جلدم أتاباي شانلي

هل مستويات التضخم في تركيا تبعث على الارتياح؟ الإجابة لا

سجل مؤشر التضخم الشهري لأسعار المستهلكين في تركيا 1.02 بالمئة خلال يناير الماضي لتتراجع نسب التضخم الشهري هذه للمرة الأولى في 12 شهرا مسجلة 10.3 بالمئة مقابل 11.9 بالمئة في ديسمبر. 
تأثرت نسب التضخم المرتفعة خلال العام الماضي بسبب سياسات خفض قيمة الليرة وأسعار المواد الغذائية. لذا فإن التراجع الحالي الملحوظ في النسب له جذور من عام مضى بالإضافة لنسب معتدلة نظريا في مؤشر تضخم أسعار المواد الغذائية.
تراجع مؤشر التضخم السنوي لأسعار المواد الغذائية بدوره بشدة مسجلا 8.8 بالمئة في يناير مقابل 13.8 بالمئة خلال الشهر السابق وذلك بفضل الأحوال الجوية الملائمة التي ساعدت على خفض أسعار الأغذية غير الجاهزة.
في الواقع فإن اللجوء إلى ذكر أرقام التضخم الخاصة بأسعار الأغذية والمشروبات كعنوان لعرض التضخم الشهري لأسعار المستهلكين قد ساهم في تراجعه إلى 0.4 نقطة مئوية هذا العام مقارنة مع 1.4 نقطة مئوية خلال العام الماضي.
وبالتالي أسفر كل هذا عن تراجع قدره نقطة مئوية كاملة في العنوان العريض لنسبة التضخم.
على نفس المنوال، سجل مؤشر التضخم المحلي لأسعار المستهلكين زيادة شهرية قدرها 0.99 بالمئة في يناير لينخفض المعدل الذي يحسب على أساس 12 شهرا إلى 12.1 بالمئة مقابل 15.5 بالمئة قبل شهر.

مخطط اقتصادي

ومع تراجع مؤشر التضخم بشكل عام أشاد المتعاملون في الأسواق بهذه الأرقام واعتبروها علامة إيجابية. لكن أثر هذه النشوة رغم كل هذا كان محدودا على وضع الليرة وأذون الخزانة التركية. 
كما أن معدل التضخم بقي رغم كل هذا عند مستوى أكثر من عشرة مقابل أرقام قوية سجلتها الأسواق الناشئة في المتوسط وبلغت 3.5 بالمئة.
التعثر الذي حدث راجع بلا شك للارتفاع المستمر في مؤشر التضخم الرئيسي الذي يؤثر بشدة بشكل عام على التضخم مستقبلا ويبدأ أثره في الظهور فور تلاشي التبعات الإيجابية للتأثير المحسوب على أساس سنوي. 
وسجل هذا المؤشر الرئيسي تراجعا طفيفا إلى 12.2 بالمئة في يناير مقابل 12.3 بالمئة في ديسمبر رغم تراجع بواقع 157 في مؤشر التضخم لأسعار المستهلكين.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

بالتدقيق في التفاصيل سنجد من المثير كيف صمد التضخم الرئيسي رغم خفض قيمة الليرة الذي طبق خلال الفترة الأخيرة وهو أمر سببه ضعف قيمة الدولار الأمريكي على المستوى العالمي في يناير. 
وكان طبيعيا أن يؤدي هذا إلى تراجع مهم في معدلات التضخم الرئيسي خلال الأشهر التالية. لكن هذه الحقيقة غير ممكنة إلا إذا اعتقدت الأغلبية أن المستوى الحالي لليرة يمكن تحمله حتى نهاية العام.
الأهم أنه وبينما يتحرك مؤشر تضخم أسعار المنتجين بالتوازي مع تحركات سعر الصرف حيث ساهم انخفاض قيمة الليرة في تخفيف الضغوط المرتبطة بالتكلفة فإن تضخم أسعار المستهلكين يبدو بمعزل عن تحركات العملة. 
لو ترجمنا هذا إلى أرقام فإن "المؤشر السنوي لتضخم أسعار الخدمات" رغم تراجعه إلى 9.2 بالمئة في يناير مقابل 9.5 بالمئة في ديسمبر فإن "تضخم أسعار السلع" سنويا سجل تراجعا كبيرا إلى 10.8 بالمئة من 13 بالمئة قبل شهر.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

لا يمكن تفسير هذا الأمر إلا من خلال التراجع الكبير في التوقعات الخاصة بنسب التضخم مع عجز البنك المركزي بشكل مستمر عن الوفاء بالتزامه بخفض التضخم السنوي إلى خمسة بالمئة كما لا يزال التضخم الأساسي عند مستوى أكثر من عشرة بالمئة. 
وبينما تطل نسب التضخم الكبيرة برأسها مرة أخرى فلا عجب أن يهرع الأتراك وبمعدلات قياسية كل أسبوع إلى البنوك بغرض زيادة مدخراتهم من العملات الأجنبية. 
ومرة أخرى يتم تداول عملات أجنبية مختلفة بشكل متزايد ليضعف سياسة نقدية غير مجدية تعاني الضعف بالفعل.
وبالتطلع للمستقبل فإن قراءات مؤشرات التضخم في يناير لا تكاد تظهر أي علامة إيجابية. فلنبدأ بأسعار النفط المرتفعة التي تتجه نحو تسجيل 80 دولارا للبرميل وستعد من بين المستويات المرتفعة لتضخم أسعار الطاقة في الأسواق الناشئة خلال الأشهر القليلة المقبلة. 
ببساطة فإن تركيا بوصفها بلدا مستوردا للطاقة ستتأثر بأسعار النفط سواء في صورة تضخم أو الخفض الحالي في الموازنة.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

على نفس القدر من الأهمية من المنتظر أن يسجل مؤشر السلع الغذائية ومؤشر التضخم الأساسي ارتفاعا في بعض الأسواق الناشئة وبينها تركيا. 
لكن من المنتظر أيضا أن يرتفع مؤشر التضخم في الأسواق الناشئة، الذي ظل مستقرا خلال الأشهر القليلة الأخيرة من العام الماضي على عكس ما أصاب تركيا، وذلك خلال الأشهر المتبقية من 2018. 
بالتالي لا يتوقع لمعدل التضخم في تركيا، وبعد أشهر قليلة من تأثيرات محمودة للمعدلات السنوية، أن يتراجع إلى ما دون عشر نقاط على أساس مستمر.
تتعقد التوقعات أكثر بالنسبة للتضخم في تركيا بسبب التضخم الأساسي الذي يتجاوز بكثير النسب الأساسية لتضخم أسعار المستهلكين. 
ويعني هذا أن ضغوط تكاليف المعيشة أصبحت أبعد ما يكون عن التراجع رغم الصعود الملحوظ مؤخرا لليرة. 
من الضروري أن تساعد هذه الحقيقة على تذكير الجميع بأنه، وبخلاف التأثير السنوي وعمليات ضبط الأسعار المؤقتة، فإن قوى التضخم لا تتعرض لأي ضغط يذكر. 
وبعيدا عن الأثر السنوي للربع الأول، والذي ربما يؤدي لخفض مؤشرات التضخم لأسعار المستهلكين لما دون عشر نقاط، من المنتظر أن يستقر التضخم عند مستويات بين 10 و12 بالمئة خلال النصف الثاني من العام الحالي.
وحين يأتي الأمر على ذكر الليرة التركية فإن التوقعات تشير إلى معدل يتراوح بين 4.1 و4.3 دولار بحلول نهاية 2018. 
ومع اتضاح معدل الفائدة الفدرالي حيث يقترب الآن من تسجيل زيادة رابعة، فإن الإقبال على أذون الخزانة الأمريكية سيخلق مناخا متذبذبا للغاية في أسواق العملات خاصة ما يتعلق منها بالأسواق الناشئة مع عودة التدفق المالي إلى الملاذات الآمنة.
دائما ما يتسبب خفض قيمة الليرة في مزيد من التضخم في تركيا مثلما لوحظ خلال العامين الماضيين وسيؤدي إلى تكاليف إضافية جراء التضخم. 
سيظل هذا واقعا بشكل خاص طالما أحجم البنك المركزي عن فعل ما يلزم لكبح جماح التضخم متأثرا بضغوط الحكومة التي تعتبر، خطأ، أن معدلات الفائدة المرتفعة سبب رئيسي لحدوث التضخم.
وأخيرا وليس آخرا فإننا ندرك بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة ومع اقتراب موعد الانتخابات ستفعل كل ما بوسعها للاستمرار في تحفيز الاقتصاد. 
وبعد تحقيق نمو قدره سبعة بالمئة في الناتج الإجمالي المحلي عام 2017 ترى الحكومة حاليا أن معدل النمو الذي توقعته بنسبة خمسة بالمئة لهذا العام لن يكون كافيا للحفاظ على مستويات الوظائف ومن ثم ضمان أصوات في صناديق الاقتراع. 
ولتحقيق معدل نمو جريء كهذا يتعين على الحكومة بالطبع اللجوء للاستعانة لمزيد من المال العام لتحفيز الاقتصاد.
ومثلما حدث العام الماضي حين تجاوز مؤشر تضخم أسعار المستهلكين حاجز 13 بالمئة في نوفمبر بسبب دعم الحكومة للنمو الاقتصادي فإن تطبيق إجراءات مماثلة من شأنه ولا شك أن يضع مزيدا من الضغوط تؤدي لزيادة التضخم. 
كل هذا في اقتصاد يكاد يكون من المستحيل فيه وضع تقديرات للتضخم بسبب خطة البنك المركزي المخادعة لتحديد معدل التضخم.
للتذكير فقط فإن البنك المركزي وفي أول تقرير له عن التضخم خلال العام زاد تقديراته لمؤشرات تضخم أسعار المستهلكين في نهاية العام بنقطة مئوية كاملة ليصل على 7.9 بالمئة. 
يصر البنك المركزي رغم ذلك على أنه يطبق سياسة مالية "صارمة" لكن من المرجح في الواقع أن يسعى البنك لتقليل متوسط تكاليف تمويل من البنوك والذي يدور حاليا حول مستوى 12.3 بالمئة وذلك رغم تراجع مؤشرات التضخم الرئيسي خلال الشهرين الماضيين.
من غير المرجح بدرجة كبيرة أن يتدخل البنك المركزي للسيطرة على عوامل التضخم وبالتالي سترتفع أسعار الفائدة. 
ومع ترك التضخم لتحدده آلياته فإن جميع العوامل المذكورة أعلاه ستؤدي مرة أخرى لارتفاع مؤشر تضخم أسعار المستهلكين لأكثر من عشرة بالمئة بنهاية العام الحالي.
باختصار لا داعي للفرح بأي تراجع محتمل في مؤشر التضخم الرئيسي خلال الربع الأول من العام لأن الاتجاهات الحالية، ومعها تدخل البنك المركزي، لا تعني نهاية سعيدة على الإطلاق لمسلسل التضخم في 2018.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/economy/no-turkeys-january-inflation-not-good