أحمد أردي أوزتورك
مايو 30 2018

هل لحركة "فتح الله غولن" مستقبل في المنفى السياسي؟

عشتُ في الأيام الماضية مع سيمون ب. واتموغ من جامعة "غراتس" النمساوية، فرحة مشاهدة نتيجة جهد استمر لأكثر من عامين، وتم إنجازه مؤخرًا.

هذا الجهد كان عبارة عن عمل أكاديمي عملنا عليه منذ زمن طويل، وحمل عنوان "الخراب أو المرونة؟ مستقبل حركة غولن في المنفى السياسي العابر للحدود"، ونشر في عدد خاص من مجلة "السياسة والدين والإيديولوجيا"، وساهم فيه بمجموعة من المقالات المختلفة عدد من الأكاديميين مثل لوكا أوزانو، وغابرييل أنجي، وبايرام بالجي، وليزا دوموفيتش، وكارولين تي، وديفيد تيتنسور.

فهذا العمل يعتبر على ما أعتقد النشر الأول والوحيد الذي ظهر في هذه الفترة التي لم يعد لحركة "فتح الله غولن" فرصة للعمل بشكل موضوعي من داخل تركيا. ولقد تم إعداد هذا العدد من المجلة المذكورة، بشكل يفيد القارئ المهتم بموضوعات العلاقات بين الدين والدولة، والإسلام والسياسة، وتركيا.

ورغم هذا، فإن هناك حقيقة مفادها أن هذا الموضوع يثير اهتمام الكثيرين سواء داخل تركيا أو خارجها، غير أن النشر الأكاديمي لمثل هذه الموضوعات، كما حدث في هذا العمل قد لا يحظى سوى بقراءة أعداد قليلة للغاية، ومن ثم فإنني على قناعة بأن تناول هذا العدد الخاص من المجلة المذكورة، هنا في هذا المقال أمر بالغ الأهمية.

وثمة سببان رئيسيان خلف قناعتي هذه، يمكنني عرضهما على النحو التالي ذكره:

أولهما أن هناك الكثير من الأعمال الأكاديمية التي تناولت الجماعة لكنها كانت أبعد ما يكون عن الموضوعية حينما أطلقت عليها اسمي "الخدمة(اسم الجماعة)" أو "FETÖ(حروف اختصارية من اسم: جماعة فتح الله غولن الإرهابية)"، تناولت هذه الأعمال الجماعة منذ بداية ظهورها وحتى فيما بعد المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في 15 يوليو 2016.

أما العدد الخاص من المجلة الذي نتحدث عنه هنا فقد اقترب من هذا الكيان الذي تمت تسميته في العمل باسم "حركة غولن"، على أنه ظاهرة سياسية واجتماعية، ولقد تم تدعيم هذا العمل بسلسلة من الدراسات والأبحاث الإثنوغرافية.

أما السبب الثاني فهو رغبتي في التأكيد على أن تناول هذه الحركة التي بات مجرد ذكر اسمها مصدر ذعر بسبب الأجواء السياسية في تركيا بشكل خاص، يعتبر أمرًا مهمًا وطبيعيًا بالنسبة للعالِم الاجتماعي المهتم بمثل هذه الموضوعات.

وكما تعلمون كانت السلطات التركية حتى الأمس القريب تكتب خطابات توصية من أجل هذه الحركة بدءًا من فلنلدا إلى ألمانيا، ومن أميركا اللاتينية إلى جنوب آسيا، وبين ليلة وضحاها أعلنتها منظمة إرهابية، وهذا أمر يبعث على الدهشة والحيرة من المسؤولين الأتراك، كما أنه يقتضي دراسته من قبل علماء الاجتماع، لما فيه من تغير سريع في المواقف.

وبخلاف مقالتي أنا و سيمون ب. واتموغ، داخل العدد الخاص من المجلة المذكورة، فإن مقالة حقان ياوز، فحسب هي التي تطرقت إلى العمل والأداء الداخلي للحركة، وفترة التحالف غير الرسمي الذي أقامته مع حزب العدالة والتنمية، وما بعد هذه الفترة، لكن هذه المقالة لم تدرس وتتناول وضع الحركة في البلدان الخاصة.

ومع هذا فإن الأكاديميين، لوكا أوزانو، وغابرييل أنجي، وبايرام بالجي وليزا دوموفيتش، وديفيد تيتنسور، بحثوا في مقالاتهم ماهية الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للحركة في عدة بلدان مثل السنغال، وأميركا الجنوبية، وإيطاليا، وفرنسا، وأستراليا، قبل المحاولة الانقلابية وبعدها، كما تطرقوا إلى الصراعات التي خاضتها الحركة مع حزب العدالة والتنمية في المناطق  الجغرافية العابرة للحدود.
أما نحن فمن خلال المقابلات التي أجريناها مع نخب الحركة في عدد من البلدان المختلفة خلال فترة تجاوزت السنوات الخمس، فنزعم أن للحركة وجهاً "سياسياً مالياً". ومقصدنا من هذا هو رغبة الحركة في الحصول على القوة السياسية قبل أن تدخل السياسية بشكل كامل. ولا شك أن النسبة المئوية التي تشكلها هذه الرغبة داخل الحركة الكبيرة جدًا، مثار جدل ونقاش.
وبحسب ما أظهرته لنا المقابلات التي أجريناها، فإن الحركة عبارة عن مزيج من المراكز المصممة جيدًا في بعض الأماكن، والمرتبطة بمجموعة معينة من القواعد، والمعززة بشبكات مالية، وتستهدف الحركة ككيان له وجود، القوة الاجتماعية والإدراكية والسياسية والمالية على مستويات مختلفة.
وفي هذا السياق، فإن الدين، والسياسة، والتمويل، والبيروقراطية داخل المراكز المذكورة، تشبه الحلقة المتداخلة في بعضها البعض. وهذا بالطبع لم يعد صالحا في تركيا، أما في الخارج فإن القدم السياسية للموضوع، لم تعد موجودة تقريبا.
وداخل تركيا ينتشر تصور مفاده أن حركة "غولن" في طريقها للأفول والانقراض في الخارج، وفي المقابل ترد الحركة على هذا التصور، وتؤكد رفضه من خلال أجهزتها الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.
غير أن نماذج البلدان التي وردت في العمل المنشور في المجلة توضح أن كلا الأمرين (أن الحركة بدأت تنتهي بالخارج أم لا) لا يعكسان الحقيقة بأي حال من الأحوال. والدراسة التي أجريناها توضح أن حركة "غولن" فقدت فرصة دراستها ككيان متكامل، وذلك منذ اللحظة التي باتت فيها غير مؤثرة فعليًا داخليًا، وبدأت تمارس أنشطتها في الخارج فحسب.

ولا جرم أن هذا الوضع كان موجودًا من قبل لكنه بات أكثر بروزًا في الوقت الراهن، وأصبحت مسألة دراسته ومناقشته خاضعة لظروف كل دولة توجد بها الحركة على حدة. لكن هذه الدراسة تتضمن مؤشرات ثابتة: علاقات الدول مع تركيا، والتنمية الاقتصادية، والتصور الخاص بحركة "غولن"، والقوة المالية، والقيم الديمقراطية الليبرالية للدول، وحرية الصحافة ومستوياتها في القضايا الأخرى المماثلة.

فعلى سبيل المثال، لا تعتبر عملية إعادة المدرسين المنتسبين للحركة من كوسوفو، أمرًا من الممكن حدوثه في بقية دول البلقان. نعم،قد يحدث وضع مشابه لما حدث في كوسوفو، في مقدونيا التي لتركيا تأثير كبير فيها نسبيًا، لكن الأمر أشبه بالمستحيل في ألبانيا؛ وذلك لأنه وعلى عكس بقية دول البلقان، تتمتع حركة "غولن" في ألبانيا بسمعة هامة في التعليم العلماني والديني على حد سواء، ولها علاقات وثيقة مع نخب الدولة، ولها قدرة في تلك الدولة على الاكتفاء بذاتها اقتصاديًا.

ومن المؤكد أن لمستوى التسلسل الهرمي في العلاقات التي تقيمها الدول مع تركيا، أثراً مهماً في تغير طبيعة هذه الأوضاع من بلد لآخر.

ولا شك أن نفس التصور يسري على البلدان الإفريقية. فعلى سبيل المثال نرى أن أعمال حركة "غولن" في السنغال ليست على ما يرام، بينما وضعها في جمهورية جنوب إفريقيا، يشبه وضعها في ألبانيا الذي تحدثنا عنه.

أما الوضع في البلدان الغربية، مثل بريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وإيطاليا، وفرنسا، معقد بعض الشيء. إذ من الممكن أن نقول إن أنشطة الحركة في تلك الدول قلت بشكل كبير. وذلك لأن الدعم المالي الذي كان يأتي للحركة من المهاجرين الأتراك قل بشكل كبير مقارنة بذي قبل.

وأحد أسباب قلة الدعم المالي من المهاجرين الأتراك، هو أن هؤلاء المهاجرين باتوا يعتبرون الحركة إرهابية وخائنة لبلادهم. أما السبب الآخر فهو خوف هؤلاء المهاجرين من الضغوط التي قد يتعرضون لها من البلدان التي يعيشون فيها، ومن بلدهم الأم إذا ما استمروا في دعم الحركة ماديًا.

لكن مع هذا ليس من الواقعية أن نقول إن الحركة فقدت الدعم بالمعنى السياسي في البلدان الغربية؛ لأنه لو كان هناك أمر كهذا لاضطر أعضاء الحركة ممن هم ليسوا من مواطني البلدان الموجودين بها، إلى مغادرة تلك الديار.

وفي سياق متصل ليس من قبيل الإمكان تقريبًا الحديث وبشكل كامل عن المستوى الذي وصلت إليه العلاقات التي أقامتها الحركة مع الكيانات السياسية للبلدان الأخرى، ولا سيما الكونغرس الأميركي. فهناك بعض المشاكل لدى الحركة متعلقة بالشفافية في هذه الموضوعات السياسية، حتى أن أنصار الحركة وأتباعها غير المعنيين بهذه الموضوعات،ليست لديهم أية دراية بهذه العلاقات.

ومن الجدير بالذكر أننا خلال الدراسة لاحظنا ما يلي: بعض الدول الغربية التي يرتفع بها مستوى التغير الديمقراطي، بدأت تصنف حركة "غولن" على أنها "مجموعات ظلمتها الدولة التركية"، وذلك على عكس الاعتقاد السائد داخل تركيا.

ولا شك أن هناك سببين رئيسين وراء اتجاه هذه الدول لمثل هذا التصنيف، أولهما، الحكايات التي يقصها منتسبو الحركة الذين لجؤوا للدول الأجنبية،ولا زالوا موجودين هناك.

أما السبب الثاني فهو ما انتهجته السلطات التركية من عقوبات خارج القانون، جرت في ظل قانون طوارئ تدار به البلاد منذ ما يقرب من العامين، طالت تلك العقوبات أعدادًا كبيرة من المواطنين ممن لهم علاقة أو لا بالمحاولة الانقلابية التي شهدتها البلاد. لكن ثمة اختلافات تحدث في هذا الصدد من مكان لآخر، كتلك الفروق التي في المعاملة التي تتم مع الحركة بحسب البلد الذي توجد به. وإلى جانب السببين المذكورين، هناك أمر آخر يتمثل في عجز الرأي العام الخارجي عن إدراك وفهم العملية التي تمت بهذا الخصوص، وما آلت إليه في الوقت الراهن.

وبخلاف الأقسام التي حاولت تلخيصها أعلاه، فإن هناك أمرين يخبرنا بهما المشهد العام. أولهما أن الأشخاص الذين يميلون في دراساتهم وأبحاثهم المتعلقة بتركيا إلى الموضوعات الخاصة بجالياتها التي تعيش في الشتات، سيكون من الصعب عليهم من الآن فصاعدًا الابتعاد عن تناول حركة "غولن" ضمن تلك الجاليات. فالحركة وإن كانت لا تعرف نفسها على أنها جالية وتعارض هذا التعريف، بدأت تكون جزءًا من هذه المجموعة.

وفي هذه النقطة يمكننا أيضًا التأكيد على أنه سيكون من المستحيل أن تقوم الجماعات والأعراق التركية الموجودة بكثافة خارج الوطن، من أكراد، وعلويين، وغيرهم، بالتعاون بأي حال من الأحوال مع حركة "غولن".

كما أنه لن يكون من السهل بأي شكل أن يتغير ذلك التصور الذي تسببت فيه الحركة من خلال شراكتها التي دامت لما يقرب من 10 سنوات مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.

أما الأمر الثاني الذي يبلغنا به المشهد العام، فهو أنه بانزياح الحركة لخارج البلاد بشكل كامل، سيكون من الصعب وغير الممكن تناولها بالدراسة من فوق المكاتب، إذ أن الأمر يقتضي إقامة دراسات في كل بلد على حدة، وهذه الدراسات كفيلة بتقديم صور وتصورات مختلفة.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/tr/gulen-cemaati/gulen-hareketinin-siyasi-surgunde-bir-gelecegi-var-mi&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.