يناير 26 2018

هل كان مرسوم القرار التركي الخاص بالطيّارين هو السبب وراء حادث طرابزون؟

مازالت التحقيقات مستمرة بشأن خروج طائرة عن السيطرة، وانحرافها عن مسارها في مدرج مطار طرابزون حتى باتت على بعد أمتار قليلة من مياه البحر. 
وفي الوقت الذي تباشر فيه السلطات المختصة التحقيق في ملابسات هذا الحادث، ورد إلينا نبأ آخر عن وقوع حادث آخر في اسبرطة؛ فقد علمنا بنبأ سقوط طائرة عسكرية من طراز CN-235 CASA تابعة لقيادة القوات الجوية في مدينة يال فتش باسبرطة، ومقتل ثلاثة من العسكريين؛  منهم طيارين، وأحد الفنيين.
بالتأكيد فإن النقل الجوي قد قطع شوطًا كبيرًا نحو التطور على مستوى العالم، وفي تركيا أيضًا؛ من أجل هذا كانت الطائرات أفضل وأكثر وسائل النقل طلبًا.
وعلى الرغم من هذا فقد تسببت هذه الحوادث وخاصة سلسلة الحوادث التي وقعت في الآونة الأخيرة في إثارة التساؤلات حول مدى سلامة النقل الجوي. فلو أننا نظرنا إلى حوادث الطيران التي وقعت في الماضي؛ لرأينا أنها خلَّفت وراءها خسائر كبيرة للغاية، وأن السبب وراء وقوعها كان، ودائمًا، يُفسَّر السبب بحدوث عطب فني، او نتيجة خطأ بشري ارتكبه الطيّار.
مثال ذلك، حادث الطيران الذي وقع في 27 مارس عام 1977 في جزيرة تنريف الإسبانية والذي يُعد الأسوأ في تاريخ الطيران؛ فقد اصطدمت طائرتان من طراز بوينج (747) على أرض مطار لوس روديوس في حادث وصف "بالمروع"، خلَّف وراءه 583 قتيلًا.

ولعل ما حدث في اليابان في عام 1985 هو نموذج آخر يجسد مأساة هذه الحوادث المروّعة. فقد انفصل جزء كبير من ذيل طائرة من طراز بوينج 747 SR بعد إقلاعها باثني عشر دقيقة  فقط، وبعد جهود مضنية من الطيارين استمرت الطائرة في الطيران مدة اثنان وثلاثين دقيقة لتسقط بعدها على جبل أوساكا بالقرب من أوانو. راح ضحية هذا الحادث 520 شخصا بما فيهم طاقم الطائرة المُكوَّن من خمسة عشر شخص، ولم ينجو من هذا الحادث سوى أربعة أشخاص فقط ليكسر الرقم القياسي في أكبر عدد وفيات من طائرة واحدة.

وتأتي كارثة "إرمنوفيل" التي وقعت في عام 1974 على رأس حوادث الطيران جميعها التركية منها أو التي لها علاقة بتركيا. فقد انفصل باب تحميل الأمتعة بعد دقائق من إقلاع طائرة الخطوط الجوية التركية من طراز "ماكدونيل دوغلاس" دي سي 10 خلال رحلتها من مطار اسطنبول إلى لندن مرورًا بباريس، لتسقط بعد ذلك بالقرب من باريس. ويفقد 346 شخصا من بينهم أحد عشر شخصاً هم طاقم الطائرة حياتهم.

 

من حوادث الطيران أيضًا سقوط طائرة من طراز بوينج المُسجلة برقم757 TC-GEN وتتبع شركة "برجين إير" التركية في المحيط الأطلسي بعد دقائق من اقلاعها من مطار بويرتوبلاتا .
راح ضحية هذا الحادث 189 شخصا بعد سقوط الطائرة بعد أن تعرضت لسلسلة من المشاكل بدأت بخلل في مؤشرات التوجية الخاص بالطائرة.
ولكننا إذا دققنا النظر في العشرين عامًا الأخيرة لأدركنا انخفاضًا ملحوظًا في نسب الوفيات التي تنتج عن حوادث الطيران على مستوى العالم. وعلى الرغم من المخاطر التي لا زالت تحدق بالطيران المدني ، إلا أن  أعداد حوادث الطيران تشهد بالفعل تراجعًا، بشكل مستمر وثابت، ويعود الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى جهود تحسين السلامة المبذولة من جانب منظمات الطيران المدني الدولية. 
فعلى سبيل المثال، تحققت 36 مليون و800 ألف رحلة طيران خلال عام 2017 على مستوى العالم؛ وفي الاطار نفسه ذكر تقرير صادر عن شركة "To70" الهولندية للاستشارات الجوية، وشبكة سلامة الطيران "aviation Safety Network" أن عام 2017 سجل أعلى عدد من الرحلات الجوية على الإطلاق.
وسجّلت المنظمة التي تتخذ من هولندا مقرًا لها أن عام 2017 كان الأكثر أمانًا في تاريخ الطيران في العالم. وتشير الدراسات إلى انخفاض نسبة وقوع خسائر في الأرواح في حوادث الطيران لتبلغ حادثة واحدة مميتة بين كل 16 مليون رحلة جوية.
وتبني المؤسسة أرقامها على أساس الحوادث، التي تشمل طائرات مدنية مُعتمدة لنقل 14 شخصا على الأقل. وسجلت شبكة سلامة الطيران المدني وقوع 10 حوادث طيران مميتة في العام الماضي، وأن 79 شخصا فقدوا أرواحهم في هذه الحوادث، وهو الأمر الذي يُعد معجزة في تاريخ الطيران.
وكانت الحادثة التي وقعت في قيرغيزستان في شهر يناير من عام 2017 هي الأكبر من نوعها بعد سقوط طائرة شحن تركية، الأمر الذي أودى بحياة طاقم الطائرة المكون أربعة أشخاص، بالإضافة إلى مقتل 35 آخرين على الأرض.
علاوة على هذا فقد احتلت تركيا حسب موقع AirlineRatings.com مركزًا متدنيًا بين عشرين من خطوط الطيران الدولية وصفت بأنها الأكثر أمانُا في عام 2017. ولم تستحوذ أي من شركات الطيران التركية الخاصة مثل أطلس جيت، وأونور إير على ترتيب بين قائمة الخمسين الأوائل.
وجاء ترتيب شركات الطيران حسب القائمة المُعلنة على هذا النحو: خطوط كانتاس الجوية (استراليا)، الخطوط النيوزلاندية، خطوط ألاسكا NXZ الجوية، خطوط نيبون الجوية (اليابان)، الخطوط الجوية البريطانية، خطوط كاثي باسيفيك (هونج كونج)، خطوط دلتا الجوية، طيران الإتحاد الإماراتية، شركة "إيفا إي"، شركة "فين إير" الفنلندية، شركة هاواى للطيران، الخطوط الجوية اليابانية، شركة ك. إل. إم. للطيران، الخطوط الجوية الاسكندنافية، الخطوط الجوية السنغافورية، الخطوط الجوية السويسرية، شركة يونايتد إيرلاينز، شركة فيرجين أطلانتك، شركة فيرجين الاسترالية.
وقام التقرير نفسه بوضع قائمة بأسوء شركات الطيران من حيث عدد حوادث الطائرات المنسوبة اليها، وجاءت القائمة على هذا النحو: الخطوط الجوية البريطانية، الخطوط الجوية الهندية، الخطوط الجوية الصينية، الخطوط الجوية الباكستانية، الخطوط الجوية التركية، الخطوط الجوية الفرنسية، الخطوط الجوية الفليبينية، الخطوط الجوية الكورية، الخطوط الجوية المصرية.
وجاءت  طائرة كونكورد التي توقفت رحلاتها تمامًا على رأس أكثر الطائرات تعرضًا للحوادث، تلتها الطائرة  دونيل دوغلاس إم دي 11، والطائرة إمبرايرأي إم بي بانديرانتي 110، والطائرة فوكر إف 28.
السؤال الآن، ما السبب إذن وراء وقوع كل هذا العدد من الحوادث على الرغم من التطور التقني في هذا المجال؟ الواقع أنه على الرغم من تعدد الأسباب وراء حوادث الطائرات؛ بين خطأ يرتكبه طاقم الطائرة أوخطأ في تصميم الطائرة نفسها أو بسبب عطب في الطائرة نتج عن أحوال الطقس السيء، أو لاصطدام طائر بجسم الطائرة،  إلا أنه يبقى أن السبب وراء وقوع اكثر من نصف حوادث الطائرات مرجعه أخطاء ارتكبها طاقم الطائرة.
طائرة طرابزون
وفي تصريح له لموقع (أحوال تركية) تحدث الخبير في الملاحة الجوية جونطاي شيمْشَك عن أسباب وقوع مثل هذه الحوادث موضحًا أن السواد الأعظم من هذه الحوادث يحدث أثناء إقلاع الطائرة أو هبوطها، وأن التحقيقات دائمًا ما تُرجع السبب إلى وقوع خطأ ما في مقصورة القيادة.
"الحالة النفسية للطيار، وشعوره بالإرهاق، إلى جانب خبرة مساعد الطيّار أسباب مهمة قد تؤدي إلى وقوع مثل هذه الحوادث. وبالنسبة لتركيا فغياب الرقابة، والتفتيش مبرر كاف لوقوع معظم هذه الحوادث الكبيرة. فقد انتهز الطيارون الأتراك تراخي المديرية العامة للطيران المدني بتركيا عن القيام بواجبها في الفحص والرقابة في المواعيد المحدد لذلك، وتحركوا حسب أهواءهم. نعاني من مشكلة خطيرة في الفحص والرقابة".
ويضيف شيمشك أنهم في تركيا لا يُطلعون الرأي العام على محتوى التقارير التي يتم اعدادها بعد وقوع الحادث، ولا يتوقفون عليها كثيرًا. لا يشرحون للشعب حقيقة الأمر بعد الانتهاء من هذه التقارير حتى يستنير بها. ولعلّ السبب وراء ازدياد نسبة وقوع هذه الحوادث، أن الاجراءات التي تتبعها الشركات في تركيا لا تتفق بشكل كامل مع ما هو معمول به في مؤسسات الطيران المدني على مستوى العالم.
"ينبغي أن ألا تقل خبرة الطيار الذي يقود طائرة من طراز بوينج 777 لمسافات طويلة عن 15 سنة على الأقل. وهنا نجد أن المديرية العامة للطيران المدني تتكاسل عن أداء واجبها معتبرةً نفسها مثل أي مؤسسة مدنية عادية على رغم من أن الواقع على العكس من ذلك تمامًا. فعلى سبيل المثال، لا نجد آلية فعّالة لمتابعة الطيارين، ومراقبة من يتسببون في حدوث مشاكل في الجو. كما أن الرواتب التي تُمنح  لطاقم الطائرة لا يساعد على اجتذاب ذوي الخبرة والكفأة منهم. فلا يمكنهم تحت ظروف كتلك أن يوظِّفوا مثل هذه الكفاءات."
أما السبب الآخر لحدوث بعض المشاكل التي تؤدي بدورها إلى وقوع حوادث الطائرات فيعود إلى اكتشاف خلل تقني. يشدد  شيمشك في هذا الاتجاه على ضرورة الوعي بمدى المخاطر التى قد تتعرض لها الطائرات بعد اكتشاف وجود أعطال تقنية، فينبغي علينا أن نُولي جُل اهتمامنا إلى العناية بالطائرة، وصيانة المحرك على وجه الخصوص، واخضاع ذلك كله للمراقبة الدورية المكثفة. لأن مثل هذه الأمور لا تحمل الخطأ.
ويضيف شيمشك أن حوداث الطائرت قد تحدث كذلك نتيجة لتعرض الطائرة لمؤثرٍ خارجي. كما أن حمل المسافرين لبعض الأجهزة مثل أى باد، والهاتف المحمول، وأجهزة الكمبيوتر بما تحويه من بطاريات على متن الطائرة قد تتسبب هي الأخرى في حدوث مشاكل في بعض الأحيان، وخاصة أن خطر اندلاع حريق داخل الطائرة يزداد مع وجود مثل هذه الأجهزة الالكترونية مع المسافرين.
"هناك موضوع آخر يتعلق بحمل المواد القابلة للإشتعال على متن الطائرة. ويمكن تدارك هذا الأمر باتباع التعليمات الخاصة بنوعية ما يحمله الراكب، هو أمر معلوم للجميع.  لأن بعضًا من حوادث الطيران قد ينتج عن تأثير خارجي، أو نتيجة لحمل مواد خطرة داخل الطائرة (مثل المواد القابلة للاشتعال)، أو قد يكون بسبب مشكلة تقنية أو خلل فني في الطائرة. إن موضوع النقل الجوي أمر لا يرتبط بتركيا وحدها، فهو يتم في اطار دولي لا تقتصر سلامته على موافقة المسئولين الأتراك على اجراء أو رفض غيره."
ويشدد شيمشك على أن جميع الخطوط الجوية في أوروبا لا تسمح بأي حال من الأحوال بحمل أي من المواد الخطرة مثل البطاريات، ومصادر الطاقة الأخرى على متن الطائرات.
وفي الإطار نفسه يتحدث الطيار الحربي السابق بهادير ألطان الذي عمل كابتن طيار لسنوات على الطائرات المدنية، ويقول أن حوادث الطائرت مثل سلسلة قوامها التوجية السليم أثناء التحليق في الجو، وتقديم الخدمة الفنية للطائرات، وتلقي التدريب الكافي. ووعندما تختل حلقات هذه السلسلة فسيقع الحادث لا محالة. 
"ينبغي أن تضع المديرية العامة للطيران المدني موضوع حوادث الطائرات على قمة أولوياتها، وأن تجعل جميع أعمال التفتيش والمتابعة تحت إشرافها المباشر؛ لأن 75 بالمئة من الحوادث التي تقع يكون العامل البشري وراءها، وأقصد بالعامل البشري هنا عدم تلقي التدريب الكافي."
يلفت ألطان الانتباه كذلك إلى أن السلطة الحاكمة في تركيا اتخذت بعض الإجراءات بمقتضى مراسيم القانون رقم 693 و694 التي اصدرتها في ظل حالة الطوارئ المفروضة؛ كان من بين هذه الاجراءات أنها أجبرت الطيارين الذين لا تقل مدة خدمتهم عن 18 عام على ترك وظائفهم والعمل في القوات المسلحة التركية. وبذلك افسحت المجال للطيارين الحربيين الذين اُجبروا على التقاعد بعد اتهامهم بالانتماء لجماعة "فتح الله غولن" للالتحاق بالعمل على متن الطائرات المدنية لسد العجز في عدد الطيارين.
طائرة طرابزون

 

لقد استدعوا ذوي الخبرة من الطيارين المدنيين للعمل في القوات المسلحة بموجب مراسيم القرار التي لها صلاحية القانون، دون أن يأتوا ببديل مناسب يسد تلك الفجوة. ويلفت بهادير ألطان حجم الفجوة التي احدثها هذا الوضع في الطيران المدني.
"كانوا يجبرون هؤلاء الأشخاص على الالتحاق بتلك الوظيفة. كانوا يقولون لهم لو لم تأتوا وتعملوا في هذا الموقع فسنلغي شهادة مزاولة المهنة الخاصة بكم. وبالشكل نفسه ترك 30 طيارا شابا مُدرَّبا عملهم في شركة (بيغاسوس) التي تعرضت احدى طائراتها لحادث في مدينة طرابزون. الأمر الذي أحدث هذه الفجوة الكبيرة."
يرى الخبراء أن السبيل الوحيد لتقليل عدد حوادث الطيران يبنغي أن يمر من خلال حصول الطيارين على التدريب الكافي. وإذا قمنا بشكل متدرج باتباع نظام من المراقبة والتفتيش لمنع استخدام البطاريات المعدنية المصنوعة من  الليثيوم أو البطاريات الأيونية الخاصة بالأجهزة الالكترونية على متن الطائرة، فسيحد ذلك من نسبة وقوع مثل هذه الحوادث بشكل كبير.
ذكر الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا IATA" في تقريره الشهري، أن الطلب العالمي على السفر قد ارتفع على مستوى العالم. وعلى الرغم من ذلك فلا تزال هذه النسبة ضئيلة.
وأكد "إياتا" في الاطار نفسه على أن الطلب العالمي على السفر جوًا ارتفع من 6.8 بالمئة في شهر يوليو عام 2017 ليسجل نسبة 7.2 بالمئة في أكتوبر من نفس العام.
وفي تقرير لها حول حركة المسافرين، والبضائع ذكرت المديرية العامة لإدارة المجال الجوي التركي (DHMİ)، إن اجمالى عدد الرحلات بما فيها رحلات الترانزيت المباشر التي استخدمت المجال الجوي التركي قد حقق 146 مليون 989 ألف و680 رحلة في الشهور التسع الأولى من عام 2017 بزيادة تقدر بنسبة 9.9 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتعزي هذه الزيادة إلى تحصيل مبالغ منخفضة الذتي أثرت بشكل كبير في هذه الزيادة. فالمسافر يريد أن يسافر على رحلة آمنة، رخيصة، وأن يحصل على خدمة مميزة. ومن ينجح في ذلك يستطيع الوقوف على قدميه.
حادث طائرة طرابزون

 

يُمكن قراءة هذا التحقيق باللغة التركية أيضاً: