لخصت العلاقة بين الحقيقة والمحاكم بهذا السؤال المهم: "هل يمكن للقضية الجنائية أن تقترب أكثر من الحقيقة عن السيناريو، مثل فيلم "من ديت" للكاتبة الكردية أفريم ألاتاش؟".
أما (ميليس جاباش) ففتحت في الجزء الثانى الذي كتبته باب المناقشة حول تأثير الردع الذي يُعد أحد المهام المنسوبة إلى العدالة الجنائية. حيث ترى أن محاكمة النازيين لم تمنع حدوث جرائم الإبادة مرة أخرى، كالإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا ودارفور.
ويتحدث الجميع عن تركيا لكن تركيا ما زالت في مرحلة الحبو.
وأشارت (جاباش) في حديثها إلى جريدة أحوال أن العدالة الجنائية لم تتحقق أبدا على نحو فعال بتركيا بخصوص الجرائم الدولة الماضية بتركيا قائلة: "عندما ننظر على سبيل المثال إلى تركيا التي تُعد مسرحا للانقلابات التاريخية، والإبادات، والاختفاءات القسرية، والإجراءات غير القانونية والاعتباطية؛ نرى أن العدالة الجنائية لم تتحقق أبدا على نحو فعال حول جرائم الماضي."

حقيقة قانونية
ميليس جاباش

ومن ناحية أخرى تقول جاباش أن مشكلة الإفلات من العقاب هذه ليست فقط في جرائم الدولة، بل نشاهدها في إطار أوسع فبالإضافة إلى الانتهاكات الماضية التي قامت بها قوات الأمن وموظفو الدولة، نراها أيضا مقبولة من قِبل الدولة، وبهذا تخلق داعماً قوياً لإفلات الجناة من العقاب، وتحميهم من الجرائم المُرتكبة ضد الهويات العرقية والجنسية والدينية والسياسية.
تؤكد جاباش أهمية مكافحة الإفلات من العقاب: "الإفلات من العقاب أحد المشاكل الأساسية أمام التحول الديمقراطي. ولمواجهة هذه المشكلة علينا تحريك قطاعات مختلفة، وتفعيل أساليب بديلة." وأضافت، "والكشف عن الحقائق هو وسيلة أخرى للتوفيق بين مواجهة الماضي ومنع تكراره."
ويستوقِف التقرير الانتباه إلى: " هل الناجون ينتظرون سماع حقيقة قانونية من المحاكمات؟"
أصبحت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بتركيا في التسعينات حقيقة يعرفها الجميع الآن. أما أولئك الذين لا يستطيعون مواجهة هذه الحقيقة يدفنون رؤوسهم في الرمال. أو لا يزالون يأكلون ثمار استراتيجية "مكافحة الإرهاب" الذي هو درع الإفلات من العقاب.
ووفقا للتقارير التي أعدها مركز ذاكرة العدالة للحقيقة فقد اختفي 500 شخص قسرا في التسعينات، كما تم رفع 15 قضية جنائية بخصوص اختفاء 84 شخص قسرا وانتهت بعقوبة اثنان منهم.
الحقوق، هي النقطة الأساسية للوصول إلى الحقيقة بينما نسعى إليها.
وفيما يلي تلخيص للمشاكل القانونية التي واجهتها جاباش في خطواتها الأولى:
- عدم الاعتراف بالاختفاء القسري كجريمة.
- تقييم وقائع الاختفاء القسري بشكل منفصل عن بعضها.
- عدم ربط الوقائع ببعضها البعض.
- إبقاء الدعاوى بعيدا عن الرأي العام.
- بقاء الموظفون الحكوميون المتهمون في قضايا بمناصبهم أثناء سير الإجراءات القضائية.
تؤكد جاباش أهمية عدم ترك قاعات المحكمة فارغة بتركيا وهي تحدثنا عن دراسة متابعة القضية:
"توصلنا إلى استنتاج مفاده أنه من الممكن ضمان محاسبة الفاعلين في مقابل قوة توقع المساعدة من العدالة الجنائية بتركيا التي تعاني من مشكلة في الأحكام القضائية. ورأينا أيضا أنه يمكن لقاعات المحكمة أن تخلق مساحة لوصول أصوات أقارب الأشخاص الذين اختفوا أو تم إعدامهم. بعدما أصبح قول الحقيقة أمام السلطات الرسمية بلا فائدة على مدار سنوات طويلة. إن لقول الحقيقة على منصة عامة قانونية أهمية كبيرة. وأصبحت الحقائق التي لم تصل إلى قطاع معين من المجتمع المُستقطب متاحة للمناقشة العامة، ومعروضة كمصدر معلومات مختلف للمجتمع. في هذا الصدد من المهم جدا عدم ترك قاعات المحكمة فارغة في تركيا التي تحاول إخفاء الحقائق أو تحريفها".

وفي الجزء الذي أعدّه كرم تشيفتشي أوغلو "التطور التاريخي لمتابعة القضايا والتجارب العالمية" تتضح لنا 3 مفاهيم خاصة بأنشطة متابعة القضايا: متابعة القضية، مراقبة القضية، مشاهدة المحاكمة.
وتُرجح منظمة الأمن والتعاون بأوروبا مفهوم (متابعة). فهذا المفهوم يعبر عن المتابعة لفترة محددة، أما مفهوم (مراقبة) فهو المتابعة بشكل سلبي، و(مشاهدة المحاكمة) هي وسيلة يملكها المواطنون العاديون من أجل الضغط الديمقراطي على المحاكم المحلية.
ويشير مركز ذاكرة العدالة للحقيقة إلى إطار منظمة الأمن والتعاون بأوروبا في فعاليات متابعة القضية. وتتابع محكمة العدل الدولية، وهي منظمة مهنية حقوقية، عن كثب التدابير القانونية والإدارية المُوّجهة للمحامين والمدعين العامين والقضاة في تركيا بعد محاولة الانقلاب بتاريخ 15من يوليو.
وأكدت دورو يافان في الجزء المُعنون بـ "متابعة القضية كوسيلة للتصدي للإفلات من العقاب" أهمية متابعة القضية كوسيلة أكثر من نتائج نشاطتها.
إذا تعلق بأذهانكم سؤال: "ما فائدة متابعة القضية؟"
ستتضح لكم هذه الأمور في هذا الجزء..
- جمع معلومات موثوق بها.
- خلق ضغط على مستوى محلي ودولي.
- شفافية القضاة.
- سماع أصوات الضحايا.
- خلق الوعي العام.
- مكافحة الإفلات من العقاب.
تذكرنا يافان بعدم إجراء المحاكمات بين 4 جدران. على هذا، من الممكن أن تنطق الضحايا بالحقيقة. أما البينات الرسمية المكتوبة ستكون تسجيلات رسمية للأجيال القادمة.
عندما ننظر من هذه الناحية: كم شخص شاهد قاعة المحكمة؟ كيف هي قاعة المحكمة؟ تذكر يافان أنه من المهم وجود فريق من الرسّامين أثناء متابعة القضية: لأنه سيساعد على أن يشعر أى شخص بنفسه في قاعة المحكمة، ومتابعة تطورات المحاكمة بعين أولئك أقارب الضحايا بوضع نفسه مكانهم.
عملت بورجو باليكتاش بينجوللو على موضوع الاختفاء القسري في الجزء المُعنون بـ "ممارسة متابعة دعوى قضائية بتركيا: تجربة Failbelli.com
فقد أشارت إلى مشكلة الإفلات من العقاب في ممارسة متابعة القضية. وتؤكد "الحق في معرفة الحقيقة" بينما نبحث عنها. وفي هذه النقطة، تعرض لنا عرقلة الوصول إلى العدالة بأي نوع من أنواع الآليات.
كما أوضحت في إجاباتها على أسئلة جريدة أحوال أن نسبة مشاركة وسائل الإعلام في محاسبة الدولة على الجرائم التي ارتكبتها الدولة في التسعينات، محدودة. وتضيف ضرورة التفكير بشكل متوازٍ مع قوة ووضع الإرادة السياسية المُوجهة لمعاقبة المجرمين.
يزداد كل يوم عدد منظمات وسائل الإعلام المُمَوّلة من رجال الأعمال. أي وسائل إعلام تبقت لنا؟ ووضع منظمات وسائل الإعلام الرئيسة معلوم لنا.
ذكرت بينجوللو "نرسل المعلومات الهامة المتعلقة بالقضايا إلى الصحافة عبر البريد الإلكتروني. وعندما يتم التحكم بوسائل الإعلام، لكم أن تُخمنوا كيف تنكمش تدريجيا قائمة وسائل الإعلام المُرسل إليها الرسائل.
وبينما فُتحت هذه القضايا بـ "مواجهة الماضي"، فإن إغلاقها اليوم واحدة تلو الأخرى يُخبرنا شيئا وهو أن نتناولها بالتفصيل ونقيّمها.
في هذه النقطة من المهم ظهور خلفيات هذه الدعاوى القضائية. وطبيعة هذه الجرائم تستلزم معرفة كيفية ارتكابها، ونشر محتويات تُعمٍق هذا في إطار معرفة لماذا من المستحيل إيجاد حل لمشكلة الإفلات من العقاب. هناك أشياء تقع على عاتق الجميع في محاسبة من يقوم بهذا العمل الصحفي أو من لا يستطيعون القيام به.
تضيف بينجوللو أن متابعة القضية ممارسة هامة. وتؤكد أهمية دلائل متابعة القضية قائلة: " من الممكن القول بازدياد اهتمام المجتمع المدني بموضوع متابعة القضية بسبب ساعات العمل بالمحكمة التي ازدادت في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال تم نشر العديد من الدلائل المختلفة. نرى أن هذه الدلائل تحاول أن تجعل المصطلحات المختلفة مفهومة للمواطنين العاديين وخاصة الصحفيين.
أعدَت أمل أتاتورك سافيملى تقريرا بعنوان "كشوف القضايا والمتابعات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في التسعينات".
المشاكل الرئيسة هي 13 نقطة مختلفة مثل "مشكلة استقلالية وحياد سلطات التحقيق" و "مشكلة أرشيف الدولة" و "مشكلة المؤسسات والأشخاص الذين لا يمكن محاكمتهم أو المساس بهم".
إن السياسيين مشغولون بتغطية الحقيقة. أما أولئك الذين يسعون وراء الحقيقة مشغولون البحث عنها... ومثلما قال بيازيد باستامي "لن يتم العثور على الحقيقة بالبحث، وإنما من يبحث عنها دائما يجدها".
هذا التقرير الذي أعدّه مركز الذاكرة يُسلط الضوء على أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة. كما سيكون تذكيرا هاما للمستقبل.

حقيقة قانونية
بورجو باليكتاش بينجوللو

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: